جاءت جلستي قبل بداية العرض المسرحي "الارتيست" في الهناجر إلى جوار ثلاثة من الشباب، يحكي واحد منهم بانفعال واضح أنه يعود لمشاهدة العرض للمرة الثانية، ألقيت أذني للحوار بكل ذوق أستمع له وهو يحكي عن انفعال الفنان محمود حميده الذي كان ضمن الجمهور في العرض السابق، وكيف تلاحقت دموعه وهو يرى ما يمكن أن نسميه سيرة حياة الفنانة الكبيرة زينات صدقي التي يحكي عنها عرض الأرتيست. فرحت لأنني بصدد سهرة رائقة تليق بمعنى المسرح وأصوله الفنية، وهنا نستطيع القول أنه ليست كل العروض المسرحية قادرة على أن تخرج من إطار الفرجة إلى مساحة أعمق من التأمل والإنصات. "الأرتيست" استطاعت أن تحقق تلك المعادلة الصعبة، فبدت كاعتراف نبيل بقيمة الفنان في زمن تتكاثر فيه الأسئلة حول جدوى الإبداع وأثره في الحياة، المخرج والمؤلف محمد زكي هو بنفسه من يفتح باب المسرح الخارجي ليستقبل الجمهور، بهذه البساطة تدخل إلى القاعة فلا تجد الستارة المعهودة، أنت كمشاهد تدخل على الديكور مباشرة، ربما القصد هو أن لا نتعامل مع العرض كطرفين فرقة فنية وجمهور، ويكون الإتفاق هو الكل في واحد، أنت كمشاهد لا بد وأن تكون جزءًا من العرض وحتى تدخل في الحالة وتتقمص دورك كمشاهد فاعل كان لا بد وأن يغرقك المخرج في اسكتشات إسماعيل ياسين الخفيفة بعمق، قبل أن يتحرك الممثلون على خشبة المسرح صار المشاهد والديكور وإسماعيل ياسين ومقاعد المسرح سبيكة واحدة وأصحاب بيت. منذ اللحظة الأولى يكتشف المتفرج أنه أمام عمل لا يسعى فقط إلى استحضار سيرة فنانة كبيرة بحجم زينات صدقي، بل يحاول أن يفتح نافذة على روح الفن نفسه، زينات هنا لا تظهر بوصفها نجمة صنعت تاريخًا من الضحك فقط، بل كإنسانة دفعت أثمانًا باهظة في سبيل أن تظل وفية لحلمها، المسرحية تنجح بذكاء في أن تقدم رحلة إنسانية قبل أن تكون رحلة فنية، نحن لا نشاهد توثيقًا لسيرة شخصية بل نعيش حالة وجدانية تعيد طرح السؤال القديم المتجدد لماذا يختار الفنان هذا الطريق الشاق؟ ولماذا يصر على مواصلة السير فيه رغم ما يحمله من وحدة وتعب وانتظار طويل؟ لا تنتظر في هذا المقال إجابة عن تلك الأسئلة، لنتركها تتسلل إليك وتمنحك مساحة واسعة للتأمل في العلاقة الأزلية بين الفن والحياة. اللافت في "الأرتيست" أنها لا تتعامل مع زينات صدقي باعتبارها شخصية من الماضي، بل باعتبارها رمزًا ممتدًا لكل فنان يعيش اليوم نفس الحيرة، ونفس الصراع بين متطلبات الواقع وإغراء الحلم.. ربما هذا ما يفسر دموع محمود حميده وهو يتابع العرض بكل جوارحه، فالعرض يقترب من تلك المنطقة الحساسة التي يعيش فيها المبدع، حيث تختلط لحظات الانتصار بمشاعر الهشاشة، ويصبح النجاح نفسه عبئًا إضافيًا يتطلب الحفاظ عليه. نجاح العرض لم يكن وليد النص فقط، بل كان ثمرة حالة جماعية نادرة صنعتها فرقة العمل بكاملها، فقد قدمت الفنانة هايدي عبد الخالق