الانتخابات البرلمانية القادمة في إيطاليا, والتي تبدأ في 25 سبتمبر من هذا العام, هي إحدى الجولات الانتخابية شديدة التميز في تاريخ إيطاليا. لأول مرة تعقد الانتخابات في الصيف, بالإضافة لمجيئها بعد أزمة حكومية انتهت باستقالة رئيس الوزراء السابق ماريو دراجي في ظل مناخ سياسي مشتعل, يقوم على الخلاف بين مختلف المكونات الحزبية في إيطاليا. ويمكن القول أن هناك خمسة عوامل رئيسية تجعل من هذه الجولة الانتخابية جولة غير مسبوقة في تاريخ إيطاليا: من المتوقع أن يفوز التحالف اليميني بأغلبية ساحقة، ففي حين أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التنبؤ بنتائج الانتخابات بيقين تام، فمن الإنصاف القول إن النتيجة في هذه الحالة تبدو وكأنها محددة مسبقًا. حزب إخوة إيطاليا اليميني المتطرف وشركاؤه في الائتلاف اليميني يتفوقون باستمرار على الأحزاب الأخرى منذ الدعوة إلى الانتخابات المبكرة. ولا يزال التحالف اليميني متقدمًا بشكل كبير بنحو 20 نقطة حسب أخر نتائج استطلاعات الرأي، قبل أن يتم إيقاف الاستطلاع مؤقتًا لمدة أسبوعين قبل الانتخابات. ومن المتوقع أن يحصل الائتلاف، الذي يضم حزب إخوة إيطاليا اليميني المتطرف، ورابطة ماتيو سالفيني المناهضة للمهاجرين، وحزب فورزا إيطاليا بقيادة سيلفيو برلسكوني، على نحو 46% من الأصوات. لم يكن حزب إخوة إيطاليا ذائع الصيت طوال الفترات السابقة، حصل الحزب على نسبة 4% في الانتخابات الأخيرة في 2018 – لكنهم حصلوا على الكثير من الدعم طوال الفترة اللاحقة. وفي الوقت نفسه يبدو أن التحالف اليساري، بقيادة الحزب الديمقراطي الإيطالي، سيحصل على حوالي 28% من الأصوات فقط، في حين أن حركة النجوم الخمسة (إم 5) قد تحصل على 13% فقط، وفقًا لاستطلاع يوترند الأخير قبل بدء الحظر قبل التصويت. اعترف زعيم الحزب الديمقراطي بالفعل بالهزيمة، رغم أن الكثير من المحللين يقولون إن عددًا كبيرا من الناخبين يظلوا مترددين, مما يعني أنه لا يزال هناك "بعض الهامش" لتغير ميزان القوى. خلفية فاشية وقد تشهد إيطاليا أول رئيسة للحكومة من خلفية فاشية ومع اقتراب التحالف اليميني من تحقيق نصرًا سهلًا، فإن زعيمة الحزب من المقرر لها أن تحصل على أكبر حصة من الأصوات، ستكون جيورجيا ميلوني على موعد لتولي المنصب الأعلى بالبلاد، لتصبح أول رئيسة وزراء إمرأة في تاريخ إيطاليا. ستكون ميلوني أيضًا أول رئيسة وزراء من حزب سياسي من خلفية فاشية أو "ما بعد فاشي" بالتعبير الدارج في الحياة السياسية الإيطالية (أي انتقل من الفاشية إلى خطاب يميني معتدل نسبيًا, لكن يظل على أقصى اليمين) – ومن المرجح أن تكون الحكومة الناتجة عن العملية الانتخابية هي أول إدارة يمينية متطرفة في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية. ولدت ميلوني البالغة من العمر 45 عامًا في روما ، وتتمتع بمسيرة سياسية طويلة، حيث بدأت كناشطة في الجناح الشبابي للحركة الاجتماعية الإيطالية في فترة مراهقتها، التي شكلها أنصار الدكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني بعد الحرب العالمية الثانية. كانت أشهر تصريحاتها القديمة, أثناء التحاقها بالتحالف الوطني اليميني المتطرف، أن "موسوليني كان سياسيًا جيدًا، و كل ما فعله، فعله من أجل إيطاليا". بعد انتخابها نائبًا عن التحالف الوطني في عام 2006، كررت الزعم الشعبي بين اليمين المتطرف في إيطاليا بأن قرارات الديكتاتور بسن قوانين عنصرية ودخول الحرب العالمية الثانية إلى جانب هتلر كانت "أخطاء". نشأ حزب إخوة إيطاليا عن الحركة اليمينية المتطرفة (الحركة الاجتماعية الإيطالية), لكن ميلوني سعت إلى إبعاد الحزب, ونفسها, عن هذا الماضي سييء السمعة– بينما رفضت التخلي عنه بالكامل. مناهضة الهجرة