لماذا قررت الإمارات مغادرة "أوبك" الآن.. ومن الرابح الأكبر؟.. لوري هايتيان تكشف    رئيس "قوى النواب": تعديلات قانون التأمينات لصالح المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات    وزير الخارجية الإسرائيلي يكشف سبب مهاجمة طهران    فيفا يعتمد "قانون فينيسيوس".. طرد مباشر للاعبين بسبب تغطية الفم أثناء الشجار داخل الملعب    المعاينة: اختلال عجلة القيادة من سائق النقل وراء حادث أتوبيس كرداسة.. صور    السجن المؤبد لعامل بتهمة الإتجار فى المواد المخدرة بسوهاج    السجن المشدد 15 عاما للمتهم بقتل مواطن حاول منعه من التعدي على والده في الشرقية    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    تفاصيل لقاء السيسي ورئيس جامعة هيروشيما اليابانية (صور)    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    غرفة السياحة: تسهيل حركة الحجاج وتحسين الخدمات والاستغلال الأمثل للمساحات المخصصة من وزارة الحج    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    وزير الشباب: الصالة المغطاة بالعريش نموذجا لتحويل المنشآت الرياضية لمراكز متكاملة لصناعة الأبطال    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    الدوري المصري، الاتحاد السكندري ضيفا على المتصدر دجلة في مجموعة الهبوط    الدولار يسجل 445.39 جنيها للشراء في بنك السودان المركزي    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    رئيس الرقابة المالية يشهد توقيع بروتوكولات تعاون لتطوير كوادر القطاع المالي غير المصرفي    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    القبض على قاتل زوجته وابنته ب36 طعنة في الجيزة بعد 5 أيام من الهروب    وزير الداخلية: عمال مصر يمثلون أحد أعمدة البناء الأساسية    وزيرة التضامن الاجتماعي: دعم وتمكين ذوي الإعاقة على رأس أولويات الدولة    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    إسرائيل تمهل لبنان أسبوعين للاتفاق وتلوح بتصعيد عسكري    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    خلافات على الأرض.. النيابة تحقق في واقعة سرقة محصول قمح بالشرقية بعد ضبط المتهم الرئيسي    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    تحرير 38 محضرا لمخابز بلدية لمخالفتهم مواصفات الإنتاج بالبحيرة    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    ترامب: الملك تشارلز يتفق مع منع إيران من امتلاك قنبلة نووية    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    أوكرانيا تعلن إسقاط أكثر من 33 ألف مسيرة روسية في شهر واحد وتكثف تطوير دفاعاتها الجوية    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    مشروب الزعتر البارد الأقوى لتهدئة الكحة والحساسية    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. أكرم حجازي يكتب:كاميليا وملحمة التوحيد (15) .. صراع الضواري
نشر في الأيام المصرية يوم 07 - 02 - 2012

ربما تكون مذبحة ستاد بورسعيد (2/2/2012) في آخر قائمة مذابح « الفوضى الممنهجة» التي تقودها قوى الثورة المضادة في مصر، لكن من ما من مؤشرات على أنها ستكون الأخيرة، أو أن القوى إياها استنفذت وسائل عملها. إذ في جعبة هؤلاء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!!! فما يجري في البلاد، من أحداث بالغة التعقيد، أوقع الكثير من المصريين في حيرة وارتباك وحتى تخبط، لم يفلت منه عتاة المراقبين والمحللين والإعلاميين والمفكرين والناشطين. وفي مثل هذه الأحوال لا ينفع إحسان الظن بقدر ما تستدعي المسألة تفكيكا صريحا قد يرضي البعض مثلما قد يصيب البعض الآخر بالحنق والغضب. متى يكون المجلس العسكري بريئا مما يجري؟ ومتى يكون ضالعا فيه؟ من هو المتهم أو البريء من القوى الفاعلة في مصر؟ هل هي الداخلية؟ المجلس العسكري؟ الأحزاب الإسلامية؟ الحكومة؟ الإعلام؟ الأيدي الخفية التي صارت شماعة تُعلَّق عليها مسؤولية كل فاجعة؟ أسئلة لا تجدي الإجابة عليها عبر التحصن بالنوايا الحسنة.
