تفاعلات كثيرة تمر بها المجتمعات تبدد السكون وترتفع أحيانا فيه الأصوات كما قد تثير قدراً من الأتربة والغبار هنا أو هناك.. والسكون لم يعد سمة العصر أو طبيعته ذلك أن الحركة أصبحت عنوانه والديناميكية أصبحت مذهبه.. وتعداد المقولات تأثراً بهذا وتجواباً معه ما بين مقولات قديمة بعثت من جديد مثل "السكون يسبق العاصفة" وعبارات جديدة ومقولات مستجدة مثل "الفوضي الخلاقة أو الفوضي البناءة" التي أصبح له نظريات ولم تقف عند حد المقولات والتي تطلق احيانا كوسيلة للتبرير أو كأداة للتعبير.. الأمر ببساطة أن الحركة أصبحت هي العنوان الذي نشكو أحيانا من تنامي سرعته أو قسوة قوته أو تعالي نغماته أو اضطراب مفاهيمه أو اتساع مجالاته التي قد تتأثر به حتي هواية الشعوب وسلوكياتها وتنفعل معها وبها طموحات الناس وآمالهم بل أحيانا اندفاعهم نحو سلوك مرغوب أو غير مرغوب وأصبحت المحاكاة تنتقل بين الشعوب كانتقال النسيم أو سريان النار في الهشيم. وأصبح السؤال المطروح في ذلك كله إذا كان الحراك سياسيا أو اجتماعيا أصبح العنوان وأصبح سمة العصر التي لابد أن نفتح له الأبواب والنوافذ وإلا فإنه سيفرض نفسه عليه بحكم طبائع الأمور وسقوط الحواجز وعبور الحدود وتجاوز السدود.. لابد إذاً من السماح بالحراك الاجتماعي والسياسي ولكن القضية كيف نحافظ علي استقرار المجتمع وأمنه وأمانه حتي يستطيع أن ينمو وأن يتقدم وأن يتماسك نسيجه الاجتماعي وأن تترابط أقسامه وتقسيماته وأفراده وفئاته. ودعنا عزيزي القارئ نقترب من الصورة أكثر ونتفاعل مع ما يجري علي مسرح الأحداث بشكل أعمق. هل يمكن أن يتصادم الحراك سياسيا أم اجتماعيا مع الشرعية والاستقرار.. هل؟ .. وهل أحداث مثل أحداث لبنان يمكن أن تعد من قبيل الحراك السياسي أم من قبيل الفوضي والاضطراب وعدم الشرعية وهل هي تعد مهددا لاستقرار المجتمع اللبناني وهل يمكن أن تؤدي إلي تفكك النسيج الاجتماعي والتباعد بين فئات المجتمع أو التصادم بينه؟. سؤال جوهري يجب أن نتوقف عنده ما هو الخط الفاصل بين الحراك والفوضي.. وما هو الخط الفاصل بين الاستقرار والجمود؟ لدينا في هذا الصدد عدة قواعد لا يعد التصادم معها أو الاختلاف بشأنها أمراً محموداً أو مفيداً. القاعدة الأولي: إن التغيير ليس ضد الاستقرار ولا يتنافي معه إذا ما وضعت له الآليات المحكمة والضوابط الحكيمة والواعية.. فإنه يكاد يكون من المحال أن يتم استمرار المسئول لسنوات وسنوات في موقعه الوزاري أو الوظيفي مهما علت كفاءته ومهما كانت مهارته ذلك أن التغيير لازم هنا بحكم طبيعة الأمور أولا ولكي نعطي لكل جيل حقه المشروع في المشاركة والتفاعل مع قضية مجتمعه ومتغيرات عصره وزمانه.. بل إنه يكاد يكون لازما إجراء مثل هذا التغيير حتي يتماسك المجتمع ويتجدد هواؤه وتدخل الشمس نوافذه ويحتل مكانته بين العالمين مرتبطاً بقضايا عصره ومتغيرات زمانه وإلا انقرض بفعل عدم القدرة علي التكيف مع متطلبات العصر والزمان وهذا لا يعني بحال من الأحوال ألا يكون للمجتمع ثوابته وهوايته فذلك أمر لا يتنافي مع الحراك أو التغيير. ويمر مجتمعنا المصري شأنه شأن مجتمعات أخري بل شأن العالم بأسره بمتغيرات ويسعي نحو إجراء إصلاحات بدأت منذ زمن ويسعي إلي استكمالها فهناك الإصلاحات الدستورية التي تمت والتي ستستكمل في هذا العام وهناك الإصلاحات الاقتصادية التي تمت ويلزم أن تستمر حتي تؤتي ثمارها وحتي يعود علي المجتمع بالخير والرخاء مردوده.. لا نستطيع أن نتوقف في منتصف الطريق فنكون كالمنبت لا ارضا قطع ولا ظهراً أبقي. كما أن الإصلاح الاجتماعي والانحياز لمحدود الدخل والحفاظ علي الطبقة الوسطي والتماسك بقواعد العدالة الاجتماعية وتصحيح التشوهات في توزيع الدخل كلها أمور جوهرية لا تنال من الاستقرار بل تدعمه ولا تضعف التماسك الاجتماعي بل تؤكده. ولكن عصب الأمر وبيت القصيد وجوهر القضية في ذلك كله يتعلق بكيف يمكن أن نحقق التغيير وأن نجري الإصلاح وأن يحدث الحراك سياسيا كان أو اجتماعيا وذلك دون أن ننال من الاستقرار اللازم أي كيف يحدث الحراك دون أن يكون ضد الاستقرار.. الأمر علي هذا النحو يحتاج إلي مقومات ثلاثة وخمس آليات.. أما المقومات فهي ضبط المفاهيم، وصيانة الحريات، وثقافة التغيير. ونقصد هنا بضبط المفاهيم أن يتحدث المجتمع لغة واحدة منضبطة المفاهيم تميز ما بين الديمقراطية والفوضي والحرية والعشوائية وهذا يتطلب وعيا ثقافيا وإعلاميا ملتزما ومستنيرا كما يحتاج البعد عن نفاق الجماهير وأيضا الحرص علي عدم اغضابها، وأما صيانة الحريات فهي أوضح من أن نخوض فيه لكننا لابد أن نذكر هنا أن صيانة كرامة المواطن أيا كان موقعه في السلم الاجتماعي هي أبرز سمات الحرية فالمواطن الذي تهدر كرامته في الشارع أو قسم البوليس أو أمام أي مصلحة حكومية أو في التعامل مع أي سلطة أو أي مسئول هو مواطن لا يتمتع بأي حرية فالكرامة والحرية صنوان لا يفترقان. وأما ثقافة التغيير فهي السياج المتين الذي يمكن أن نستعين به في ضبط المفاهيم وصيانة الحريات دون شطط أو تفريط ودون تهوين أو تهويل. أما الآليات اللازمة لذلك كله فسنعرض لها في الأسبوع القادم بمشيئة الله.