ودع العالم العام 2013 بحلوه ومره واضعين أمل كبير على أن يكون العام الجديد 2014 نذير خير وأمن واستقرار. وفي مصر، أم الدنيا، تجد لهذه الليلة المعروفة ب "ليلة رأس السنة" مذاقا خاصا حيث كانت رمزاً للوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين الذين يبرهنون على متانة العلاقة بينهم ويصفعون دعاة الفتنة الطائفية وعلى هذا الأساس ظلت مصر لعشرات السنين قبلة السائحين الذين يفدون من كل صوب وحدب لقضاء ليلة مختلفة. إلا أن المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأخيرة التي شهدتها مصر خلال السنوات الثلاث جعلت هذا الواقع مختلفاً إلى حد كبير، حيث ألقت أجواء التوتر والصراع والتظاهرات ودوي الانفجارات الإرهابية بظلالها القاتمة على استقبال المصريين للعام الجديد. حيث تسيطر مشاعر القلق على بعض أبناء الشعب لدرجة تحرمهم من الاحتفال بهذه الليلة.. إلا أن قطاعات عريضة من أبناء الشعب لديها من قوة العزيمة والتفاؤل والإيمان بأن "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" ما يزيدها إصراراً على الفرحة ولو لليلة واحدة وسط مشاهد الاكتئاب التي باتت هي السمة الرئيسية في الشارع المصري. وعملاً بالحكمة الشهيرة: "اضحك تضحك لك الدنيا ابكي تبك وحدك"، قررت "البوابة نيوز" البعد عن خميرة النكد و"العكننة" ودعوة جميع المصريين للاحتفال باستقبال العام الجديد التي تستدعي مشاعر الوحدة الوطنية التي طالما جمعت عنصري الأمة، لعدم إعطاء الفرصة لمن يتربص ببلادنا السوء. هناك على ضفاف نهر النيل حيث يقع "كورنيش الغلابة" الذي يشهد على اقتسام محمد وجورج ساندويتشات الفول "العجمية"، وتقوم أنجيل بدعوة صديقتها فاطمة على وجبة "سميط بالدقة" ويتعاركان على من يعزم الآخر على كوب حمص بالشطة. فمصر محفوظة دائما بقرآنها وإنجيلها ولا يمكن في يوم من الأيام أن ينال أي من كان من هذه الوحدة، فمصر كما قال البابا شنودة الثالث وطن يعيش فينا وليس فقط بلد نعيش فيه. ويا جماعة اللي عايز يشوف الوحدة الوطنية في أبهى صورها يروح مستشفى "السبع راهبات" في حي شبرا العتيق، فسيجد على الفور الراهبة تريزا تعالج أذن مصطفى التي أكلها "عيش الغراب"، أو حتى يروح مستشفى نصر الإسلام ويشوف عم جرجس وهو بيكشف عند الدكتور محمد علي صوت آذان المغرب. وبرضه اللي لسه مش مقتنع يروح يسأل جارتنا أم جورج التي كان يحلو لنا التهام الفلافل "أم سمسم" من إيديها في عيد القيامة، وكانت تنتظر "عيد رمضان" علشان تدوق كحك جارتها أم محمود. فمؤامرات إشعال الفتنة الطائفية بين عنصري الأمة، اللذين جمعهما ميدان التحرير وألفت بين قلوبهم صلوات الغائب على أرواح الشهداء من الجانبين، لا يمكن أن تنجح وسيبقى المسلم والمسيحي أبناء وطن واحد يتحملان مصاعبه ويعملان كتفاً إلى كتف على حمايته وتقدمه. نعم لقد توحدت مصر على قلب رجل واحد أيام الثورة وكان الأقباط يحمون إخوانهم المسلمين خلال تأديتهم للصلاة وفي المقابل كان المسلمون يؤمنون قداس إخوانهم الأقباط، بل أن الجميع سجدوا لله شكرا على نجاح الهدف الأسمى وهو إسقاط دولة الظلم والفساد. فأكثر ثروة يمكن أن ينعم بها أي إنسان هي الاستقرار والعدالة، فمصر دائما لم تعرف الفرقة بين