الداخلية
كل المؤشرات المتوفرة حول مذبحة مباراة الأهلي والمصري في بورسعيد، والتي أسفرت عن مقتل 74 شخصا ووقوع مئات الجرحى، تؤكد أن عملا مدبرا عن سبق إصرار وترصد جرى التحضير له قبل وقوع المذبحة. هذه المؤشرات تنسف شبهة « شغب الملاعب» التي اعتقد بها البعض أو روج لها قصدا أو بغير علم. فثمة صور وشهادات وصوتيات ومرئيات يصعب التشكيك بها ناهيك عن تفنيدها. وفي مثل هذه الحالة لا ينفع الأخذ ب « الشبهات» ولو من باب التحقيق. فلنتأمل بعض المؤشرات:
· لافتة جماهير الأهلي التي رفعت بوجه جماهير المصري، والتي قيل أنها السبب في وقوع المذبحة: « بلد بالة مفهاش رجالة»؛
· شهادات لبعض علائلات الضحايا تقول أن: « البلطجية تم استئجارهم من الساحل بحي العرب»؛
· شهادة « أبو علي» قائد ألتراس أهلاوي لصحيفة « المصريون» يؤكد فيها أنهم تلقوا اتصالاً تليفونيًا من بورسعيد قبل اللقاء يقول: « أي حد يجي بورسعيد يكتب وصيته»؛ وأن البلطجية قدموا من « السواحل»، وهم: « مدربون على أعمال الفتك والتمثيل بالناس»؛
· غياب الأمن بشكل مريب، وامتناع الموجود منهم عن التدخل؛
· الإعلان عن عدم حضور مدير أمن بورسعيد للمباراة، بخلاف العادة، في حين تظهر صورة له في الاستاد وهو يراقب مشهد الهجوم على الناس؛
· شهادة مدير استاد الأهلي المتعلقة بطلب الأمن إغلاق بوابة خروج ألتراس الأهلي باللحام؛
· اندفاع الجماهير فور انطلاق صافرة الحكم، ثم إطفاء الأنوار بلا مبرر؛
· وجود أسلحة بيضاء استعملت في قتل وطعن الجماهير؛
· دخول أعداد من الجماهير الاستاد دون تفتيش أو تذاكر رغم أنها كانت بحوزة البعض؛
· شهادة أحد البلطجية عن دخول الاستاد نحو 600 بلطجي، بتوجيه من أحمد عرفة صديق جمال مبارك؛
· الأغنية التي طُرحت قُبيل المباراة بأيام وتحمل ألفاظ تتوعد جمهور الأهلي ... .
لذا؛ وفي أعقاب المذبحة صب المصريون جام غضبهم على وزارة الداخلية التي تحتاج إلى تطهير من « وكر الفلول» الذي ينشط في تدمير البلاد وحتى إسقاط الجيش والدولة. والحقيقة أن الداخلية موضع « شبهات» كبيرة ظهرت تجلياتها على وجه الخصوص في أعقاب ما اشتهر ب « مليونية المطلب الوحيد – 18/11/2011»، الداعية إلى نقل السلطة من المجلس العسكري إلى المدنيين. وفي هذه الجمعة تدخلت الداخلية لفض من فضل البقاء في ميدان التحرير معتصما. وكان من اللافت ملاحظة التصعيد المستمر من شرطة الداخلية وعناصر الأمن المركزي كلما انكفأ المعتصمون يلملمون شتاتهم. بل أن سلوك الجيش وطريقة تجمعه في مطاردة المعتصمين بالأسلحة النارية أشعر البعض وكأنهم يواجهون بلطجية وليس جنود منظمين يتسمون عادة بالانضباط.
