أصابتني حالة حنين لسهرة رمضانية فى الحسين،اصطحبت أحد أصدقائي وتوجهنا إلى هناك، الكل يعرف هذا المكان ويشم رائحة القاهرة الفاطمية ويستمع لأغاني رمضان ودخان الشيشة الذي ينبعث من قهوة الفيشاوي. تبادلنا الأحاديث مع رواد المقهي الذين تحدثوا لأول مرة عن شارع الأزهر وأسراره وغصت معهم فى أسراره ولم يبالغ المعلم خليل حين وصفه بانه أصل القاهرة، فمنذ ألف عام تقريبا وفى الليلة التي فتح فيها جوهر الصقلي مصر، وضع دون أن يقصد أساس مدينة جديدة أو على الأصح قصر حصين لاستقبال المعز لدين الله الفاطمي القادم من المغرب، والذي كان معسكراً فى المنطقة شمال شرق الفسطاط أو مصر القديمة حالياً، وعلى بعد ميل من نهر النيل وضع جوهر أسوار المدينة الجديدة أو القصر من ناحية فلم يكن فى هذه المنطقة من مبان سوى دير قديم ( دير العظام ) وأيضا بقايا حديثة صغيرة ( حديقة كافور) وبعد أن أزيل الدير والحديقة وضعت حدود المدينة داخل مربع لم يتجاوز ألفا و مئتي ياردة، ووقف العمال ينتظرون إشارة البدء بتشييد المدينة من المنجمين والسحرة المغاربة الذين كان الخليفة الفاطمي يثق بهم وبناء على تنبؤاتهم خاض كل حروبه وبنى امبراطوريته. وكانت إشارة البدء فى دق أجراس علقت خصيصاً فى حبل امتد بين أعمدة أقيمت فى المنطقة التي يقع حولها ميدان الأزهر فى مواجهة الجامع العتيق، وأثناء انتظار اللحظة التي يبدأ فيها بناء المدينة حدث طارئ عجل بالأمر وسبق كل المنجمين وأحرجهم، إذا وقف غراب مارق على قمة أحد الأعمدة ويبدو أنه كان سعيداً وبدأ يهتز وعلى الفور أخذت الأجراس تدق فظن العمال أن تلك إشارة السحرة وأندفعت معاولهم تحفر الأرض وتضع الأساسات لبناء القصر ( أو المدينة ) وكان ضجيجها صاخباً أخفى صراخ الصقلي وقادته بأن يتوقفوا وكان ذلك طالعاً غير سعيد فقط كان كوكب المريخ ( القاهر ) فى صعود وهذا ما اخر إشارة المنجمين بذلك سمي المكان ( القاهرة ) نسبة لهذا الطالع أملاً فى أن يتحول الفأل المشئوم إلى نتيجة مظفرة وهذا ما تم فعلا فقد خيبت القاهرة أوهام المنجمين وصارت أيامها أفخم مدن العالم، وفى مواجهة الأساس الملكي للقاهرة وهو قصر الخليفة وضع الصقلي الأساس الديني والعلمي والثقافى للمدينة وهو الجامع الأزهر، وكان هذا القصر الذي أزيل تماماً محاطاً بأسوار عالية يسهر عليها الحراس ويمنع اقتراب أي إنسان منه فسميت القاهرة بعد ذلك بالمحروسة وكان هذا القصر أسطوريا يحتوي على أربعة الاف حجرة واستراحة كان يجلس فيها الخليفة فوق عرشه الذهبي وظل شارع الأزهر بؤرة للثراء الفاحش والفخامة الأسطورية على مدى مائة عام حتى جاء الأتراك ونهبوا المدينة.