إذا تحرك أحمد شاه مسعود الابن فإنه سيلقى دعمًا غربيًّا أوروبيًّا التنسيق بين الجيش الأمريكى وطالبان فى مطار كابول يشير إلى اتفاق بين الطرفين روسيا تخشى تأثير طالبان على مسلمى وسط آسيا قرب حدود أفغانستان مع مناطق الإيجور قد يؤدى إلى توتر مع الصين مما لا شك فيه حرص روسيا على أن يكون فى أفغانستان نظام معتدل، حتى ولو كان إسلامياً، وهى سعت إلى ذلك كثيراً وعلى الدوام سواء بعد خروج القوات السوفيتية من أفغانستان أو قبل ذلك من خلال إقامة نظام شيوعى موال لها فى فترة الاتحاد السوفيتى. فالكل يعرف سواء فى الاتحاد السوفيتى سابقاً أو وروسيا من بعده أن الاستراتيجية الدفاعية للأول أو للثانية كانت تقتضى وجود دول صديقة حول الدولة، لأن الحدود طويلة وممتدة ولا تستطيع الدولة بمفردها تأمينها ما لم تكن الدول المجاورة أنظمة صديقة، وهو ما دفع روسيا لتقديم دعم لوجيستى للقوات الأمريكية والناتو عندما تدخلا فى أفغانستان للقضاء على تنظيم القاعدة وحركة طالبان التى تأويه. من هذا المنطلق ساعدت روسيا أحمد شاه مسعود الذى كانت تتمركز قواته فى إقليم بانشير شمالى أفغانستان، وكانت تطلق عليه "أسد بانشير" إلى أن تم اغتياله على أيدى تنظيم القاعدة، واستولت طالبان على الإقليم، لكن فى الوقت الحالى يسيطر على الإقليم أحمد نجل أحمد شاه مسعود، ويتوعد طالبان بالقتال ضدها وبالطبع لن يكن ذلك دون دعم غربى، وخاصة فرنسا، التى دشنت تمثال لوالده فى باريس من فترة قصيرة، وبالطبع من روسيا، لكن الإعلان عن ذلك لن يكون فى القريب العاجل، فالجميع ينتظر الحكم على طالبان من سلوكياتها، كما أعلنت عن ذلك كل من بريطانياوروسيا. صراع دولى ما حدث هو جزء من الصراع الدولى من الولاياتالمتحدة وحلفائها من ناحية، وروسياوالصين من ناحية أخرى، والهدف هو القضاء على الهيمنة الأمريكية، التى جاء الانسحاب المتعجل لواشنطن جزءًا من الحفاظ عليها. فبلا شك سيكون لوصول طالبان للحكم تداعياته على دول أوروآسيا التى تتزعمها روسيا ككتلة غير عسكرية لإحداث نوع من التوازن فى عالم أحادى القطب تهيمن عليه الولاياتالمتحدة. لكن فى نفس الوقت تجرعت الولاياتالمتحدة أول هزيمة ثقيلة فى القرن الحادي والعشرين، كانت هزيمتها فى القرن الماضى على أيدى فيتنام وكانت كذلك هزيمة مدوية، شهد خلالها العالم أيضاً الفوضى فى المطارات من أتباع والمتعاونين مع الأمريكيين. تؤكد الأحداث الأخيرة أن الولاياتالمتحدة، تجرعت سم اللعب على الوتر الدينى مرتين، وذلك من خلال تعاونها مع المسلمين السنة من خلال المذهب الوهابى والمجموعات المتطرفة الأخرى على مدار التاريخ الحديث، الدرس الأول عندما دعمت المجاهدين فى أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتى (الملحد) ونالت جزاءها فى صورة أحداث سبتمبر وضرب نيويورك، ثم هاهى الولاياتالمتحدة تخرج من أفغانستان تجر أذيال الهزيمة والعار بشكل مذل، وهى لا تستطيع حتى فعل شيء لمن تعانوا معها فى احتلالها "كابول". الهيمنة الأمريكية فهل سيكون انسحاب الولاياتالمتحدة