وبينما لا يتبنى حزب إخوة إيطاليا خطابًا عنصريًا واضحًا ضد المهاجرين كما هو الحال في الدول الأوروبية الأخرى, مثل فرنسا, إلا أن تحالف الحزب مع رابطة مناهضة الهجرة بقيادة ماتيو سالفيني هو تصريح واضح أن للحزب توجهًا معاديًا للأقليات والمهاجرين في إيطاليا. وقد تكون الحكومة الجديدة قادرة على إعادة كتابة الدستور في هذه المرحلة الحالية، فإن السؤال الذي يطرحه المواطنون في إيطاليا ليس ما إذا كان اليمين سيفوز في الانتخابات أم لا, ولكن بأي عدد من المقاعد. تظهر استطلاعات الرأي أن اليمين لديه فرصة جيدة ليس فقط للفوز، ولكن للحصول على 'أغلبية عظمى' غير مسبوقة – والتي يمكن أن تعطي الحكومة الجديدة تفويضًا لتغيير الدستور الإيطالي دون العودة للناخبين من خلال آلية الاستفتاء الشعبي المقررة دستوريًا في حالة عدم اتفاق أغلبية البرلمانيين. التحالف اليميني مع انقسام القوى السياسية الأخرى، يقترب التحالف اليميني من تحقيق أغلبية الثلثين اللازمة لتغيير الدستور في كل من مجلسى النواب والشيوخ. ويتفوق اليمين بنسبة 19 % على كتلة يسار الوسط في الفترة التي تسبق الانتخابات، ويحتاج إلى تقدم بنسبة 21-22% على الأقل لتأمين أغلبية مؤهلة في كلا المجلسين، وفقًا للتوقعات.. الشباب لديهم المزيد من حقوق التصويت هذه المرة، ويحتاج القادة السياسيون بشكل متزايد إلى تصويت الشباب, ولذلك شهدت إيطاليا موجة من حضور السياسيين على منصة تيكتوك المفضلة للشباب والمراهقين -حتى في بلد مثل إيطاليا، حيث يبلغ عدد السكان الأكبر سنًا ما يزيد عن نصف عدد إجمالي السكان. تعاني الحياة السياسية في أوروبا عمومًا من عزوف شبابي في بلاد يزيد عدد كبار السن فيها على الشباب, بسبب قلة الإنجاب وزيادة متوسطات الأعمار في أوروبا. حتى العام الماضي, لم يكن بإمكان جميع البالغين الإيطاليين المشاركة في انتخابات البلاد حيث كان سن التصويت فوق سن 25 للتصويت لأعضاء مجلس الشيوخ. تغير هذا مع الإصلاح الذي أقره البرلمان في يوليو 2021، مما يعني أن 3.8 مليون ناخب إضافي تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 عامًا سيكونون قادرين على التصويت لممثليهم في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ في الانتخابات المقبلة. بالإضافة إلى أن هناك الكثير من الناخبين المترددين أو غير المهتمين في هذه الفئة العمرية: فقط 48 % من الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 35 يخططون للحضور إلى مراكز الاقتراع في 25 سبتمبر, وفقًا لاستطلاعات الرأي. هناك عدد أقل من المقاعد المتاحة في البرلمان، الشيء الوحيد الذي يجعل من الصعب التنبؤ بنتيجة الانتخابات هذه المرة هو أن تركيبة مجلسي البرلمان قد تغيرت، ومعها الطريقة التي يتم بها انتخاب المشرعين. الإصلاحات الدستورية خفضت الإصلاحات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في استفتاء عام 2020 عدد أعضاء مجلس الشيوخ من 315 عضو إلى 200 عضو فقط ، و خُفض عدد أعضاء مجلس النواب من 630 عضوا إلى 400. ونتيجة لذلك، أعيد تعيين الدوائر الانتخابية لتتوسع جغرافيًا. وتؤدي الإصلاحات كذلك إلى تخصيص المقاعد عن طريق الجمع بين نظام التمثيل النسبي والنظام الانتخابي السابق. وهذا يعني أن حوالي 37 % من المقاعد ستذهب هذه المرة للمرشحين الذين يحظون بأكبر قدر من التأييد في الدوائر الانتخابية، في حين سيتم تخصيص الباقي بما يتناسب مع عدد الأصوات التي يحصلون عليها على المستوى الوطني. يشجع هذا النظام الأحزاب على تشكيل التحالفات السياسية -وهي سمة شائعة جدًا في الحملات الانتخابية الإيطالية، ومما يجعل الحكومة الناتجة عن هذا النظام حكومة ائتلافية بدورها – لأن ذلك يزيد من فرص الفوز بالمقاعد الحاسمة للأغلبية.