في ساعات الفجر اعتقل سعد زغلول ورفاقه وتم إرسالهم إلي المنفي، وفي صباح ذات اليوم توجه وفد من طلاب مدرسة الحقوق السلطانية إلي بيت الأمة حيث وجدوا عبد العزيز باشا فهمي وأبلغوه أنهم ينوون الإضراب والتظاهر مطالبين بعودة الزعماء المنفيين، غضب عبد العزيز باشا وصاح فيهم "لا تزيدوا غضب القوم علينا" فصمم الطلاب فصرخ "أن المسألة ليست عبث اطفال" وخرج الطلاب من بيت الأمة إلي مدرسة الحقوق وأشعلوا مظاهرة كانت بداية الثورة. ولم يكن الأمر سهلا، الطلاب يتظاهرون والعمال لم يتحركوا بعد واتجهت الانظار إلي الموظفين وتذكر الطلاب قول عبد العزيز باشا فهمي لمسألة ليست "عبث أطفال" فظلوا يتخذونها سبيلا للتهكم علي الخائفين من المشاركة في الثورة. وأصدروا بيانا بعنوان "آباؤنا موظفو الحكومة" وكان المنشور قاسيا جدا "إذ كنتم بعتم بلادكم بثمن بخس وجبنتم أمام بنادقهم ومدرعاتهم فأطفالكم لا يجحدون أمهم مصر وسيشترون حريتها بدمائهم. فإن أردتم انقاذ ارواحنا البريئة فإتركوا مكاتبكم وأتوا إلينا". والتوقيع "أطفالكم؟. ومنشور آخر إلي الموظفين موقع "طلبة المدارس والمعاهد" يبدأ "أتري يترفع الموظفون أن يعلنوا بإضرابهم عن العمل أنهم مصريو الجنسية يؤلمهم ما يؤلم الأمة المصرية"، ويقول كنتم بالأمس بين صفوفنا في المدارس فهل خرجتم من ماضيكم بخروجكم من باب المدرسة؟ وهل انتقلتم إلي عالم آخر أخشي أن يكون عالم الأموات؟. وبيان آخر بعنوان "من العربجية إلي السادة الموظفين "جاء فيه "يا سادتنا الموظفين لكم تنعموا بالكراسي النظيفة ولكم أن تفخروا حقا أو باطلا بالألقاب الكبيرة وأن تتمتعوا حلالا أو حراما بالمرتبات الضخمة" ثم "لكم أن تنادونا إذا دعوتم العربجي بكل مهانة وازدراء ولكم أن تدفعوا إلينا أجورنا رميا وحدفا خشية أن تمس أيدينا القذرة اجسامكم الناعمة.. لكم ذلك كله، ولكن هل لكم أن تعلموا من منا أجبن قلبا وأخس نفسا وأهدأ للذل وأخلي من الضمير".. وتحت هذا الضغط صدر المنشور التالي "اجتمعت لجنة الموظفين بوزارة الحقانية في يوم 10 ابريل 1919 وقررت الاضراب عن العمل" وتلاعب وزير الحقانية بالمضربين وابلغهم أنه جري الإفراج عن الزعماء المنفيين وأنهم ذهبوا لحضور مؤتمر الصلح. ولما اكتشف الموظفون هذه الكذبة اجتمعوا مرة أخري، وقد تشكلت منهم "اللجنة العليا لموظفي الحكومة المصرية – قرار 13 ابريل 1919 واعلنوا الاضراب". وفي 15 ابريل سقطت أول شهيدة مصرية "شفيقة محمد" وتحدي الأب الشجاع الألم وسلطات الاحتلال ووجه دعوة للمواطنين للاحتشاد يوم الخميس 17 ابريل بمدفن الأسرة. وكان الحشد هائلا بحجم الثورة وأصدرت اللجنة المستعجلة بيانا من ست صفحات تنعي فيه الشهيدة شبهن فيه شفيقة بجان دارك.. وجاء فيه "رفعت الشمس اذيال الدجي وخلعت عن وجه النهار نقاب الظلام واطلت مع الفجر الأزاهير من أكمامها وبرزت النساء المصريات من خدورهن فكانت ملائك رجعن اناشيد الحرية". وظلت المنشورات تلاحق الاحتلال وتلاحق الخونة نثرا وشعرا.. حتي عاد سعد فاستقبلته جموع حاشدة تردد نشيدا جميلا: رجوعك رد علينا الحياة وبعدك أجري بمصر الدما تغيبت شهرا فضج الأنام ضجيجا أجاز عنان السما ينادون سعدا واصحابه ويرجون عودة حامي الحما ونقارن هذا بقصيدة عاصفة "من الأمة المصرية – إلي صاحب الدولة رئيس الوزراء السابق- السير حسين رشدي