تحت شمس الكاريبي الحارقة، لم يعد صوت أمواج البحر المتلاطمة على رصيف "ماليكون" هو ما يشغل بال الكوبيين، بل ذاك الصمت الثقيل الذي يسبق العواصف السياسية. في هافانا اليوم، يسير الناس بين ركام الأبنية المتهالكة ليس بحثًا عن مخرج من أزمة اقتصادية خانقة فحسب، بل بحثًا عن إجابة لسؤال بات يتردد في المقاهي المظلمة بفعل انقطاع الكهرباء: "هل سيقصفنا الأمريكيون؟". تواجه الجزيرة الشيوعية، التي صمدت لعقود أمام الحصار، واحدة من أشد ساعاتها قتامة. نقص حاد في الوقود، صيدليات خاوية إلا من الغبار، وانقطاعات في التيار الكهربائي تمتد لأيام، حولت "لؤلؤة الأنتيل" إلى أمة تعيش على ضوء الشموع والوعود المتآكلة.
دبلوماسية "الغرف المغلقة" تحت ضغط الشارع في تحول دراماتيكي هزّ الأوساط السياسية، اعترف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل علانية بوجود "محادثات" مباشرة مع مسؤولين أمريكيين. هذا الاعتراف، وهو الأول من نوعه في حقبة الحكم الواحد، يعكس حجم الاختناق الذي تشعر به الحكومة. بينما يأمل البعض في هافانا أن تكون هذه المحادثات طوق نجاة، يرى آخرون أنها مجرد محاولة لتهدئة شارع غاضب بدأ يعبر عن إحباطه ب "ثورة الأواني الفارغة"؛ حيث يقرع السكان مقاليهم في عتمة الليل احتجاجًا على واقع لم يعد يُحتمل. وتقول عاملة في صيدلية محلية بنبرة يائسة: "أي تغيير هو مكسب، فالوضع هنا لا يمكن أن يزداد سوءًا".
سقوط كاراكاس.. الزلزال الذي ضرب هافانا لم يكن انهيار الداخل الكوبي وليد الصدفة، بل كان نتيجة زلزال جيوسياسي مركزه فنزويلا. فبعد العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة في كاراكاس واعتقال الحليف الأوثق نيكولاس مادورو، قطعت واشنطن شريان الحياة النفطي عن كوبا. تضاعفت الأزمة بعدما انصاعت المكسيك للضغوط الأمريكية بفرض تعريفات جمركية، لتتوقف شحنات الوقود تمامًا منذ ثلاثة أشهر. واليوم، تقف الطائرات جاثمة في مطار "خوسيه مارتي" الدولي بعد نفاد الوقود، بينما علقت شركات الطيران الأوروبية والكندية رحلاتها، مما أجهز على ما تبقى من رمق في قطاع السياحة الحيوي.
مجتمع منقسم: سيارات كهربائية وطوابير خبز الأزمة لم تضرب الجميع بالتساوي؛ فقد أفرزت كوبا الجديدة مجتمعًا مشوهًا طبقيًا. فبينما يقتات السواد الأعظم على حصص تموينية شحيحة ويبحث البعض في القمامة عن يسد رمقهم، تظهر طبقة محدودة تملك العملة الصعبة، تقود سيارات كهربائية تعمل بالطاقة الشمسية هربًا من أزمة البنزين، وتتبضع من متاجر خاصة بالدولار. هذا التفاوت الطبقي يغذي حالة الاحتقان السياسي، التي تقابلها السلطات بقبضة حديدية. وتفيد تقارير حقوقية بأن سجون الجزيرة تكتظ بأكثر من 1200 معتقل سياسي، وسط قصص مروعة عن سوء المعاملة ومنع الزيارات العائلية، مما يذكر بتبعات انتفاضة يوليو 2021 التي لا تزال جراحها نازفة.
شبح الفوضى على بعد 90 ميلًا من فلوريدا يحذر الدبلوماسيون من أن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي تنتهجها واشنطن قد تؤدي إلى نتائج عكسية. ويرى المحلل كارلوس ألزوجاراي أن غياب بديل سياسي واضح قد يحول كوبا إلى "دولة فاشلة" على أعتاب الولاياتالمتحدة، مما قد يفجر موجة هجرة غير مسبوقة تفوق في حجمها أزمة "مارييل" الشهيرة. وبينما تستعد الحكومة لإحياء الذكرى المئوية لميلاد فيدل كاسترو في محاولة لاستنهاض الروح الثورية، يبدو أن الجيل الجديد مهتم بالخبز أكثر من الخطابات. تنتهي الحكاية في هافانا عند شيخ طاعن في السن، يراقب الأفق من شرفته المتهالكة ويقول لمراسلنا: "نحن ندعو للتغيير كل يوم، لكننا نخشى أن يأتي التغيير على متن طائرة قاذفة. كوبا متعبة، ولا نريد حربًا أخرى".