على أعتاب انتخابات جديدة تقف إسرائيل لتكمل عامًا كاملًا بلا سلطة تشريعية، وبحكومة قائمة فقط بتصريف الأعمال، لا تعبر عن موازين القوى الجديدة في الشارع السياسي في تل أبيب. في مثل هذه الأيام من شهر ديسمبر 2018، قبل عام بالتمام والكمال، كانت تل أبيب تستعد لجولة انتخابية من المفترض أن تسفر عن كنيست وحكومة مستقرين لمدة أربع سنوات، إلا أن الانتخابات الأولى في أبريل، أسفرت عن فشل أدى إلى انتخابات ثانية في سبتمبر فأنتجت فشلًا آخر، يقود الآن إلى انتخابات ثالثة من المتوقع إجراؤها في أول مارس 2020. ما بين الانتخابات الأولى والثانية والثالثة، يقف بنيامين نتنياهو، الرجل الذي طالما ارتبط باسمه أوصاف مثل الأقوى والثعلب، بائسًا متخبطًا. هو يخوض ليس فقط معركة البقاء على كرسي السلطة، وإنما أيضًا الهروب من بُرش السجن، فالرجل الداهية، ما كان يتوقع يومًا وسط مناوراته السياسية التي نجح بها في أن يكون رئيس الوزراء الأكثر بقاءً في السلطة، أن يحمل لقبا آخر، وهو أول رئيس حكومة إسرائيلي تتم ملاحقته قضائيًا، وهو في سُدة الحكم. يواجه نتنياهو اتهامات بالرشوة والفساد، ويسعى من خلال بقائه على رأس الحكم في إسرائيل لتمرير قانون من خلال ائتلافه الحاكم يمنحه حصانة في مواجهة التحقيقات التي تُجرى ضده. الرجل لا يخوض المعركة القضائية كمتهم، وإنما كسياسي، يسعى لحشد الرأي العام الإسرائيلي في مواجهة النيابة للضغط عليها، ويُظهر نفسه في دور الضحية، ويقول علانية إن هذه التحقيقات ما هي إلا انقلاب ناعم يتم تدبيره ضده. حتى الآن لم تنجح محاولات نتنياهو في الضغط لوقف التحقيقات، ولا في العمل لتشكيل الحكومة، التي كانت لديه القدرة على تشكيلها رغم خسارة حزبه بمقعد أو مقعدين، كما حدث تمامًا قبل 10 سنوات، حين فاز حزب كاديما بزعامة تسيفي ليفني، وأتى الليكود في المركز الثاني، إلا أن نتنياهو أبى إلا أن يُثبت تاج مُلك إسرائيل على رأسه، عندما فشلت صاحبة المركز الأول في تشكيل الحكومة، ونجح صاحب المركز الثاني. تقول الحكمة، إن الإنسان لا يمكنه نزول النهر مرتين، فما كان متاحًا في 2009 لم يعد مُمكنًا في 2019. في انتخابات أبريل الماضي تفوق الليكود بمقعد واحد على منافسه كاحول لافان، بواقع 36 مقعدًا أمام 35، إلا أن نتنياهو فشل رغم تفوقه في تشكيل الحكومة، فذهبت إسرائيل إلى انتخابات جديدة في سبتمبر، حصل فيها الليكود على 31 مقعدا مقابل 32 لحزب كاحول لافان. ورغم خسارته الانتخابات، نجح نتنياهو في الحصول على تكليف من الرئيس الإسرائيلي بتشكيل الحكومة، فالرجل الثعلب لن يعدم حيله السياسية. استبق نتنياهو الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات وعقد اجتماعًا لقيادات الأحزاب الدينية، فمنحوه تفويضًا مكتوبًا أنه يمثلهم جميعًا وأنهم يتحركون كحزب واحد، فأصبح صاحب المركز الثاني يتفوق على منافسه صاحب المركز الأول ب 24 مقعدًا، حصل عليها بالدهاء لا بالانتخابات، لكنه دهاء لم يعد يُسمن ولا يُغني من جوع، فالنتيجة كانت فشل نتنياهو للمرة الثانية في تشكيل الحكومة. ما بين الفشل الأول والفشل الثاني ينحدر مؤشر قوة نتنياهو نحو الأسفل، فمن 36 مقعدًا والفوز بالمركز الأول في أبريل إلى 31 مقعد والحلول في المركز الثاني بعد أقل من 5 شهور في سبتمبر، ناهيك عن فشله في استقطاب حليفه السابق أفيجدور ليبرمان، الذي يستطيع بكلمة واحدة منه الإبقاء على نتنياهو رئيسًا للحكومة أو إلقائه خارج المنصب. الهزيمة التي يواجهها نتنياهو، والتي قد لم يعرف مثلها على مدار حياته السياسية، تجعله وتحت ضغط شبح السجن الذي ينتظره، لاستخدام العديد من الأوراق، التي لم تعد تُجدي نفعًا، فالرجل يقترح للخروج من الأزمة إجراء انتخابات إعادة بينه وبين زعيم كاحول لافان، بيني جانتس، الذي رفض المقترح. يلجأ نتنياهو أيضًا لاستخدام ورقة الحرب على غزة، وفي نفس الوقت محاولة تقديم تنازلات للتوصل إلى تسوية مع حماس، فيسمح لزعيمها إسماعيل هنية بالسفر، في جولة لم تتم بعد. يصدر نتنياهو أمرًا بمنع كافة وزراءه من السفر، واستدعاء من هم في الخارج، وهو ما يعني أن إسرائيل قد تدخل حربًا وأنها في حالة طوارئ.. كلها أوراق محروقة يُدركها ساسة إسرائيل جيدًا لن تُجدي نفعًا. أخطر ما يواجه نتنياهو الآن هو تصدع بيته من الداخل. ارتفع صوت منافسه على رئاسة الحزب جدعون ساعر، حاول نتنياهو كتم صوته، فأمر أنصاره الأحد الماضي بالتشويش على ساعر أثناء إلقاء كلمته في مؤتمر الليكود، واتخذ قرارًا بعدم إجراء الانتخابات الداخلية للحزب. يشعر ساعر وأنصاره داخل حزب الليكود الآن أن الحزب مختطف من قبل رئيسه، وهو ما قد يكون القشة التي تقصم ظهر نتنياهو في الانتخابات المقبلة، خاصة إذا انشق ساعر وخاض الانتخابات بأنصاره بحزب جديد أو تحت راية ائتلاف حزبي، ما سيخصم من قوة الليكود بشكل كبير، ويقصي نتنياهو تمامًا من المنافسة على رئاسة الوزراء. يعيش ثعلب تل أبيب أكثر أيامه بؤسًا، تسقط أنيابه وأظافره يومًا بعد يوم وهو يقترب من القفص بعد العرش والتاج، في نهاية إن اكتملت مشاهدها ستكون لائقة به تمامًا. نجحت ألاعيب نتنياهو على مدار سنوات، لكنها فيما يبدو كانت حبالًا يلفها حول رقبته دون أن يدري.. وها هو يُدرك ما فعل.