لم يكن لدي أوليج ديريباسكا دائما وقت ليضيعه في الرسميات الفارغة. ولعل لذلك لم يكن غريبا أن يصبح وهو في العام الاربعين من عمره أغني رجل في روسيا يملك امبراطورية عالمية قيمتها 44 مليار دولار ويعمل فيها 290 ألف شخص. ورغم أنه لم يكن يستطيع أن يتغيب عن مؤتمر كراستودار الذي عقده بوتين ليتيح لخليفته ميد فيديف أن يقدم نفسه للنخبة الروسية ويتحدث عن رؤيته للمستقبل فإن ايريباسكا لم يحضر إلا لفترة قصيرة حيا فيها ميدفيديف ولم ينتظره حتي يلقي خطابه وإنما خرج مسرعا ليستقل طائرته الخاصة إلي حيث يريد. ويقول الكسندر بوتشيدك ممثل كراستودار في مجلس الشيوخ وصديقه الذي حضر المؤتمر إن النجاح كان يبهر ديريباسكا إلي درجة مذهلة. وقد حدث هذا كله كما تقول مجلة "نيوزويك" في يناير 2008 ولكن ديريباسكا التقي ميدفيديف مرة أخري منذ أسابيع قليلة وكان في هذه المرة رجلا ذليلا. فإمبراطوريته كانت معرضة للضياع لولا أن الرئيس الروسي اقنع الدائنين بعدم الحجز عليها نظير ديون وشيكة الاستحقاق تصل قيمتها إلي 7،4 مليار دولار، أي أقل قليلا من نصف اجمالي ديون ديريباسكا. ويقال إن ميدفيديف وافق علي التدخل في الأمر مضطرا. وبعد ذلك بأيام قليلة ذهب الملياردير الروسي السابق مرتديا الجينز وغير حليق الذقن ليقابل وزير المالية الروسي اليكساي كودرين. وقد ذكر مسئول رفيع المستوي كان حاضرا للمقابلة ولكنه طلب عدم ذكر اسمه لأن ما حدث كان بعيدا عن أعين الصحفيين أن ديريباسكا كان منهمكا وأنه تكلم قليلا. وقال المسئول نفسه إن كودرين رفض تقديم أي عون سواء لديريباسكا أو غيره من مليارديرات الاوليجاركية الروسية الذين حضروا نفس المقابلة.. وقال لهم كودرين بوضح إنه لابد أن يكون هناك من يفلس من جراء الأزمة الراهنة. وتجدر الاشارة إلي أن قصة صعود وسقوط ديريباسكا هي مجرد واحدة من قصص الاوليجاركية الروسية الشابة التي بولغ في دعمها كما أنها نافذة توضح العلاقة بين المال والسلطة في روسيا بعد انهيار العصر السوفيتي وتبين الاخطاء التي تكمن في تجربة النهوض الروسي اقتصاديا تحت حكم بوتين، والمأزق الذي تواجهه روسيا في الوقت الراهن وإذا كان ميدفيديف يقول إنه يريد الإجهاز علي نظام المحسوبية القديم فإن بوتين سبقه إلي ترديد القول نفسه والمشكلة تكمن في مدي براعة الرئيس وقدرته علي إجراء التغييرات الضرورية. إن أصدقاء ديريباسكا يتحدثون عن سلوكه الفظ وعقله النافذ وأنه لا صبر لديه علي الضرورات الاجتماعية ويريد الصعود بسرعة فائقة ويقولون أيضا إنه ذكي ولا يسأل سوي السؤال الصحيح ويتميز بالتعميم علي تحقيق أهدافه.. ويبدو أن هذا المزيج هو الذي جاء بديريباسكا من قريته الصغيرة جنوبروسيا إلي العاصمة موسكو ليتعلم في الجامعة منذ عقدين من الزمان وقد حصل علي شهادات جامعية في الطبيعة والاقتصاد وبدأ يبني امبراطوريته قطعة بعد قطعة واستفاد من عمليات الخصخصة حيث كان يشتري الأسهم من العمال الفقراء حتي تصبح له حصة مسيطرة علي الشركة التي يقصدها وبحلول عام 1994 كان قد أصبح مالكا لحصة نسبتها 20% من شركة سايانوجورسك للألمنيوم ومقعداً في مجلس إدارتها. وتقول مجلة "نيوزويك" إنه ارتكازا علي وضعه في هذه الشركة انطلق ليصارع منافسيه من أباطرة المعادن في سيبيريا وغيرها لكي يصبح هو المتحكم في صناعة الألمنيوم الروسية ويقول ايجور بوتين رئيس مركز الأبحاث بوليتيكال تكنولوجيز في موسكو أن ديريباسكا خاض معارك كثيرة كان لها عشرات الضحايا حتي أمكنه تحقيق هدفه بالسيطرة علي صناعة الألمنيوم الروسية وأن التحقيقات والتحريات قد لاحقته دون أن يستطيع أحد أن يثبت عليه شيئا أو يؤكد علاقته بعصابات الجريمة المنظمة وإن كانت هذه التحقيقات قد أدت إلي الغاء تأشيرة دخوله إلي الولاياتالمتحدة. وقد استطاع الرجل أن ينضم إلي دائرة الصناعيين المقربة من الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين وأن يقيم علاقات صداقة مبكرة مع بوتين حتي قبل أن يصبح رئيسا لروسيا وتغلغل ديريباسكا أيضا في أوساط المؤسسة الغربية التي تكونت في روسيا بعد العصر السوفيتي ومع نهاية عصر يلتسين كان ديريباسكا هو ملك الألمنيوم في روسيا بلا منازع وتزوج يولينا يوما شيفا ابنة كبير موظفي الكرملين وهي في نفس الوقت حفيدة يتلسين.