سلسلة المواجهات القاتلة، والتخريب المتعمد وعمليات السطو والاغتصاب وقطع الطرق وغياب الداخلية عن ساحة الأمن الاجتماعي مقابل حضورها المفاجئ، بكثافة، وطوال عام مضى، في ميادين الاحتجاج، ضد الثوار أو المعتصمين، وضع الجميع أمام استنتاج حاسم يؤكد مسؤولية الداخلية عن حالة الفوضى وانعدام الأمن التي تعم البلاد .. مسؤولية تتجاوز الاتهام والتشكيك والإهمال والتقصير لترتقي إلى مستوى الإدانة .. لكنها إدانة لم تستثن المجلس العسكري من بعض مضامينها أو كلها. ففي اليوم التالي للمذبحة أصدر د. محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، بيانا تحدث فيه عن: « أفراد ومجموعات ممن يتبنون نظريات هدم كل مؤسسات الدولة ويتلقون أموالا وتدريبات في الخارج على إثارة الفوضى والتخريب»، مشيرا إلى أن: « هؤلاء تعلمهم جهات الرقابة والتحقيق والمجلس العسكري ولديهم الأدلة والمستندات ومع ذلك يتم التسويف في إحالتهم للمحاكم خوفا من استفزازهم أو إغضاب أطراف خارجية»، واتهم الشرطة ب « التقاعس»، وأن هناك: « ضباط يعاقبون الشعب على قيامه بثورته واسترداده لحريته وحقوقه».
المجلس العسكري
إذن المجلس العسكري يعلم جيدا ما يجري في البلاد لكنه لا يحرك ساكنا!!! فمما لم تعد عين تخطئه أنه رغم مضي عام على الثورة إلا أن رموز النظام ما زالوا يحتلون قواعد الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والإعلامية والقضائية والأمنية والدينية. أما البلطجية فيحكمون الشارع، و « الفلول» صاروا سادة السلطة. وإلى يومنا هذا لم يُدِن القضاء متهما في جريمة قتل، رغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى والمتضررين، خلال الثورة وبعدها، ولا حتى ذلك الضابط القناص الذي تخصص بفقء العيون. بينما أفرج القضاء عن كل متهم لبرالي أو علماني أو بلطجي أو مشبوه، وأكثر من ذلك أفرج عن مدانين ومحكومين بجرائم جنائية، وفي المقابل أصر القضاء على احتجاز أبرياء في السجن، بلا ذنب، مثل الشيخ أبي يحيى الذي برأته النيابة من تهمة التحريض على الفتنة في أعقاب حادثة كنيسة إمبابة بينما أفرج عن قتلة ضحايا رصاص الكنيسة الاثني عشر مثلما أفرج عن القسيسين فلوباتير وماتياس اللذين تحديا الجيش وحرضا على الفتنة، وقادا حفلة سفك دماء معلنة في واقعة « ماسبيرو».
وأكثر من ذلك؛ فقد استعاد المجلس العسكري قانون الطوارئ وعمل على تفعيل القضاء العسكري على حساب القضاء المدني في اعتقال المدنيين ومحاكمتهم. ومع ذلك تغافل عن تحريض سامح نجيب أحد رموز الاشتراكيين الثوريين على إسقاط الجيش والدولة دون أن يتعرض لمساءلة أو احتجاز وقائي، كما تغافل عما تفعله سوزان مبارك التي أرسلت رسالة لأعضاء في الكونغرس الأمريكي تستعطفهم وتهددهم بكشف أستارهم إذا لم يتدخلوا لإنقاذ زوجها من حبل المشنقة .. ومع ذلك لا تجد من يسائلها!! ومن الأعجب أن تستجيب سوزان مبارك لتهديدات حسين سالم إذا كرر محامي زوجها إقحامه في مرافعاته أمام المحكمة في قضايا صفقة الغاز المصري ل « إسرائيل»، أو في زياراتها المتكررة لسجن ليمان طرة، حيث يقبع رموز النظام، وكذا المركز الطبي العالمي، مقر احتجاز الرئيس المخلوع، أو فيما تمتلكه من وسائل اتصال خارج المراقبة .. وما من معطى واحد جعلها موضع مساءلة من أحد، وكأنها ما زالت نزيلة القصر الرئاسي!!! فأين المشكلة إنْ لم تكن في سياسات الجيش؟
الأرجح أن المصريين يتحملون قسطا كبيرا مما يرونه « أخطاء» المجلس. فما من مصيبة تحل في البلاد إلا وتجد من يقول أن المجلس هو من حمى الثورة، وهو « عزّ مصر وكرامتها»، وهو « حامي الدولة»، وهو « خط الدفاع الأخير عن مصر»، وهو « المؤسسة الوحيدة الناجية»، وهو .. وهو .. وهو .. وكان بإمكانه أن « يولع في البلد» لكنه لم يفعل كرامة منه!!! وكأنها وظيفته الطبيعية !!!