أداءً شديد الصدق، تمكنت من خلاله من الاقتراب من روح الشخصية دون أن تقع في فخ التقليد أو الاستنساخ، كانت تتحرك فوق الخشبة بثقة من يعرف أن التمثيل ليس استعراضًا للقدرة، بل كشفًا داخليًا عن الإنسان المختبئ خلف الأدوار، استطاعت أن تمنح الشخصية نبضها الإنساني، وأن تجعل الجمهور يشعر بأنه أمام امرأة من لحم ودم لا أمام صورة محفوظة في ذاكرة السينما فقط. أعرف أنه سيكون ظلمًا إذا ذكرت أسماء الممثلين تباعًا ولكن ما حيلتي وهم الذين أكدوا في عرضهم على روح الفريق الواحد الذي ضم فاطمة عادل وإيهاب بكير وأحمد الجوهري ومحمود حلواني وريم مدحت وإبراهيم الألفي وعبد العزيز العناني وفيولا عادل وياسمين عمر وياسر أبو العينين ومارتينا هاني ومحمود الغندور، جاؤوا كلهم ككتلة فنية واحدة تتحرك بانسجام واضح، في دلالة على أهمية روح الفريق. المخرج والمؤلف محمد زكي قدم نصًا يحمل حساسية إنسانية واضحة، ثم نجح في تحويله إلى عرض متوازن يجمع بين البساطة والعمق، لم يلجأ إلى الزخرفة البصرية الزائدة، بل ترك المجال مفتوحًا أمام الممثلين ليكونوا هم مركز التجربة، وفي ذات الوقت هم قوة الأداء الحي، بالطبع نعرف أن العرض المسرحي هو خط انتاج متكامل لذلك يلمح المشاهد دون عناء الجهد الكبير الذي بذله فريق العناصر الفنية، فقد جاء تصميم الديكور الذي نفذه الفنان فادي فوكيه متماشيًا مع روح العمل، كما لعبت الأزياء التي صممتها أميرة صابر ومحمد ريان دورًا مهمًا في إعادة خلق الزمن المسرحي للعمل، بينما جاءت لمسات المكياج التي قدمها إسلام عباس لتضيف مصداقية بصرية للشخصيات. ما يميز "الأرتيست" أيضا أنه يعيد الاعتبار لفكرة السهرة المسرحية الراقية، تلك التي تجعل الجمهور يشعر بأنه خرج من حياته اليومية إلى مساحة جمالية نظيفة، حيث تتجاور الموسيقى والتمثيل والحوار في حالة انسجام نادرة، العرض لا يعتمد على الإبهار السريع أو الضحك السهل، بل يراهن على المشاعر الصادقة واللحظات الإنسانية التي تظل عالقة في الذاكرة بعد انتهاء الستار. المسرح هنا لا يقدم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة مفتوحة حول معنى الفن، ومعنى أن يكون الإنسان مبدعا يعيش بين الضوء والظل في آن واحد، إن الأرتيست يضع المتفرج أمام مرآة يرى فيها ذاته أيضا، لأنه في النهاية داخل كل إنسان جزءا من ذلك الفنان الذي يحلم، ويتعب، ويواصل الحلم رغم كل شيء. العمل ينجح كذلك في إعادة تقديم زينات صدقي بصورة تليق بتاريخها، لا بوصفها مجرد نجمة كوميدية صنعت الضحكة، بل كرمز للفنان الذي يعيش من أجل فنه، حتى وإن لم ينل التقدير الكافي في حياته. تلك اللمسة الإنسانية تمنح العرض قيمة إضافية، لأنه يعيد الاعتبار لرموز فنية صنعت وجداننا الثقافي، ويدعونا في الوقت نفسه إلى احترام الفن باعتباره ضرورة حضارية لا تقل أهمية عن أي مجال آخر من مجالات الحياة.