قال الدكتور علي الريامي، خبير أسواق النفط، إن أزمة أسعار الطاقة التي تشهدها أوروبا تعكس بوضوح هشاشة اعتماد القارة على واردات الوقود الأحفوري من الخارج، مؤكدا أن التطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، أعادت تسليط الضوء على التحديات الاستراتيجية العميقة التي تواجه أمن الطاقة الأوروبي. وأوضح الريامي في تصريحات خاصة ل"البوابة نيوز" أن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل مجموعة من البدائل لمواجهة هذه الأزمة، إلا أن نجاح هذه الخيارات مرهون بسرعة اتخاذ القرار وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، محذرا من أن التأخر في التحرك قد يؤدي إلى تكرار سيناريو أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية. احتواء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وأشار إلى أن وزراء الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي يناقشون سبل احتواء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، خاصة في ظل استمرار الحرب بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي دخلت أسبوعها الثالث، ما يزيد من الضغوط على الأسواق العالمية. وأكد أن اعتماد الاتحاد الأوروبي الكبير على واردات النفط والغاز يجعل اقتصادات الدول السبع والعشرين شديدة الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية، وهو ما يفسر حالة القلق المتزايد بشأن قدرة أوروبا على إيجاد حلول سريعة وفعالة. وفيما يتعلق بالبدائل، أوضح الريامي أن تنويع مصادر الغاز كان من أهم الخطوات التي اتخذتها أوروبا منذ أزمة أوكرانيا، حيث زادت وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الولاياتالمتحدة وقطر والنرويج. لكنه شدد على أن هذا التنويع، رغم أهميته، لا يكفي بمفرده، نظرًا لشدة المنافسة في سوق الغاز المسال عالميًا، خاصة مع ارتفاع الطلب من الأسواق الآسيوية، ما قد يدفع أوروبا إلى دفع أسعار أعلى للحصول على الإمدادات. وأضاف أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في تسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، موضحًا أن كل زيادة في إنتاج الكهرباء من هذه المصادر تسهم في تقليل الاعتماد على الغاز المستورد، وبالتالي الحد من تقلبات الأسعار، ومع ذلك، أشار إلى أن وتيرة تنفيذ هذه المشروعات لا تزال أبطأ من المطلوب بسبب التعقيدات التنظيمية وتأخر إصدار التراخيص. نظام تسعير الكهرباء في أوروبا كما لفت الريامي إلى أن نظام تسعير الكهرباء في أوروبا يمثل أحد التحديات الهيكلية، حيث يتم ربط الأسعار بتكلفة آخر محطة إنتاج ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى في حال توفر مصادر أرخص للطاقة، مثل الطاقة النووية أو المتجددة، ودعا إلى إصلاح تدريجي لهذا النظام ليعكس التكلفة الفعلية لمزيج الطاقة. وأكد أن تحسين كفاءة الطاقة يمثل أهم عنصر في مواجهة الأزمة، مشيرًا إلى أن المباني الأوروبية تستهلك نسبة كبيرة من الطاقة لأغراض التدفئة، وبالتالي فإن الاستثمار في عزل المباني وتحديث الأجهزة يمكن أن يسهم بشكل كبير في خفض الطلب وتقليل الضغط على الأسعار. وفي سياق متصل، شدد الريامي على أهمية تعميق التكامل الطاقي داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال تطوير شبكات الكهرباء والغاز العابرة للحدود، بما يسمح بتبادل الطاقة بين الدول الأعضاء بكفاءة أعلى، ويعزز قدرة القارة على مواجهة الأزمات. وأضاف أن المشكلة الأساسية التي تواجه أوروبا ليست نقص الحلول، بل بطء اتخاذ القرار، مؤكدا أنه إذا أرادت القارة حماية اقتصادها من صدمات الطاقة، فعليها التحرك بسرعة أكبر وبشكل أكثر تنسيقًا. حزمة من الإجراءات الطارئة وتدرس المفوضية الأوروبية حزمة من الإجراءات الطارئة، تشمل تقديم دعم حكومي للصناعات الأكثر تضررًا، وخفض الضرائب على الطاقة في بعض الدول، إلى جانب مراجعة نظام سوق الكربون لزيادة المعروض من حصص الانبعاثات، بما قد يسهم في خفض أسعار الكهرباء. وأكد أن إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا لا تزال مستقرة نسبيا، حيث يأتي الجزء الأكبر منها من الولاياتالمتحدة والنرويج وموردين آخرين، إلا أن الأزمة الحالية هي في الأساس أزمة أسعار وليست أزمة إمدادات. وفيما يتعلق بموقف الدول الأوروبية من الغاز الروسي، أوضح الريامي أن عددا من الدول، مثل ألمانيا ورومانيا والسويد، ترفض العودة إلى الاعتماد على الغاز الروسي، لما يمثله ذلك من مخاطر استراتيجية، رغم مطالبات بعض الدول الأخرى، مثل المجر، برفع العقوبات. كما أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس إمكانية وضع سقف لأسعار الغاز، إلا أن هذا الخيار يثير مخاوف من تقليص قدرة أوروبا على جذب الإمدادات من الأسواق العالمية في حال ارتفاع الأسعار بشكل كبير. ولفت إلى أن مضيق هرمز يلعب دورا محوريا في هذه الأزمة، حيث يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية، ومع إغلاقه نتيجة التصعيد العسكري، تتزايد المخاطر على استقرار الأسواق العالمية، ما دفع الولاياتالمتحدة إلى الدعوة لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة. وأكد أن ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب في إيران وضع الحكومات الأوروبية تحت ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، وسط مطالبات بتدخلات قوية، مثل تعليق نظام تداول حصص الكربون، رغم تحفظ بعض الدول التي تخشى التأثير على استقرار الأسواق.