غادة السمان عن «كنفانى»: وطنى مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة الأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين لا نجوم السينما الهوليوودية «إلى الذين لم يولدوا بعد.. هذه السطور التى أهدانى إياها ذات يوم وطنى مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة، أهديها بدورى إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئة، وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل، ولكن سيظل يحزنهم مثلي، أن روبرت ماكسويل دفن فى القدس فى هذا الزمان الرديء، بدلا من أن يدفن غسان كنفانى فى يافا». ما سبق هو إهداء الكاتبة والأديبة السورية غادة السمان لكتابها، الذى ضم رسائل الكاتب والمناضل الفلسطينى غسان كنفاني، الذى تحل ذكرى ميلاده فى التاسع من أبريل الجاري. الرسائل التى أرسلها كنفانى لغادة السمان، تكشف قدرا كبيرا من الرهافة والرقة والأفعال الطفولية لعاشق كان يتعذب فى كل لحظة، وفى كل آن، طمعا فى كلمة تصله من معشوقته، لاعنا المسافات التى تكفلت بإبعاد كل منهما عن الآخر، وأن هذا الحب وهذه المسافات التى تقف أمامه، كانت تشعره بالموت كل يوم. هذه الرسائل التى ضمها الكتاب تعد الوجه الآخر للمناضل الشرس الذى أرق كثيرا ليل قادة الكيان الصهيوني، للدرجة التى لم يجدوا حلا لإسكاته وإجباره على التوقف عن المقاومة بالقلم، غير تفخيخ سيارته فى شارع من شوارع العاصمة اللبنانية بيروت فى الثامن من يوليو عام 1972. فى مقدمة الكتاب الذى حوى رسائل كنفانى قالت صاحبة الرسائل: كى أتجنب السقوط فى فخ الرثاء الذى أكرهه، والرومنسيات التى لا تجدي، لن أكتب عن غسان كنفاني، وإنما سأتركه هو يحدثنا عن نفسه. وفى محاولة تقديم ثانية للكتاب قالت: نعم. كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني.. وكان له وجه طفل وجسد عجوز.. عينان من عسل وغمازة جذلة لكفل مشاكس هارب من مدرسة الببغاوات، وجسد نحيل هش كالمركب المنخور عليه، أن يعاجله بإبر "الأنسولين" كى لا يتهاوى فجأة تحت ضربات مرض السكرى.. هدية الطفولة لصبى حرم من وطنه دونما ذنب.. لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدى: قامة فارعة.. صوت جهورى زجاجي. لا مبالاة بالنساء (إلى آخر عدة النضال) لأنه ببساطة كان بطلا حقيقيا.. والأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقة وحزنا لا نجوم السينما الهوليوودية الملحمية.. غير العادى فى غسان كان تلك الروح المتحدية. النار الداخلية المشتعلة المصرة على مقاومة كل شيء، وانتزاع الحياة من بين منقار رخ القدر.. نار من شجاعة تتحدى كل شىء حتى الموت. وللذكرى العطرة لهذا الكاتب والمناضل واحتفاء بيوم ميلاده كنا قد قدمنا قبل أيام بعض يومياته التى سجلها على مدى خمس سنوات، وها نحن اليوم نقدم غسان كنفانى للقارئ، لا بوصفه أديبا أو مناضلا أو شهيدا، لكن بوصفه عاشقا مولها وطفلا شديد البراءة والعذوبة. فى أواخر نوفمبر 1966 عزيزتى غادة.. مرهق إلى أقصى حد: ولكنك أمامي، هذه الصورة الرائعة التى تذكرنى بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التى تعمل فى بدنى مثلما تعمل ضربة على عظم الساق، حين يبدأ الألم فى التراجع. سعادة الألم التى لا نظير لها. أفتقدك يا جهنم، يا سماء، يا بحر. أفتقدك إلى حد الجنون. إلى حد أضع صورتك أمام عينى وأنا أحبس نفسى هنا كى أراك. ما زلت أنفض عن بذلتى رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفى فتركتها هناك. لها طعم نادر كالبهار.. أنها تبتعث الدموع إلى عينى أيتها الشقية. الدموع وأنا أعرف أننى لا أستحقك: فحين أغلقت الباب وتركتنى أمضى عرفت، عرفت كثيرا أى سعادة أفقد إذ لا أكون معك. لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي، تتشبث بى مثلما أنا بك، وسافرت بها إلى هنا مثلما أى عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة. لن أنسى. كلا فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا فى حياتى مثلك أبدا، أبدا. لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبدا أبدا ولذلك لن أنساك، لا.. إنك شىء نادر فى حياتى. بدأت معك ويبدو لى أننى سأنتهى معك. سأكتب لك أطول وأكثر.. لقد أجلوا المؤتمر إلى 30 ولكنهم سيسفروننا غدا، الأحد إلى غزة كى نشترك بمآتم التقسيم. ياللهول. ويبدو أنه لن يكون بوسعى أن أعود للقاهرة قبل الرابع. وسأكون فى بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل.. إلا إذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدوا.. حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لى خطفه، بل أجبرنى على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة.. قال لى وهو يهز رأسه: أخيرا أيها العفريت وجدت من يسكت شراستك. سينشر الموضوع فى "المصور" التى علمت أنها توزع فى كل البلاد العربية أعدادا هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم.. ولكننى بالطبع لا أعرف متى.. وزعت كتبك (نسخ من كتاب "ليل الغرباء"). تحدثت عنك كثيرا. فكرت بك. بك وحدك.. وأنت لا تصدقين.. وأنت (حين أعذب نفسى فى المساء) موجودة فى الماى فير ( اسم مقهى فى بيروت ) مع الناس والهواتف والضحك.. حاولى أن تكتبى لي: فندق سكارابيه شارع 26 يوليو. القاهرة. فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقانى حين عودتى رسالة منك لأننى أعرف أنك لن تأتين... آه يا عزيزة! رسالة فى 20/1/1967 عزيزتى غادة صباح الخير.. ماذا تريدن أن أقول لك؟ الآن وصلت المكتب، الساعة الثانية ظهرا، لم أنم أبدا حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح: استرق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأننى لا أريد أن تلحظ الأشياء لهفتى وحيبتي. اليوم فقط كنت متيقنا أننى لن أجد رسالة منك، طوال الأيام ال17 الماضية كنت أنقب فى كوم البريد مرة فى الصباح ومرة فى المساء. اليوم فقط نفضت يدى من الأمر كله، وقالت لي: صباح الخير! أقول لك: دنعت. منذ سافرت سافرت آني، وإلى الآن لا تزال فى دمشق وأنا وحدى سعيد أحيانا، غريب أحيانا وأكتب دائما كل شيء إلا ما له قيمة.. حين كنت على المطار كنت أعرف أن شيئا رهيبا سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركى للمحرر (جريدة المحرر البيروتية حيث كان يعمل غسان) ولكننى لم أقل لك. كنت سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبت إلى البيت وقلت للمحرر إن كل شىء قد انتهى. إننى أقول لك كل شىء لأننى أفتقدك. لأننى أكثر من ذلك "تعبت من الوقوف" بدونك ورغم ذلك فقد كان يخيل إلى ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقا حين تسافرين. ولقد آلمتنى رسالتك: ضننت على بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلى أسبوعا أو أكثر دون أن أخطر على بالك. ياللخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لك: مع عاطف (صديق حميم من أصدقاء غادة وغسان) شربنا نخبك تلك الليلة فى الماى فير وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية (فتة الحمص) بصمت فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئا. متى سترجعين؟ متى ستكتبين لى حقا؟ متى ستشعرين أننى أستحقك؟ إننى انتظرت، وأنتظر، وأظل أقول لك: خذينى تحت عينيك.. بيروت 31/1/1967 عزيزتى غادة.. وصلتنى رسالتاك، فيهما قصاصات من الأوراق الخاصة بحركة صغيرة، شحطة واحدة فوق نهايات الحروف أعدت إلى عالمى المعنى والتوهج وجلدنى الشوق لك وأسرنى ذكاؤك الذى أفتقده بمقدار ما أفتقد كفيك وكتفيك.. أيتها الشقية الحلوة الرائعة! ماذا تفعلين بعيدا عني؟ أقول لك همسا ما قلته اليوم لك على صفحات الجريدة: "سأترك شعرى مبتلا حتى أجففه على شفتيك!" أننى أذوب بالانتظار كقنديل الملح. تعالي! أحس نحوك هذه الأيام – أعترف بسهوة لا مثيل لها. إننى أتقد مثل كهف مغلق من الكبرىت وأمام عينى تتساقط النساء كأن أعناقهن بترت بحاجبيك. كذلك جعلت منهن رزمة من السقط محزومة بجدولتك الغاضبة الطفلة.. لا ليس ثمة إلا أنت؟ "إلى أبدى وأبدك وأبدهم جميعا"... وسأظل أضبط خطواتى ورائك حتى لو كنت هواء.. أتسمعين أيتها الشقية الرائعة؟ حتى لو كنت هواء! ولكننى أريدك أكثر من الهواء. أريدك أرضا وعلما وليلا.. أريدك أكثر من ذلك. وأنتِ؟ ليس أخبار كثيرة هنا. آنى عادت فجأة. أرى عاطف وكمال غالبا وأمس سهرت مع أرتين ومع فواجعه وبوزاته.. عاطف جاء أمس ودخل إلى المكتب غاضبا وتشاجر مع كمال لأنه لم يره منذ فترة ثم سألني: أين كنت يوم السبت؟ غادة أرسلت شخصا وفتشت عليك فى المكتب! لا. نعم. وانتهى الأمر هنا. غدا صباحا سأسافر إلى القاهرة لحضور مؤتمر الصحفيين العرب وسأعود الاثنين أو الأحد.. هل سأجدك هنا سيكون عنوانى هناك: (بواسطة مروان كنفاني، جامعة الدول العربية، قسم فلسطين). اكتبى لي، فقد يكون المطر غزيرا هناك، أحتاج إلى حروفك لأفرش أمامها راحتى التواقتين لك!. بلى. خبر مهم: احدهم وزع خبرا على الصحف يوم الجمعة الماضي: سيتم فى جو عائلي، خلال الأسبوع القادم، زفاف الزميل غسان كنفانى على الأديبة المبدعة غادة السمان.." المحررون فى الصحف عرفوا فرموا الخبر فى أخر لحظة اتصل بى زميل من صحيفة ما يريد ان يبارك لى ويعاتبنى على عدم إخباره.. ثم أخذ يركض إلى المطبعة فشال السطؤين الهائلين عن الطابعة.. مرت العاصفة وأنا غير مكترث.. لم تكن غلطة الذى دس الخبر ولكن غلطة السنوات الخمس التى مرت، لا شيء. مزيدا من الذين يقولون: سيتعب ذات يوم من لعق حذائها. مسافر من دمشق جاء ليقول لى أن دمشق تتحدث عنك، حسنا وعني. قال إن الأوراق الخاصة تظهر أنك معذب ومهمزوم وتصطدم بالزجاج كأنك ريح صغيرة ثم نظر إلى وأنا صامت وأبلغني: حرام. أكتبى لي.. لماذا لا تكتبين؟ لماذا؟ لماذا أيتها الشقية الحلوة؟ أتخافين منى أم نفسك أم من صدق حروفك؟ أكتبي.. ليل 1/2/1967 عزيزتى غادة.. ما الذى حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟ اليوم فى الطائرة قال لى سليم اللوزى أنك كتبت له أو لأمية (أمية اللوزى زوجة سليم اللوزى وهما صديقان حميمان لغادة وغسان). لم أعد أذكر، وأمس قال لى كمال (كمال طعمة صديق مشترك لغاددة وغسان) أنه تلقى رسالة منك.. وآخرين! فما الذى حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش! ولكن انتبهى جيدا لما تفعلين: ذلك سيزيدنى تعلقا بك! اليوم صباحا وصلت إلى القاهرة، وفى الظهر مرضت، ربما لأننى لم أنم أمس إطلاقا، وربما لأن الطقس تغير فجأة: من البرد الخبيث المتسلل من الجبل إلى بيروت، (إلى قميصى بالذات!) إلى الشمس الصريحة فى الدفء الشتوى الرائع هنا.. وهكذا تخلصت من مسئولياتى فى المؤتمر (المؤتمر السياسى لاتحاد الصحفيين العرب وكان غسان منتدبا من إحدى المنظمات لتمثيل فلسطين) وتشاجرت مع شقيقى وقمت بجولة فى المقاهى حيث قابلت الأصدقاء وعدت، لأكتب لك! يكبر غيابك فى صدرى بصورة تستعصى على العلاج، يدهشنى أننى لم أجد فى المطار شخصا يقول لي: رسالة لك يا سيدى من لندن. يخفق قلبى كلما دق جرس الهاتف فى هذه الغرفة العالية ثم لا أسمع صوتك ينادي، كالوشوشة: "غهسان!" أقول لك أيتها الشقية: أخاف أن ألتفت هذه اللحظة إلى الكرسى المقابل فلا أراك هناك! ماذا تراك تفعلين الآن؟ أعوضت غسانك التعيس؟ هل وفقت فى استبدال سذاجته وحدته وضيق أفقه وسخافاته (واستقامته الطفلة) بشيء أكثر جدوى؟ أتعتقدين أنك نجحت فى طمرى تحت أوراق سقوطهم إلى القمة؟ هل نجحت قطع الضباب بلندن فى تكوين نعش لذكرياتنا؟ هل جف مرج الشوك الحلو؟ هل ستعودين؟ لو كنت هنا. لو كنت معى فى هذه الغرفة البعيدة العالية لكان العالم. دونك لا يستطيع الجدار أن يخبئ شيئا. أتراك تشعرين كم يموت عمرنا أمام أعيننا؟ أتراك تحسين وأنت فى منفاك الاختيارى كم يقتلنى خوفك وكم يحز ترددك فى أوردتي؟ ثم لا تكتبين! إذا كنت تعتقدين إنك حرام على يدى فهل حروفك حرام على عيني؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب فى صدرى وجسدى حتى يأتى ذات يوم تطفؤها فيه راحتاك. أنت. أيتها المرأة قبل ألف مرة من أن تكونى أديبة وكاتبة. أنت، الأديبة والكاتبة والذكية التى تجعل منك ألف امراة! إننى مريض حقا. لا أريد أن أشعرك بأى قلق على (إن كان ذلك ممكنا)، ولكن الغرفة تدور الآن، وكالعادة أحتاج كما أعتقد إلى نوم كثير.. بطاقتك التى وصلتنى إلى بيروت (البطاقة لم يكن بها غير عبارة واحدة:شو هالبرد) كانت رائعة، هل قلت لك ذلك فى الرسالة الماضية؟ أريد أن أجد لدى عودتى صندوقا من الرسائل فى حجم شحنة ويسكي. أوصيت زميلا أن يحمل لك 20 علبة ("سالم": نوع من السجائر)، سمعت عاطف يقول إنه تلقى منك طلبا بهذا الموضوع، أرجو أن يكونوا قد وصلوا، إذا وصلوا لا تنفخى مع دخانهم اعتزازى بك، وبكل شيء لك ومنك وعنك. اليوم الأربعاء.. أعتقد أننى سأعود السبت إلى بيروت. أريد أن أقرأ منك!