باشا وفيها هجاء لاذع. وتمضي المنشورات تهاجم المتهاونين مع الاحتلال وتسميهم الخوارج (منشور نمرة 38) وفي منشور آخر للجنة المستعجلة رقمه 64 كان العنوان "أمثال من اعمال الوزارة الخائنة – محاربة الأمة وابتزاز الأموال". ويمضي مسلسل الوثائق ليقدم توثيقا رائعا لثورة شعبية بدأها الشباب الطلاب وظلوا حراسا عليها حتي تحققت أهم أهدافها. ————————————————————————————————————————————————— آباؤنا موظفو الحكومة قد حال الإنجليز بيننا وبين المؤتمر بسلاح الوعد والتسويف حتى يحكم العالم بأنا راضون عن سلب حريتنا واستقلالنا واليوم يمنعوننا بسلاح القبض والتهديد. نحن أطفالكم رأينا كم ساكتين عن حقوقكم فقمنا بواجبكم وضحينا التضحية الكبرى نستصرخ العالم عله يسمع شكونا – فرمونا برصاصهم وشقوا قلوبنا بسيوفهم وأنتم لازلتم تخوضون بأرجلكم دماء أبنائكم فى الطرقات ذاهبين إلى وزاراتكم ومصالحكم تحرسكم قتلة أطفالكم. فإن كنتم قد مجدتم أطفالكم وبعتم بلادكم "بثمن بخس" وجبتم أمام بنادقهم ومدرعاتهم فأطفالكم لا يجحدون أمهم مصر وسيشترون حريتها بدمائهم ولايزالون ينادون العالم المتمدن لنصرتها ويقابلون رصاصهم بصدور ملؤها الثقة عزلا لا سلاح لهم إلا الحق. فإن أردتم إنقاذ أرواحنا البريئة ودمائنا الزكية فاتركوا مكاتبكم وأتوا إلينا فإما أن نموت أو نحيا سويا أحرارا بمصرنا المستقلة. أطفالكم ————————————————————————————————– إلى الموظفين أترى يترفع الموظفون أن يعلنوا بإضرابهم عن العمل أنهم مصريو الجنسية يؤلمهم ما يؤلم الأمة المصرية ويبهجهم ما يبهجها! أترى الدم الذى يسرى فى عروقهم غير دمنا والجذع الذى عنه يتضرعون غير جذعنا وأن النسمة الأولى التى تحركت بها مساحرهم لم يتنسموها من نفس هذا الهواء وأن النظرة الأولى التى اختلجت بها أعينهم لم يرسلوها فى نفس هذا الفضاء! إذا فما بال هذا العضو من جسم الأمة لا يشارك بقية أعضائها وعهدنا به غير مشلول! ما باله يدعى الصمم حتى لا يسمع استصراخنا وينتحل البكم حتى لا يضيف صوته إلى صوتنا كأن القضية غير مشتركة والدائرة ذات عدة مراكز. معاذ الله فإنكم تنظرون بالعين التى بها ننظر وتحسون بالقلب الذى به نحس ولا يعوزكم غير توحيد كلمتكم وإبرام الوشائج التى تربطكم ثم البت فى الأمر مرة واحدة غير معلقين كثيرا علي أهمية النفر القليل الذى قد يتخلف كالثفل فى مكاتبه والذى تستنكفون ولا ريب أن يكون عثرة كؤودا لا يكتسحها سيلكم الجارف معه فى طريقه أو على الأقل أن يمر عبابكم الزاخر الموار على هذه الجنادل الناتئة فى مجراه ويتدافع فى تدفقه غير مكترث لها ولا معيرها أدنى التفات فتتآكل على توالى الأيام بتأثيره وتتحات وإن يكن فى غنى عن ذلك ولم يتعمده. فيا آباءنا الموظفين أجيبوا داعى الأبوة وقاسموا أبناءكم عبء المشاريع النبيلة التى أخذوها على عاتقهم فليس من المروءة أن تلقنونا فى الصغر دروس الوطنية قولا وتنحلون عنا إذ تصبح فعلا فاجنوا معنا نتاج غرسكم وحصاد بذركم ولا تضنوا بآخر مرحلة من حياتكم فإننا لم نضن بحياتنا ولم نقطع غير أول مرحلة منها وكم حمى الآباء أفراخهم وعرضوا الأجسام من دونهم للرصاص ونحن لا نتقاضاكم إلا الإضراب عن العمل وملازمة الدور والمنازل بكل هدوء وسكينة. وأنتم يا إخواننا الموظفين لقد كنتم بالأمس بين صفوفنا نشرع سويا فى ينابيع العلم