لعل المشكلة ليست في « ضعف أداء» المجلس العسكري ولا هي في« أخطائه» لكنها فيما يخشى. ففي قراءة طريفة قدمتها صحيفة « الفايننشال تايمز 5/2/2012 » تقول فيها: « إن المجلس العسكري يرفض إصلاح مؤسسة الشرطة المستبدة الفاسدة، على الرغم من افتقار البلاد للأمن وسيادة القانون؛ لأنه يعتبر ذلك تقويضا لمكانته»، وفي إشارتها إلى: « استمرار الاعتقالات والحصول على اعترافات بالتعذيب لا تزال مستمرة، وعدم وجود مساءلة للقوى التي تظن أن واجبها حماية النظام وليس الشعب» .. وتؤكد أن المجلس العسكرى: « يشجع هذا السلوك والتوجه داخل الوزارة، ويرى أن إصلاح جهاز الشرطة هجوم مستتر على مكانته»، وأنه: « برفضه إعادة هيكلة الوزارة فإنه يخنق الثورة».
لا ريب أن تاريخية الجيش المصري ونشأته لا تشابهها أية تاريخية لأي جيش عربي. لكنه بات مؤسسة كأي مؤسسة تعمل وتستظل بنظام « سايكس – بيكو»، وصار مؤسسة تنافس وتصارع على السلطة مستفيدا من تاريخيته، ومع الوقت غدا القوة الحاسمة في السلطة حتى في ظل عصر الطغاة. فهو يملك قرابة نصف الاقتصاد المصري، وتَقاسَم مع السلطة السياسية المساعدات الأمريكية طوال ثلاثة عقود، وأثبت أنه صاحب القول الفصل في الأحداث الكبرى. فأي مبرر يجعله يضحي بمثل هذه المكانة؟

في خضم الأيام الثمانية عشر من الثورة ظل دوره مراقبا سلبيا للحدث. وظل وفيا للنظام السياسي حتى أنه لم يمنع « واقعة الجمل» التي سقط فيها مئات الثوار أمام ناظريه، بل أن الفيديوات المسربة مؤخرا أظهرت أن جحافل البلطجية دخلوا ميدان التحرير بحمايته، وبدؤوا الهجوم تحت سيطرته التامة. وما ردعه عن ارتكاب الحماقات إلا مصالحه المرتبطة ب « المركز»، وخشيته من مواجهة ملايين الثوار في الشوارع. لذا فقد سارع إلى التضحية برأس النظام السياسي قبل أن تفلت الأمور بطريقة يخسر فيها كما يخسر « النظام» و « المركز» معا .. فلماذا يخشى البعض أن « يولع الجيش في البلد»؟

أما السمة الأخلاقية التي يسبغها المصريون على الجيش فقد أصبحت محل تساؤل بعد فضيحة اختبار الكشف عن العذرية التي كانت ضحيتها 17 فتاة. وبحسب شهادة إحداهن فقد أجبر الجيش في مراكز الاعتقال العسكري التابعة له الفتيات على التعري بالكامل بدعوى « فحص العذرية – 9/3/2011»، وبشكل مشين ومحرج، وفي غرفة ذات بابين مفتوحين على بعضهما، ومن قبل جنود وليس مجندات!!! ولا شك أنه إجراء متعمد لا مبرر له إلا إخراج العنصر النسائي من أية فعاليات اجتماعية أو احتجاجات مناهضة، عبر الإذلال وكسر للإرادات، بحيث يسري الخبر بين الأهالي الذين سيفضلون الاحتفاظ ببناتهن بدلا من تعريضهن لأذى بالغ لن يتفهمه أحد بسهولة في مجتمع محافظ، الأمر الذي اضطر الضحايا إلى الصمت إلا من سميرة إبراهيم محمد التي امتلكت من الشجاعة ما فضحت به سلوك الجيش.
