اختتمت القاعة الرئيسية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال 57، فعالياتها بندوة فكرية موسعة حملت عنوان «سؤال الهوية في أدب نجيب محفوظ»، وذلك ضمن محور "شخصية المعرض". وشهدت الندوة مشاركة رفيعة المستوى لكل من: الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور حسين حمودة، أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، والدكتورة سمية عزام، أستاذة النقد المقارن بجامعة لبنان، والدكتورة نرمين الحوطي، أستاذة الدراسات النقدية بمعهد الفنون المسرحية بالكويت، بينما أدار الندوة الإعلامي عمرو الشامي. البحث عن "اليوتوبيا" استهلت الندوة بطرح تساؤلات حول عالمية نجيب محفوظ، حيث قدمت الدكتورة سمية عزام قراءة مقارنة بين "رحلة ابن فطومة" وأعمال فولتير، مؤكدة أن "قنديل" بطل محفوظ خاض رحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل مواجهة نقدية للأنظمة. ولخصت عزام فلسفة السعادة عند محفوظ بقولها:"إن السعادة ليست مجرد حلم يوتوبي، بل هي مواجهة واعية للواقع؛ فالحقيقة التي خبرها الأبطال بالتجربة القاسية هي أنه لا يوجد بلد سعيد بالمطلق، وأن حياة البشرية يمكن تلخيصها في صراع دائم بين 'الدماء والزلازل'، مما يجعل العمل والأخذ بالأسباب هما الطريق الوحيد للكشف والنجاة." تفكيك المجتمع وتحولات الثورة من جانبها، أوضحت الدكتورة نرمين الحوطي أن أدب محفوظ يعكس صراعاً حاداً بين الأصالة والحداثة، مبرزةً أن الهوية في أدبه انقسمت لمراحل ما قبل وما بعد ثورة 1952. ورأت الحوطي أن محفوظ نجح في تقديم الهوية الوطنية للعالم من خلال "الحارة"، مؤكدة : "إن الهوية في أعمال نجيب محفوظ ليست مجرد صفة ثابتة، بل هي بحث إنساني مستمر عن الذات والمعنى والمكانة في الكون؛ فقد استطاع عبر تصويره الدقيق للتحولات الاجتماعية والسياسية أن يقدم نموذجاً متكاملاً لتداخل الهوية الفردية والجماعية." الهوية كوعي إبداعي وتاريخي وفي كلمته، أشار الدكتور حسين حمودة إلى أن هوية محفوظ تشكلت منذ بداياته بارتباطه بتاريخ مصر، وتجلت عروبته في التزامه بالفصحى واستلهام التراث كما في "الحرافيش"، مؤكداً أن هويته "متعددة المستويات".
فيما أكد الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، أن الهوية عند محفوظ قضية شديدة التعقيد تتطلب النظر إلى شخصيته وطريقة حياته، مشيراً إلى أن محفوظ كتب بوعيه الإبداعي لا الأكاديمي، فجاءت الحارة في ثلاثيته تجسيداً عبقرياً للهوية المصرية. أعرب زايد، عن عمق قضية الهوية عند نجيب محفوظ ووصفها بأنها "شديدة التعقيد"، موضحاً أن الهوية في جوهرها هي شعور داخلي يتشكل من خلال ارتباط الإنسان بالزمان والمكان. وأشار زايد إلى ضرورة التحفظ عند محاولة ربط الهوية بشكل آلي أو "بحثي" بأعمال محفوظ، مؤكداً على "يجب أن نفهم أن نجيب محفوظ أديب يكتب بوعيه الإبداعي وليس باحثاً أكاديمياً؛ لذا فإن فهم هويته يتطلب النظر إلى شخصيته وطريقة حياته جنباً إلى جنب مع أعماله، وقد تجلت براعته الفائقة في تصوير الهوية المصرية من خلال 'الحارة' في الثلاثية، التي لم تكن مجرد مكان بل كانت وعاءً لهذا الشعور بالانتماء." وأكد المتحدثون خلال مداخلاتهم أن نجيب محفوظ سيظل أيقونة الأدب العربي الذي استطاع تفكيك الواقع وبناء هوية عابرة للحدود، توازن بين الخصوصية المحلية والآفاق الكونية.