والعرفان فهل خرجتكم من ماضيكم بخروجكم من باب المدرسة أو المعهد وانتقلتم إلى عالم آخر أخشى أن يكون عالم الأموات. لا والله مازالت عيونكم تومض بالنور الذى عهدناه ورءوسكم تطن بالمبادئ التى تذكرناها ولكن عاقكم عما تجيش به صدوركم جماعة المتعاقلين الماديين فاتركوهم يعملون سعيا وراء الخبز وتعالوا نعمل سعيا وراء الاستقلال، على أننا فى منتصف الشهر ولكنهم يزيفون الأعذار. فهيا يا آباؤنا وإخواننا الموظفين، إننا نرحب بكم ونفتح أذرعنا لاستقبالكم فلا تذرونا ننتظر طويلا. طلبة المدارس والمعاهد لتحيا مصر مستقلة ————————————————————————— بشرى للمصريين ألا ترون كيف تضعضع ذلك الجشع الاستعماري، ألا ترون إنجلترا تلك الدولة التى ترمى إلى امتلاك العالم، قد فشلت أمام ذلك الشعب المصرى المتأجج نارا من أجل الحرية والاستقلال، ألا ترونهم وقد خفض قائدهم العام من عظمته وكبريائه، ألا ترون الأمة جمعاء وقد قامت كلها يدا واحدة "ألا ترون قليلا من الموظفين الأذلاء" ضد الاستبداد والمستبدين. إذن فطوبى لك يا مصر!! ———————————————————————————————————————- من الأمة المصرية إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء السابق السير حسين رشدى باشا يا مصر حسبك ما لقيت من المذلة والعذاب والله إن مصابك الدامى يشيب له الغراب والله إن بنيك اضحوا من مصابك فى اكتئاب فتصبرى يا مصر ها قد حان وقت الحساب قومى ونادى واسألى "رشدي" فقد رجع الصواب قولى له أنت الوكيل عن الأمير بلا ارتياب ورئيس نظار الحكومة قبل هذا الانقلاب لم قد قبلت "حماية" منها فؤادى اليوم ذاب برضاك كانت أم برغم منك إذ خفت العقاب ماذا جنيت من الحماية هل بها فصل الكتاب وهل اتخذت من الوسائل ما يفيد لدى الطلاب لم انت آثرت الوظيفة هل بقاءك مستطاب لم أوقفت "جمعية التشريع" فى وقت المصاب إنى أرى "النواب" فى كل الشعوب لها المآب لم كان "تجنيد" الرجال وأخذ "قوت" مع "دواب" جندت أهل الوادى لم تترك به أبدا شباب أفنيت جمعا من شبيبتنا العزيزة فى التراب جندتهم باسم التطوع والحقيقة لا تشاب ذهب الشباب إلى "فلسطين" ولكن لا إياب واشتدت الأزمات فى مصر وقد عم الخراب جرعت مصر وأهلها كأس المنية فى الشراب ————————————————————————————————————— أجد لزاما علي أن اتوجه بخالص الشكر للأخ العزيز الدكتور عزيز رياض الذي أهداني مؤخرا مجموعة من وثائق ثورة 1919 تمثل كنزا حقيقيا كان ضمن موجودات والده الاستاذ الدكتور احمد رياض العالم الموسوعي في مجال الزراعة والذي عكف لسنوات عدة علي اعداد الموسوعة الزراعية. واحتفاظه بهذه الوثائق يسجل كونه كان واحدا من ابطال هذه الثورة. ————————————————————————————————————– من العربجية إلى السادة الموظفين تبين الحق لكل طائفة من طوائف أمتنا المصرية الكريمة وخفقت للواجب قلوبها فقامت جميعا تطلب العدل والحرية وتبكى لشعب مظلوم ووطن مهضوم.. أحسسنا بذلك نحن العربجية فلم نرض أن نكون عاملين فى هيئة جائرة فأضربنا احتجاجا وإرضاء لضمائرنا ووضعنا أيدينا فى أيدى إخواننا من الصناع وعمال العنابر منضمين إلى المحامين والطلبة وطبقات الأمة الرشيدة سمعنا صراخ أطفالنا وراءنا تطلب قوتها ونداء عائلات كبيرة تسألنا أن نسد رمقها ثم سمعنا نداء الوطن فلبيناه لأنه كان أرفع وأعلي. لم نعط من العلم حظا ولكن لنا