لكن يبدو أن « فحص العذرية» لم ينل من حيوية الثورة المصرية. ولعل سلسلة من العوامل والمبررات والمصالح المتضاربة، الخارجية والداخلية، تضافرت معا لوضع حد لما يسمى ب « ميدان التحرير»، ذلك الرمز العالمي الذي باتت حيويته، كنموذج احتجاج، عبءً على القوى الدولية والإقليمية والمحلية، المضادة للاحتجاجات الشعبية. وعلى حين غرة هاجم الجيش الذي حمى الثورة المعتصمين في الميدان، فيما عرف بمواجهات 17 ديسمبر 2011 ، محاولا فض اعتصام التحرير بالقوة العسكرية، فتسببت نيرانه بإصابة المئات من المعتصمين، ومقتل العديد منهم، من بينهم الشيخ عماد عفت. فما كان من هذا التدخل الفظ إلا إصابة السمعة الأخلاقية للمجلس بأضرار بالغة، خاصة في أعقاب حادثة الطبيبة مروة التي تعرضت لضرب مبرح وانكشاف لعورتها. ولم يعد أحد من القوى يبرر بقاءه في السلطة إلا وطالبه بالاعتذار والإسراع في التخلي عنها.
في الواقع فإن القوى التي تطالب العسكر بتسليم السلطة للمدنيين كثيرة. وقد بات المجلس العسكري يدرك أكثر من أي وقت مضى أن حدث الثورة غيّر مصر فعليا. كما يدرك أن القوى الإسلامية هي التي ستحدد دوره وامتيازاته في السلطة، باعتبارها الأقوى سياسيا والأكثر شعبية. وبالتالي فإن التفاهم معها أجدى من التفاهم مع أية قوى سياسية أخرى. لكن أي تفاهم لا بد وأن تحكمه الصراعات الواقعة في البلد. وبالتالي فهو يوظف أقصى ما يستطيع من عناصر الضغط لصالحه. فيستفيد من ضغوط القوى المناهضة للقوى الإسلامية بخصوص التعددية ومدنية الدولة وأحكام الشريعة وعلاقات مصر الدولية والإقليمية وكذا المعاهدات الموقعة معها، مثلما يستفيد من تاريخية الأداء السياسي للقوى الإسلامية، والتي ارتبطت مع النظام السابق في علاقة أمنية جعلها، على الدوام، أقرب للخضوع إلى السلطة أو التفاهم معها من التمرد عليها. ويستفيد من رغبتها البقاء في السلطة وممارستها، وحتى من « عشقها» للوضع الجديد، الذي يشعرها بنشوة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق بالضبط نسج المجلس العسكري ما يشبه التحالف البراغماتي مع حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين. وعلى قاعدة « الخروج الآمن» للعسكر وتسليم السلطة؛ تناقلت مختلف وسائل الإعلام أنباء عن صفقة عقدها «الإخوان» مع العسكري تقضي أبرز بنودها بمنح المجلس « الحصانة الكاملة» من أية مساءلة قانونية.
لكن « الخروج الآمن» للعسكر لا يبدو آمنا بدرجة كافية، لاسيما وأنها فكرة لا تروق لشخصية مثل الشيخ حازم أبو صلاح أو قوى إسلامية أخرى، ثورية الفكر والعمل، وتجتهد في إخراج المجلس من السلطة بعيدا عن أية صفقات أو إغراءات أو تحالفات مع القوى التقليدية الكبرى. لكن التمييز في مواقف القوى لا يتعلق بالهدف الذي تسعى إليه بل بالغايات. لذا ينبغي ملاحظة أن مبررات الإسلام الثوري في إخراج العسكر من السلطة تقف على النقيض من مبررات وأهداف قوى يسارية، هي موضع شبهة ترقى إلى الإدانة، كحركة 6 أفريل أو الاشتراكيين الثوريين، وكذا بعض القوى اللبرالية والعلمانية التي تنادي بتسليم السلطة إلى مجلس مدني مؤقت ريثما تجري الانتخابات الرئاسية أو في دعم البرادعي، مثلا، كشخصية مؤهلة لتسلم السلطة.