أبنائها بحسب الدين أو الجنس فالكل يعيش فيها في أمان ومهما كانت التحديات أو التهديدات سيخرج المصريون، كعادتهم، من كبوتهم منتصرين وستظل مصر بلداً أمناً كما بشرنا القرآن الكريم. حيث تتميز العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر بأنها متينة وقوية وسوية، فالمسيحيون في مصر جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني المصري والعربي بل والإسلامي، وكان ذلك يرجع إلى مجموعة من العوامل منها: التسامح الإسلامي المعروف، وسماح الإسلام لغير المسلمين بالمشاركة في البناء الثقافي والحضاري، وقد ساهم المسيحيون المصريون في ذلك البناء بقوة. إن الإسلام حين دخل مصر حرر المسيحيين من الاضطهاد الروماني، وكان لذلك أثره البالغ في نفوسهم بالإضافة إلى عوامل أخرى في قبول المصريين مسلمين ومسيحيين للغة العربية، التي أصبحت الوعاء الثقافي للجميع، ولا شك أن هذا صنع نوعا من التصور والوعي والتفكير المشترك. كما أن تراث الكنيسة المصرية ومن خلال صراع طويل سقط فيه العديد من المسيحيين ارتبط بفصل ما هو زمني عن ما هو روحي، ومن ثم أصبحت الكنيسة ممثلاً للمسيحيين في الجوانب الروحية فقط، وهكذا كان من الطبيعي أن يشارك المسيحيون مثل المسلمين في العمل العام سلباً وإيجاباً. دعاء ليلة رأس السنة أما أنا شخصيًا فسأقضي هذه الليلة على طريقتي الخاصة في "جزيرة القطن" وسأبدأها بدعاء أبتهل به إلى الله تعالى بالأمنيات الآتية: اللهم اجعل أول عامنا الجديد بركة وأوسطه أمنا وأخره رحمة للعالمين اللهم ارضي كل منا بما قسمت له أو اقسم لنا ما يرضينا اللهم ولا تحمل خلقك ما لا يطيقون انك بهم لراحم وعليهم لقادر اللهم طهر قلوب الحاكمين "وجيوبهم". اللهم انتصر للمظلوم على الظالم. اللهم اجعل أيام دهرك خيراً للناس أجمعين، واقضي الدين عن المدينين، وانزع القسوة من قلوب الحاقدين اللهم رد الحقوق لأصحابها، وانتقم ممن ينشرون الفساد في الأرض ويقوضون الحق في ملكك اللهم أهدى حكامنا إلى طاعتك وحسن عبادتك ولا تولي علينا من لا يخافك ولا يرحمنا اللهم أعنا على قول الحق والشهادة به واجنبنا قول الزور أو العمل به اللهم ازرع في نفوسنا يقيناً يحمينا، وانزع من أفئدتنا الغل والطمع والبغضاء اللهم رد كيد مروجي الفتنة والمتربصين ببلادنا إلى نحورهم وانعم على عبادك بالأمن واليمن والبركات. اللهم أفشى السلام بين الأمم والبشر وانزع من قلوبهم الشر والحقد وحب الحرام اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا، وأعنا بمددك بقوة تمنحنا الصبر على المكاره اللهم باعد بين بلادنا وبين كيد الأعداء كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم هب لنا من لدنك طاقة تعيننا على قبول قضائك، وألهم كل من فقد عزيزا قدرة على احتسابه لديك والدعاء له بدلا من قضاء الدهر حزينا عليه. اللهم ادفع بحولك وقدرتك الإيمان والرحمة والقناعة في قلوب خلقك أجمعين. اللهم بلغنا نفحات دهرك وأجعلها نورا نهتدي به، ونسألك كما سألك سيد الخلق أن تجعل الحياة زيادة لنا ولمن نحب في كل خير واجعل الموت لنا ولمن نحب راحة من كل شر. اللهم اقذف في قلوبنا نورا يضيء على الحق والخير خطانا، وغض أبصارنا عن كل ما يقربنا لعذابك.