عواطف تحس بالواجب وقلوبنا تنبض بحب الوطن، أما أنتم أيها السادة الموظفون فلاتزالون فى مقاعدكم أكبر أعوان تلكم الهيئة القاسية الجائرة وأقسى آلة فى مكينتها الطاحنة صم الآذان عن نداء الوطن غلف القلوب عن نور الحق جامدى النفوس عن الإحساس بالحرية أصبر الناس على ذلك وأرضاهم بإهانة. يا سادتنا الموظفين لكم أن تتنعموا بالكراسى النظيفة لكم أن تفخروا حقا أو باطلا بالألقاب الكبيرة لكم أن تتمعوا حلالا أو حراما بالمرتبات الضخمة لكم أن تتيهوا دلالا أو ضلالا بصفة العلم والجاه لكم أن تنادونا إذا دعوتم العربجى بكل مهانة وازدراء لكم أن تدفعوا إلينا أجورنا رميا وحدفا خشية أن تمس أيدينا القذرة أجسامكم الرقيقة الناعمة لكم أن تضعوا أرجلكم حيال أكتافنا إذا تفضلتم بركوب عرباتنا لكم ذلكم كله.. ولكن هل لكم اليوم أن تنظروا بهدوء وإنصاف لتعلموا من منا أجبن قلبا وأخس نفسا وأهدأ للذل وأخلى من الضمير؟ اجتمعت لجنة الموظفين بوزارة الحقانية فى يوم 10 أبريل سنة 12 وقررت الإضراب عن العمل حتى تجاب الطلبات الثلاثة الآتية ورفعتها إلى رئيس الوزراء وهي: أولا: تصرح الحكومة المصرية بصفة رسمية بأنها تعترف بصفة توكيل وفد سعد زغلول باشا فى النيابة عن الأمة المصرية فى الدفاع عن مطالبها أمام مؤتمر السلام. ثانيا: تصرح الحكومة المصرية بصفة رسمية أيضا بأن تشكيل الوزارة الحالية لا يعد اعترافا بالحماية وأن حالة مصر السياسية بعد زوال السيادة التركية عنها موقوف البت فيها على قرار مؤتمر السلام. ثالثا: إلغاء الأحكام العرفية وسحب الجنود البريطانية المسلحة من الشوارع فى المدن والبنادر والقرى وتفويض أمر حفظ النظام والأمن إلى رجال البوليس المصري. والسبب فى الطلب الأول أنه علم أن الإنجليز يسعون بكل الوسائل فى إظهار أن الوفد المصرى لا يمثل رأى الأمة ولا ينوب عنها بحال من الأحوال إنما يمثل رأى حزب خاص منشق على حكومة البلاد ومن ضمن هذه الوسائل سعيهم تسفير وفود أخرى وفى تختيم الناس بالإكراه والغش على قبول الحماية مع أن القواعد المرعية فى المؤتمر بأنه لا يسمع قولا لوفود الأحزاب وإنما يسمع وفود الأمم فتسمع عن كل أمة وفدا واحدا يمثلها بعد أن تثبت صفة ذلك الوفد فى النيابة عن أمته بصفة رسمية صريحة. السبب فى الطلب الثانى أن الوزارة الرشدية التى قبلت الحماية فى مبدأ الحرب هى التى عادت إلى السلطة ولم يصدر منها مثال جديد يدل على أنها عدلت سياستها أو على الأقل أن وجودها لا يمس الحالة السياسية حتى يبت المؤتمر فى القضية المصرية. وأما السبب فى القرار الثالث فظاهر وبعد صدور القرار السابق ذكره أرسلت الوزارة إلى بعض أفراد لجنة الموظفين وناقشتهم فى طلباتهم مناقشات استمرت يومين وانتهت بأن الوزارة اتفقت بأن الموظفين محقون فى طلباتهم واتفقت معهم على مشروع نداء للأمة تعمله الوزارة وتنشره فى الجرائد الرسمية وهذه صورته. ——————————————————————————————————————- نداء الأمة تدعو الحكومة الأمة إلى الهدوء والاطمئنان كما تدعو الموظفين وغيرهم ممن أضربوا عن أعمالهم بسبب رغبتهم فى تحقيق المطالب القومية إلى العودة إلي أعمالهم مادام قد رخص للمصريين بالسفر وسافر فعلا الوفد المصرى تحت رئاسة صاحب المعالى سعد زغلول باشا للدفاع عن تلك المطالب بالنيابة عن الأمة وتشكلت الوزارة لتدير شئون البلاد حتى