فالقوى الإسلامية الثورية، التي عانت من شراسة الأمن في النظام السابق، تساورها شكوك ومخاوف من تشبث العسكر بالسلطة حفاظا على مصالحه وامتيازاته ونفوذه التي تقتضي إعادة إنتاج نظام سياسي أقرب ما يكون إلى سلفه. وهذا يعني، بالمحصلة، الالتفاف على أهداف الثورة وإفراغها من مضمونها وأهدافها، بما قد يؤدي إلى انخفاض في سقف الحريات وبقاء السلطة العليا بيد الجيش. أما القوى العلمانية واللبرالية فغايتها أخطر من بقاء العسكر، خاصة وأنها تسعى إلى تحقيق أهداف أيديولوجية ومصالح حزبية تسمح لها بالانتقال خطوة أخرى باتجاه تجريد مصر من أية التزامات عقدية أو أخلاقية. وهو مسعى، إنْ تَحَقَّق، سيضع البلاد تحت سوط الانقسامات الاجتماعية والطائفية، ويفضي إلى استنزاف الهوية الحضارية لمصر، ويعزلها عن محيطها العربي وعمقها الإسلامي، ويشلّ فاعليتها، والأهم من هذا وذاك أنه سيدفن فكرة خروجها من هيمنة « المركز» إلى أمد غير منظور.
بين هذه القوة وتلك ثمة تيار، واسع النطاق، يضم شرائح اجتماعية متنوعة وأفراد وجماعات وقوى وعلماء ومشايخ وصحفيين وإعلاميين ومفكرين وناشطين، يخترق كافة القوى بلا استثناء، وليست له أية حسابات سوى الدفاع عن العسكر. فهو، لأسباب تاريخية وموضوعية، يكن للجيش احتراما شديدا وتعاطفا عميقا. ويثق به ثقة عمياء رغم أنه لا يفلت من نقده وعتبه عليه بين الحين والآخر. وهذا التيار هو الذي يعتمد عليه الجيش في صراعه مع القوى الأخرى.
الحكومة
اتسمت حكومات المجلس العسكري بالضعف الشديد. ولعلها أشبه ما تكون بحكومة الباجي قائد السبسي التي خربت تونس قبل أن ترحل. فما أن رحل حسني مبارك عن السلطة حتى أعلن المجلس عن استمرار عمل حكومة الجنرال أحمد شفيق، الذي عينه الرئيس المخلوع قبل تنحيه عن السلطة!!! وكأن مصر خلت من القيادات إلا من رموز النظام نفسه. لكن رفض الثوار له اضطر المجلس، فيما بعد، إلى قبول استقالته ليحل محله عصام شرف. ومع الحكومة الجديدة بدا يحيى الجمل، نائب رئيس الحكومة، أشد شراسة على الثورة ومصر وهويتها من أية حكومة حتى زمن مبارك.
ففي عهده بلغت الصراعات على هوية مصر والدستور والمادة الثانية منه، المتعلقة بالشريعة، أوجها. وتطاول على السلفيين واصفا إياهم ب: « أصحاب العقول المظلمة .. وليسوا من الإسلام»، كما تطاول على الله عز وجل مرتين، في زندقة لا يأتيها إلا من هو على شاكلته، فكانت الأولى، في برنامج « مصر النهاردة – 14/3/2001» حين قال: « ربنا لو نزل الانتخابات وحصل على 70% يبقى ربنا يحمد ربنا»، أما الثانية، فكانت في 7/5/2011 خلال مؤتمر نظمته « شبكة اللبراليين العرب»، ورد فيه على منتقدي تصريحاته بالقول: « يقولون الله قال كذا، على الرغم من أن الله لم يقل شيئا منذ 1400 عام»!!!