من أفغانستان بداية لتاريخ جديد ويبدأ العد التنازلى لنهاية الهيمنة الأمريكية، مثل ما حدث مع الاتحاد السوفيتى، حيث اعتبر الانسحاب السوفيتى من أفغانستان نهاية الحرب الباردة، وبدية سقوط الإمبراطورية السوفيتية. مع سقوط الاتحاد السوفيتى بدأت القوى الإسلامية العمل بجدية على استقطاب بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتى مثل أوزبيكستان وطاجيكستان، ثم تطور الأمر لتصبح روسيا أحد أهداف حلفاء الولاياتالمتحدة من الإسلاميين المتطرفين، بالدرجة الأولى فى الشيشان وشمال القوقاز بصفة عامة. لكن ظهور طالبان فى تسعينيات القرن الماضى غير المعادلة بالنسبة للولايات المتحدة التى تلعب على وتر الدين، خاصة بعد تحالف حركة طالبان مع تنظيم القاعدة الذى يناصب الولاياتالمتحدة العداء، حتى وقع المحظور فى سبتمبر وقرار الولاياتالمتحدة هدم المعبد على من فيه واحتلال أفغانستان ومجازاً القضاء عليها، لكنها فى واقع الأمر كانت تريد ترويضها لاستخدامها فى وقت لاحق ضد روسياوالصين عدويها اللدودين حالياً. ولما كانت أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات وسارع الخبراء بالحديث عن نهاية الإمبراطورية الأمريكية، فيما تحدث البعض الآخر عن انسحاب أمريكى تكتيكى. الانسحاب الأمريكى خطط له الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترمب، بل أن جزءا كبيرا من القوات الأمريكية تم سحبه فى عصر الرئيس أوباما، ولم يكن الوجود الأمريكى بالكثرة التى يعتقدها البعض. بالنسبة للرئيس السابق ترمب خطوة الانسحاب كانت لتقليص الانتشار الأمريكى فى الخارج، وتكثيف الوجود فى منطقة المحيط الهادئ، حيث الصين القوة الصاعدة والتى تهدد بالفعل الولاياتالمتحدة، والتركيز على الداخل الأمريكى. الرئيس بايدن وهو من رجالات العولمة المغالين رأى أن الانسحاب لابد منه، وإلا فإننا سنشاهد انهيار الولاياتالمتحدة أمرا واقعيا بسبب الإنفاق الضخم على حملة لا تحقق أى نتائج إيجابية. خطة أمريكية يرى البعض أن الولاياتالمتحدة لديها خطة مرتبطة بسحب قواتها من أفغانستان، وهى أنها لن تعتمد فى التعامل مع أفغانستان على أنها مكان لنشر القيم الديموقراطية والليبرالية الأمريكية، ولكن على أساس إقامة ظروف مناسبة من وجهة نظر توازن القوى، فوجود الولاياتالمتحدة فى أفغانستان تحت غطاء مكافحة الإرهاب وإقامة دولة قومية، جعل أفغانستان مجرد دولة تابعة، تمتلك جيشا هلاميا لم يفعل شيئاً عندما كان من المفترض أن يفعل، فلم يكن الجيش الأفغانى يمتلك مدرعات ولا مدفعية ولا أى أسلحة ثقيلة وكان مجرد مساعد لقوات الاحتلال الأمريكية والناتو ومن ثم بعد رفض الولاياتالمتحدة دعم القوات الأفغانية تبخر، رغم أنه قاوم فى بعض المدن. مصلحة اللاعبين الخارجيين وبالدرجة الأولى الولاياتالمتحدةوبريطانيا إثارة عدم الاستقرار فى أفغانستان بعد خروجهم منها، ومن المنطقى والمتوقع أنهم سيعملون كما مع قيادة طالبان مع ما يسمى المقاتلين فى المناطق (أحمد نجل أحمد شاه مسعود). موقع أفغانستان الجغرافى