تحل المسألة المصرية التى يرجع البت فيها إلى مؤتمر الصلح والمنتظر أن الأمة المصرية بوجه عام والموظفين على الأخص يثقون بأن اهتمام عظمة السلطان بتأليف الوزارة كان أول باعث عليه وضع مقاليد الأمور فى يد السلطة المدنية مقدمة لاناطة المحافظة على النظام والأمن برجال السلطة المصرية والرجوع إلى الحالة العادية ورفع القيود الاستثنائية وتؤمل الوزارة أن تصل إلى تحقيق ذلك قريبا.. ثم ذهب رئيس الوزراء إلى الجنرال اللنبى لعرض هذا النداء عليه فلم يقبله وأنكر وجود وفد. ————————————————————————————————————— شفيقة أولى ضحايا النساء المصريات شفيقة.. خرت صريعة "مس كافل" تحت إعصار رصاص الألمان كما تصوج الزهرة الخجول المنضورة هب عليها لافح الهجير فأنكر العالم هذه القسوة وانكمش قلبه وعضته أفاعى الألم وقال: لو كانت "مس كافل" شيطانا أغرى الجنس البشرى بالخبث والاستلام لشفع له عظيم جرمه أنه امرأة.. اعتذر الألمان عن قسوتهم بالقانون الذى أثبت أن "مس كافل" احترفت الجاسوسية وسعت فى محو جنس بأثره وعنصر بأجمعه يعمل للمدنية والعلم فرفض العالم عذرهم لأن سحق قلب المرأة رمز على سحق العطف الإنسانى وهل كانت المرأة فى الأرض إلا ملاك الرحمة ورسول العطف والحنان.. أهلكت قنابل "ربلين" الشيوخ والأطفال والنساء ولما كانت الطيارات سلاح حرب وآلة جهاد فقد اعتبر العالم ضحايا من شهداء الحرب العامة أما مصرع "مس كافل" فقد عدته الأمم المتمدينة إصرارا من الجندية البروسية على انتزاع الحياة عنوة من شبح الإخاء الماثل وهيكل المحبة البشرية وعلى الإخاء قامت دعامة الرابطة الإنسانية، وقذفت براكين الصحف الإنجليزية والأوروبية جحيما أصابت به أحشاء الوحشية الألمانية.. رفعت الشمس أذيال الدجى وخلعت عن وجه النهار نقاب الظلام المسدول وأطلت مع الفجر الأزاهير من أكمامها وبرزت النساء المصريات من خدورهن فكانت ملائك رجعت أناشيد الحرية، فسرنا فى مظاهراتنا. ———————————————————————————————————————————– قرارات اللجنة العليا لموظفى الحكومة المصرية قرار 13 أبريل سنة 1919 اجتمعت بوزارة الحقانية ظهر يوم الأحد 13 أبريل سنة 1919 لجنة مندوبى وزارات الحكومة ومصالحها وعدد أعضائها أربعة وخمسون مندوبا، حضر منهم خمسون للنظر فى موقف الموظفين أمام إعلان حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء المؤرخ 12 أبريل سنة 1919 وهو الذى نشر بالعدد رقم 12775 من جريدة الأهرام الصادر فى 13 منه وبعد المناقشة تقرر بإجماع الآراء استمرار الموظفين فى إضرابهم حتى تجاب إجابة رسمية صريحة الطلبات الثلاثة المبينة بالقرار الصادر فى 10 أبريل سنة 1919 المبلغ لرياسة مجلس الوزراء فى اليوم عينه. وتقرر بالإجماع أيضا أنه إذا لحق أحد الموظفين ضرر بسبب قرارات هذه اللجنة أو تنفيذها فيكون جميع الموظفين متضامنين معه ولا يعودون إلى عملهم حتى يرفع عنه هذا الضرر ويضربون من جديد إذا كانوا قد عادوا وتقرر أيضا تشكيل لجنة مكونة من حضرات صادق حنين بك ومحمود سامى بك وحسن نشأت بك وحلمى عيسى بك وسلامة ميخائيل بك وعلى ماهر بك للاجتماع لعمل تقرير يعرض على اللجنة يوم الثلاثاء 15 أبريل سنة 1919 الساعة 4 بعد الظهر. وتقرر كذلك أن كلمة موظفين تشمل جميع الموظفين ماعدا الخدمة السائرة. تحريرا فى 13 أبريل سنة 1919- 14 رجب سنة 1337.