وفي عهد حكومة شرف، وبعد استفتاء المصريين على الدستور المؤقت بنسبة 78%، أعلن المجلس العسكري عما يسمى ب « الوثيقة الحاكمة للدستور»، ودخلت البلاد في معمعة لا حصر لها، وصار يقينا عند الناس أن الجمل هو من رئس الثورة المضادة ورمزها. وتحت الضغط الشعبي الذي كاد ينفجر بنفسه قدم الجمل استقالته فقبلها عصام شرف بينما رفضها العسكري، ولم يقبلها إلا في المرة الثانية أو الثالثة!!!! وظن الناس أن « وثيقة» الفتنة ذهبت مع الجمل فإذا بالعسكري يورثها رسميا لخلفه، علي السلمي!!! حتى أنها صارت تعرف باسم « وثيقة السلمي»!!! وهي « الوثيقة» التي سعى الجيش من خلالها إلى تثبيت امتيازاته في السلطة دستوريا، وعدم مساءلته عن الميزانية إلا كرقم غير قابل للتفصيل، وهوية الدولة، وحقوق الأقليات التي تبيح للأقباط المسيحيين ما تحرمه على المسلمين.
هكذا أدرك المصريون أن حكومة شرف ليس بيدها من الأمر إلا ما يريده العسكري الذي يمسك فعليا بزمام السلطة. ولم ترحل الحكومة إلا مع انفجار الموجة الثانية من الثورة المصرية في أعقاب « مليونية المطلب الوحيد – 18/11/2011». وبعدها تسلم كمال الجنزوري رئاسة الحكومة الجديدة بصلاحيات كاملة وفق ما وعد به العسكري!!! وهو وعد ليس له أي أثر يذكر في بنية النظام السياسي فيما عدا الانتخابات البرلمانية.
الإعلام
الإعلام المصري هو إعلام معادي لمصر في غالبيته الساحقة. وإعلام متهم بالعمالة والتزوير والكذب وقلب الحقائق والسب والشتم، وهو رأس الحربة في الثورة المضادة. أما الإعلام المرئي، على وجه الخصوص، فإن أكثر ما يجيده صناعة الفتن وترويجها في بيئة اجتماعية تقارب نسبة الأمية فيها نحو 40%، وتعتمد بشكل كبير على ما تشاهده أو تسمعه وليس على ما تقرأه. وفي السياق تحتل الصدارة قنوات رجال المال والأعمال، وكذا القنوات الطائفية المحرضة على الفتن، والتي لا يحكمها أي مبدأ أخلاقي أو مهني أو مسؤول تجاه مصر، شعبا وحضارة وتاريخا ومكانة، لا ماضيا ولا حاضرا ولا مستقبلا.
طوال فترة الحكم العسكري تعرضت قطاعات حساسة في الدولة لأضرار بالغة. وما أطلق عليه ب « الفلتان الأمني» أو « الفوضى» يسميه البعض ب « الفوضى الممنهجة»، والمدعومة إعلاميا. وفي السياق ثمة بعض الشواهد بالغة الدلالة على دور الإعلام في التخريب وإيقاع الفتن. فقد أعلن الصحفي خيري رمضان خبر إحراق المجمع العلمي قبل أن تمسه النار بأربعة أيام!! ومثله فعلت زميلته في المهنة لميس الحديدي، مذيعة قناة cbc المصرية، حين نشرت خبر إحراق مبنى الضرائب العقارية قبل أربع ساعات من وقوعه!!!
ولعل أعجب ما في نخبة الإعلام المصري، بشقيه العام والخاص، أنها لا تتصرف حتى كنخبة عميلة أو صاحبة أجندة بقدر ما تبدو كما لو أنها نخبة استعمارية، ليست البلاد بلادها ولا الأرض أرضها ولا التاريخ تاريخها ولا الحضارة حضارتها. نخبة عبثية لا مبدأ لها ولا منطق ولا انتماء ولا رادع يردعها عن المقامرة بأرواح الناس، ولا حتى بمصير البلاد أن تتقاذفه الوحوش الكاسرة.
