بعد أسبوع واحد من فوز «نجيب محفوظ» بجائزة نوبل للآداب فى خريف عام 1988، أدلى يوسف إدريس بحديث إلى صحيفة الوفد قال فيه نصًا: أنني رشحت للجائزة قبل نجيب محفوظ خمس مرات، وكانوا يستبعدوني فى آخر لحظة لمواقفى السياسية، أما محفوظ فقد حصل عليها بفصل مهادنته لليهود، وعدم انتقادهم.. وأؤكد أن نجيب محفوظ قد حصل على الجائزة قبل ترجمة أعماله، خصوصا، أن «زقاق المدق» هي الرواية الوحيدة المترجمة إلى السويدية. بعد هذا الحديث، انخرط الدكتور يوسف إدريس فى سلسلة من الاحاديث التليفزيونية، والإذاعية والصحفية فى مصر وفى خارجها، لكي ينفى عن نجيب محفوظ أحقيته بالجائزة مثله، وبأنه نالها لأنه أيد كامب ديفيد، وأن إسرائيل دعمت هذا التأييد، مدللا على ذلك بأنه سمع بخبر نيل محفوظ للجائزة أول مرة من راديو إسرائيل، مع أن الخبر كان يتصدر كل محطات الميديا العالمية والإقليمية والعربية. لما يشكله الفوز من احتفاء بقامة وبقيمة روائية غير معهودة فى تاريخ الأدب العربي، ولانها كانت هي المرة الأولى التي تصل فيها تلك الجائزة لأديب عربي من مصر منذ إنشائها. والغريب فى الأمر أن من أوائل تعليقات نجيب محفوظ على فوزه بالجائزة، كان قوله أن يحيي حقي كان أولى بها منه.ولانه أديب استثنائي وإنسان استثنائي وغير عادي، يتحلي دائماً بعفة فى اللسان وصحوة فى الضمير وأفق واسع لا سقف له، فقد رد على سؤال عن رأيه فيما قال عنه يوسف إدريس قائلا : ليس هناك مشكلة هذا رأيه وقد يكون صحيحاً. لكن ما لم يقله «نجيب محفوظ» أن يوسف إدريس بذل جهودًا مضنية ولم تكن خافية عن وسائل الإعلام العربية والدولية لكي يرشح لنيل جائزة نوبل، وسافر إلى السويد ليقدم أعماله إلى لجنة الجائزة ولحث الدوائر المتصلة باللجنة والمؤثرة داخلها للنظر فى طلبه، وليس صحيحا أنه كان مدرجا فى لوائح المرشحين لها وأن الترشيحات كانت محض كتابات صحفية تتكهن قبل الإعلان عن الجائزة، باحتمالات الفائزين بها. ولا أحد يستطيع أن يشكك فى نبوغ يوسف إدريس، وفى صدارته فى مجال كتابة القصة القصيرة، الارتفاع بها لذرى غير مسبوقة فى الكتابة العربية ولم يكن نيل نجيب محفوظ بجائزة نوبل هي مفاضلة بينه وبين يوسف إدريس، بل هي تصحيح لخطأ عنصري أستبعد الكتاب العرب منها، وجاء فوز نجيب محفوظ المستحق بها، شهادة للجائزة بقدرتها على الإنصاف وتصحيح ذلك الخطأ. تذكرت كل تلك الوقائع وأنا أقرأ بإندهاش وتعجب تكرار د. مصطفى الفقي لرواية يوسف إدريس عنها. وفى الاحتفال بالجلسة الأولى لصالون المصري اليوم الثقافى الذي أداره د. حسام بدراوي وشارك فيه نخبه من الكتاب والسياسيين والصحفيين لمناقشة ثلاثة كتب صدرت أخيراً للدكتور الفقي بعنوان « ذكرياتي معهم « و» عرفتهم عن قرب « و» شخصيات على الطريق» تحدث الفقي بإنصاف عن الجميع من السادات إلى مبارك، ومن جيهان السادات إلى سوزان مبارك، ومن منصور حسن إلى سعد الدين إبراهيم، ثم تراجع عن حالة الإنصاف التي طالت الجميع عند روايته لنيل نجيب محفوظ لجائزة نوبل. تبني د. الفقي وجهة نظر يوسف إدريس بقوله أنه كان مرشحا لجائزة نوبل قبل نجيب محفوظ، وبرر فوز محفوظ بها بأنه، هو الأديب الوحيد الذي لم يكتب فى الإسلاميات، و أكثر الروائيين ترويجًا للعلاقات بين الديانات وخاصة اليهودية، ولأنه كان الروائي الوحيد الذي أيد كامب ديفيد، ولأن جوائز نوبل كلها محكومة باعتبارات سياسية. المشكلة فى كلام د. الفقي، أنه ينفى عن «محفوظ « جدارته للفوز بنوبل، التي اجمعت الأمة من أقصاها لأقصاها على استحقاقه لها، ويعيد سرد حكاية تم إدراجها دائمًا فى سباق التوقعات والشائعات، ولم يؤكدها سوى شخص واحد هو يوسف إدريس عن ترشحه خمس مرات لنيل تلك الجائزة كما أنه يتجاهل القيمة الفنية الراقية لأدب محفوظ، والمؤسسة لطرق فى السرد غير مسبوقة فى الأدب الروائي العربي. ولا أدري من أين استقى د. الفقي تأكيده بأن محفوظ كان الروائي الوحيد الذي أيد كامب ديفيد فى تلميح لا يخطئه أحد أنه حصل على نوبل بسبب هذا التأييد. والصحيح أن نجيب محفوظ ينتمي لجيل كامل من مفكري النهضة المصرية، بينهم طه حسين وحسين فوزي ولويس عوض، وتوفيق الحكيم، يرون أن مصر لن تنهض من تخلفها وتأخرها، سوى بأن تلحق بثقافة حضارات البحر المتوسط، وهي وجهة نظر ظلت محلا لسجال كبير، اتسم بالعنف أحيانا، بين دعاة القومية العربية، وهذا التيار الداعي للحاق بالتقدم الغربي ونهضته الحضارية والثقافية والفكرية. وبعد نصر أكتوبر العظيم، دافع نجيب محفوظ بجسارة لم يمتلكها غيره، عن رأيه بأن الصراع فى فلسطين، هو صراع بين حقين، لا يحل بالحروب بل ببناء السلام والتفاوض حول شروطه العادلة، وهي وجهه النظر التي قبل بها العرب جميعا وتبنتها منظمة التحرير الفلسطينية. خلط الدكتور الفقي بين محبته الشخصية للدكتور يوسف إدريس، والعيش معه شهور فى لندن، وبين التقييم الموضوعي لنيل «محفوظ « جائزة نوبل، وهو خلط يفتقد للموضوعية وللإنصاف والعدل ولا يليق بمكانة دبلوماسي ومثقف وأكاديمي وسياسي محنك مثله.