أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن قرار زيادة أسعار الوقود في مصر يأتي في إطار مجموعة من التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الحالية، مشيرًا إلى أن هذه القرارات تتزامن مع فترة تشهد فيها المنطقة توترات جيوسياسية قد تؤثر على أسواق الطاقة العالمية. وأوضح العسيلي في تصريحات خاصة ل"البوابة نيوز" أن قرار تحريك أسعار الوقود لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعديل في جداول التسعير، بل يرتبط بمنظومة اقتصادية أوسع تتأثر بعوامل عديدة، من بينها تطورات أسواق الطاقة العالمية والضغوط التي تتعرض لها الموازنات العامة للدول. وأشار إلى أن توقيت القرار يأتي في ظل ظروف اقتصادية تتسم بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، وهو ما يستدعي التعامل مع هذه القرارات بحساسية اقتصادية واجتماعية. وأضاف الخبير الاقتصادي أن الوقود يعد من السلع الأساسية التي تؤثر بشكل غير مباشر في مختلف الأنشطة الاقتصادية، إذ إن أي زيادة في أسعار البنزين أو السولار غالبا ما ينعكس تأثيرها على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وبالتالي قد تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى أسعار عدد من السلع والخدمات في الأسواق، الأمر الذي قد يساهم في زيادة الضغوط التضخمية. تقليل أعباء الدعم وأشار العسيلي إلى أن الحكومة عادة ما تربط قرارات تعديل أسعار الوقود بهدف تقليل أعباء الدعم ومواكبة تطورات الأسعار العالمية للطاقة، ولفت إلى أن الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2025 – 2026 خصصت نحو 75 مليار جنيه لدعم المواد البترولية، وذلك في إطار توجه تدريجي لتقليل حجم الدعم مقارنة بالسنوات السابقة بهدف تخفيف الضغط على الموازنة العامة. وفي المقابل، أوضح أن حجم استهلاك الطاقة في مصر يظل مرتفعًا، حيث يقدر استهلاك البلاد السنوي من السولار بنحو 18 مليار لتر، وهو الوقود الأكثر استخدامًا في نقل البضائع وتشغيل وسائل النقل الجماعي والعديد من الأنشطة الإنتاجية. وأكد أن أي تعديل في سعر السولار قد ينعكس بدرجة ما على تكاليف النقل والشحن، ومن ثم على أسعار بعض السلع الأساسية والغذائية ومواد البناء وغيرها. وأضاف أن السولار يمثل عنصرا رئيسيا في حركة الاقتصاد اليومية، ولذلك فإن أي زيادة في سعره قد تؤدي إلى ارتفاع غير مباشر في تكلفة المعيشة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار السولار قد ينعكس على تكاليف نقل البضائع، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة في تكاليف الإنتاج والنقل معًا. وأشار الدكتور حسين العسيلي إلى أن من المهم أيضا النظر إلى التطورات العالمية في سوق النفط، حيث تشير البيانات إلى أن سعر برميل النفط خلال الأشهر الأخيرة يتراوح بين 75 و85 دولارا للبرميل، وهو مستوى قريب من متوسط الأسعار خلال العامين الماضيين، مع استمرار حالة الترقب في الأسواق العالمية نتيجة التوترات في بعض مناطق الإنتاج. وأوضح أن أحد السيناريوهات التي تتابعها الأسواق العالمية يتمثل في تعطل الملاحة في مضيق هرمز في حال تصاعد التوترات الإقليمية. ويعد هذا المضيق من أهم الممرات لنقل النفط في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية بما يعادل ما بين 17 و20 مليون برميل يوميا. اضطرابات حركة الملاحة وأشار إلى أنه في حال حدوث اضطرابات كبيرة في حركة الملاحة بالمضيق، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى مستويات قد تتجاوز 120 دولارا للبرميل. وأكد العسيلي أن التعامل مع ملف أسعار الوقود لا يرتبط فقط بالأسعار العالمية، بل يتطلب أيضًا وجود رقابة فعالة على الأسواق لضمان عدم حدوث زيادات مبالغ فيها في أسعار السلع والخدمات، خاصة تلك التي لا تتأثر بشكل مباشر بتكاليف الطاقة، وأوضح أن الرقابة على الأسواق تعد عنصرًا مهمًا للحد من أي زيادات غير مبررة في الأسعار. وأضاف أن الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين يمثل عنصرًا مهمًا في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهو ما يستدعي اتخاذ إجراءات داعمة للفئات الأكثر احتياجًا بالتوازي مع أي قرارات اقتصادية تتعلق بالطاقة أو الدعم. واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن إدارة ملف الطاقة والدعم تتطلب تحقيق توازن دقيق بين اعتبارات الموازنة العامة ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مشيرا إلى أن متابعة التطورات الإقليمية وأسعار الطاقة العالمية ستظل عاملًا مهمًا في تحديد توجهات السياسات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.