يتيح لها أن تكون قاعدة لعدم الاستقرار ومن ثم فى روسيا، حيث حلفاء روسياوالصين نفسها (فهى قريبة من مقاطعة سينتزيان الصينية، حيث المسلمين الإيجور) بالإضافة لباكستان وإيران، أى أنها ستكون مركزا للضغط على قدرات وأنشطة أقطاب متعددة فى العالم. مصلحة موسكو لكن من ناحية أخرى ومن وجهة نظر بعض المحللين الغربيين فإن سقوط كابول فى أيدى طالبان يصب فى مصلحة موسكو، فهذا أعطى موسكو فرصة لتقوية مواقعها فى وسط آسيا على حساب تهديد طالبان لأمن وسلامة دول تلك المنطقة، وبدعوى أن روسيا ستكون هى حامى تلك الدول من شرارة التطرف، وهى ستكون مضطرة لذلك لأن روسيا تحمى نفسها بالدرجة الأولى فهى ليست بعيدة جغرافياً عن أفغانستان ووسط آسيا تعتبر مصدا أمام تسلل العناصر الإرهابية والمخدرات من أفغانستان إليها، حيث تسيطر طالبان على الحدود مع طاجيكستان الدولة الأفقر بين دول وسط آسيا، ولذلك طلبت الأخيرة الدعم من موسكو رغم وجود قاعدة عسكرية روسية تضم 6000 رجل، كما أن طاجيكستان عضو فى منظمة الأمن الجماعى، وهى منظمة لا ترقى لمستوى حلف وارسو أثناء الحرب الباردة لكن روسيا تلعب الدور الرئيس فيها. هذا بخلاف المناورات العسكرية والتدريبات التى أجرتها موسكو مع طاجيكستان وأوزبيكستان. فى تقديرى الشخصى بقدر ما عزز سقوط كابول من النفوذ الروسى فى وسط آسيا، لكنه فى نفس الوقت خلق صداعا للقيادة الروسية، وقد يجعلها تزيد من إنفاقها العسكرى فى الأعوام المقبلة بسبب أتساع طول جبهة المواجهة، وهذه المرة ليس مع الغرب بل مع عدو عقائدى تأثيره المعنوى سيكون له آثار سلبية على مسلمى وسط آسيا والصينوروسيا نفسها، وتلك الأخيرة تدرك مدى صعوبة الحرب العقائدية التى خاضتها ضد المجاهدين الأفغان فى ثمانينيات القرن الماضى. مكاسب موسكو مكسب موسكو يبدو واضحاً كذلك فى رفض جمهوريات وسط آسيا الاستجابة لطلب واشنطن بتمركز القوات الأمريكية المغادرة لأفغانستان على أراضيهم، على الأرجح بطلب من موسكو، التى أقنعتهم بان 100 ألف جندى أمريكى وحلف الناتو فشلوا فى تحقيق الاستقرار فى أفغانستان، فلن تفعل ذلك مجموعات صغيرة من القوات تتمركز على أراضيهم، فهل ينقلب السحر على الساحر، وبدلاً من توريط روسيا فى حماية جمهوريات وسط آسيا تعزز روسيا مواقعها فى المنطقة، خاصة أن لها اتصالات مع طالبان، رغم تصنيفها من قبل موسكو على أنها حركة إرهابية، حتى قبل سقوط كابول، كما أنها مدت جسور التعاون مع الدولة التى تعتبر الأب الروحى لطالبان وهى باكستان، فقد استطاعت روسيا عقد اتفاقيات تسليح معها وتزويدها بلقاحات كورونا وأقامت عدة مشاريع للغاز واستثمرت فى خط الغاز الممتد من كراتشى إلى لاهور، على أمل أن تستخدم باكستان نفوذها لدى طالبان لأقناع الأخيرة بعقد اتفاق سلام يحقق الاستقرار فى البلاد، أو على الأقل عدم العبث بالحديقة الخلفية لروسيا (وسط آسيا) سواء عن طريق نشر التطرف الدينى أو تهريب المخدرات. طالبان والحكم كانت طالبان والأمريكيون بعد المفاوضات الماراثونية فى الدرحة يدركون، أنه من الصعب