الطريف في الأمر أنه ما من جماعة سياسية أو عسكرية أو اجتماعية إلا وتخشى سطوة إعلام تعودت على فجوره. وحتى المجلس العسكري، صاحب اليد الباطشة وصانع سياسات المرحلة، بحسب الكثير من المصريين، بدا مرتبكا ومتخبطا، من هذه السطوة منذ اللحظة الأولى لواقعة « ماسبيرو».
فصل الكلام
ربما يكون الشيخ حازم أبو صلاح، المرشح المحتمل للرئاسة، هو فعلا، كما وصفه البعض، « رجل المرحلة»، الذي يعي ما يحدث في مصر وما يلزمها الآن قبل أي وقت آخر. فهو من أكثر الشخصيات التي عبرت عن حقيقة ما يجري في البلاد دون مواربة. فمن بين عشرات التصريحات كان لافتا للنظر ذلك التصريح الذي أدلى به بعد المذبحة، حين قال صراحة: « إن ما حدث في بورسعيد وغيرها من الأحداث الدامية التي سقط فيها شهداء كثيرون، إنما هو بسبب صراع على السلطة القادمة في مصر من جهات ملوثة الأيدي»!!!
لعل التصريح يعطي انطباعا، للوهلة الأولى، وكأن المشكلة في مصر محلية صرفة!! ولا شأن للقوى الدولية فيها. لكن الحديث عن صراع على السلطة يلزمنا باستدعاء أخطر التصريحات الصهيونية عن العالم العربي، والتي صدرت في 28/10/2010، عشية اندلاع الثورات العربية انطلاقا من تونس. وحينها، كالعادة، مرّ التصريح ك « صأى العقارب» التي تلدغ، ثم تصيح فلا يسمعها إلا من هو من بني جنسها، ولا يعقل ما فعلت إلا من كان فريستها!!!
فخلال تسليمه مهامه لخلفه الجنرال آفيف كوخفي؛ تحدث عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عن اختراقات كبيرة في العراق والسودان ومصر واليمن ولبنان وتونس وليبيا. وفيما يتعلق بشمال أفريقيا قال: « لقد تقدمنا إلى الأمام كثيراً في نشر شبكات التجسس في كل من ليبيا وتونس والمغرب، والتي أصبح فيها كل شيء في متناول أيدينا، وهي قادرة على التأثير السلبي أو الإيجابي في مجمل أمور هذه البلاد».
ويضيف بما يؤكد تصريحات الشيخ أبو صلاح:
« أما في مصر، الملعب الأكبر لنشاطاتنا، فإن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979، فلقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر».
قد يقرأ البعض هذا التصريح كنوع من المبالغة التي تنطوي على إحباط الأمة، أو أنه سلوك استخباري بارع في إثارة الفتن والشكوك والانقسامات. لا بأس. لكن في الحالتين يبدو ما يجري في مصر هو، على الأقل، ترجمة فعلية لواقع مخترق أو مريض أو مفكك أصلا، بما يجعل منه بيئة قابلة للصراع بامتياز، ولا أحد بريء فيها مما يجري. فالمجلس يصارع كما تصارع الداخلية والحكومة والإعلام والقضاء والأحزاب والجماعات والكنيسة والفلسفات والعقائد .. كلها في صراعات دامية كصراع الضواري لا ضابط لها إلا الفوز بكل الفريسة أو بجزء منها، وبالتالي فلن يحسمها توافقات ولا مداهنات ولا صفقات ولا ترضيات .. فالثابت الأكيد أن مصر لم تُحكَم طوال التاريخ ب « التوافق»، فهي إما أن تكون صالحة وإما أن تكون فاسدة .. حرة أو مستعبدة .. قوية أو ضعيفة .. لكن يبقى السؤال: كيف ستتحرر كاميليا وأخواتها من الأسر إذا ظلت مصر واقعة في براثن الفساد والاستعباد والتبعية والهيمنة؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.