على طالبان أن تحكم أفغانستان بمفردها فقد جرت مياه كثرة فى النهر على مدى عشرين عاماً ومن ثم كان تخطيط الأمريكيين أن تدخل الحركة العاصمة وساهموا بذلك عندما أوقفوا الدعم الجوى للجيش الأفغانى الذى لم يعولوا عليه كثيراً، على أن يتم تشكيل حكومة تضم السلطة القائمة وحركة طالبان وبعض الرموز السياسية فى البلاد، لكن هروب الرئيس الأفغانى أفسد التوجه الأمريكى، ومن يرى التناغم الأمريكى وحركة طالبان فى مطار كابوب يدرك أن ثمة اتفاقا مسبقا يشى بالكثير قد تم بين الجانبين. فى كل الأحوال لن تستطيع طالبان الانفراد بحكم أفغانستان حتى لو قدمت تنازلات من خلال التطمينات التى تطلقها من آن لآخر، وانظروا لمطار كابول وتدافع المواطنين أمام السفارات الأجنبية طلباً للهجرة، لتعرفوا مدى رفض الشعب لطالبان، وإن كانت طالبان تختلف عن تلك التى كانت فى الحكم عام 2001، فإن الشعب الأفغانى أيضاً اختلف كثيراً ولن يقبل عن الحرية والمدنية بديلاً، خاصة تلك الأجيال التى تربت وترعرعت فى ظل الاحتلال الأمريكى وحكومات مدنية. من ولد مع بداية الاحتلال الأمريكى أصبح الآن يبلغ من العمر عشرين عاماً شاب لا يعرف عن طالبان شيئا سوى أنها متطرفة وتقطع الأيدى والأرجل وتجلد المواطنين، ناهيك بالطبع عن وسائل الاتصال الحديثة وما حدث فيها من طفرة خلال تلك الفترة، وإذا ما استخدمت طالبان العنف ضد المواطنين فإنها ستواجه بالعقوبات والحصار، فى بلد ضئيل الموارد، وبالتالى لن تستطيع الصمود كثيراً حتى بدون حرب ولكن بسبب معارضة داخلية. أفعال طالبان على أى حال الزمن وحده كفيل بالحكم على سلوك طالبان، وأنا هنا لا أتحدث عن تطمينات طالبان للمواطنين وللمرأة الأفغانية، بل أتحدث عن مدى قدرة طالبان على التعايش مع التيارات الأخرى، ولا ننسى أن أحمد نجل أحمد شاة مسعود مازال يسيطر على إقليم بانشير فى شمال البلاد، وأن هناك دولا أوروبية تسعى لدعمه على رأسها فرنسا ومن غير المستبعد روسيا التى كانت تدعم والده من قبل وتريد استخدامه كنقطة دفاع متقدمة عن حلفائها فى وسط آسيا، كما أنه يستطيع أن يضم تحت لوائه الهازار الشيعة بالإضافة إلى الطاجيك والأوزبك الأفغان، بالإضافة بالطبع إلى إقليم خراسان، حيث يسيطر هناك تنظيم الدولة العدو اللدود لطالبان، إضافة إلى بقايا الجيش الأفغانى التى تقاتل طالبان تحت قيادة نائب الرئيس الأفغانى، ومن هنا فإن مسألة الحرب الأهلية ليست مستبعدة على الإطلاق، بل هى الاحتمال الأرجح مما سيدخل أفغانستان فى دوامة عنف من جديد، ومن ثم لن يكون أمام طالبان إلا أن تتواءم مع القوى الأخرى لمواجهة خطر داهم آت من بانشير ومن خراسان، وهى نفسها ستكون تحت رقابة المجتمع الدولى، لمتابعة مدى تنفيذها لوعودها التى لا تنفك من قطعها على نفسها منذ دخول كابول، فهل تنجح خطة بريطانياوالولاياتالمتحدة لخلق نوع من عدم الاستقرار فى المناطق المتاخمة لروسياوالصين أم تتحكم واشنطن ولندن فى الأمر وإخراج الحية من الجراب وقت اللزوم، هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.