تنشغل الأوساط السياسية والثقافية فى معظم بلدان العالم الآن بالفضيحة التي انفجرت فى وجه الساسة والمثقفين والمواطنين العاديين بعد تسريب البيانات الشخصية لما يقدر بخمسين مليون مستخدم «للفيسبوك»، وهي أكبر شبكة للتواصل الاجتماعي فى العالم. وكانت الفضيحة قد هزت مؤسسي «الفيسبوك»، وأربكت ملايين المشاركين والناشطين على صفحاته، وأقر «زوكربرج» مدير الشركة وصاحبها بارتكاب أخطاء جسيمة، وأعلن عن استعداده لتقبل المحاسبة عنها، ذلك أن ما حدث وفقاً لتعبيره يشكل استغلالا كبيرا للثقة، ووعد بتوفير أداة للمشاركين تيسر لهم الحيلولة دون الوصول إلى بياناتهم على الموقع بعد أن بدأ مشاركون كثر فى إغلاق صفحاتهم. وكانت شركة «كامبريدج أناليتيكا» للاستشارات السياسية قد استخدمت البيانات الشخصية التي تم تسريبها عبر الفيسبوك. وكانت هذه المعلومات مصدرًا أساسيًا للتعرف على بعض خصائص الناخبين الأمريكيين من الزاويتين النفسية والثقافية مع اكتشاف طريقة تفكيرهم، وجرى استخدام كل هذه المعلومات فى مساعدة الرئيس الأمريكي «ترمب» أثناء حملته الانتخابية عام 2016، وكانت عاملًا مساعدًا قويًا فى فوزه، إذ استخدمت «كامبريدج أناليتيكا» نتائج تحليلها للبيانات الشخصية المسربة فى توجه الإعلانات، وتصميم مضمون وتوجهات الدعاية، وتوجهت فى عملها هذا للضغط على نقاط الضعف لدى الناخبين، وذلك بعد معرفتها للتفاصيل الدقيقة عن ملامحهم الشخصية وتركيبتهم النفسية ومواقعهم الاجتماعية وتطلعاتهم ومخاوفهم. وواصلت «كامبريدج أناليتيكا» بفعلها هذا، كل ما اعتادت أجهزة الأمن السياسي القيام به أثناء التحقيق مع المعتقلين السياسيين بهدف إجبارهم على الإدلاء بمعلومات، أو حتى لمجرد إذلالهم وتدمير ثقتهم فى أنفسهم لتسجيل نصر على «العدو» وهو ما قامت به الفاشية والنازية فى أوروبا، والصهيونية فى فلسطين، ومارسته الولاياتالمتحدةالأمريكية على نطاق واسع سواء فى فيتنام أو فى سجن «أبوغريب» فى العراق بعد الإحتلال، أو فى سجن قاعدة «جوانتانامو» الذي حشدت فيه المئات من الأسرى من كل البلدان التي احتلتها بفائض قوتها كما يحلو لمناصري أمريكا تسمية «الاحتلال» : أي أنه فائض قوة وليس غزوا ولا عملًا غير شرعي لفتح الأسواق عنوة. ونهب ثروات الشعوب، والعدوان على سيادة الأوطان، ودعم الاستبداد والفساد فيها للنفاذ السهل لمؤسساتها الوطنية. ومرة أخرى تكشف هذه الفضيحة عن التلاعب بنتائج العلم ليقوم بأدوار شريرة وغير أخلاقية فى حياة البشر فقد كان «الفيسبوك» إنجازًا هائلًا لصالح البشرية، وتطويرًا جبارًا لثورة الإتصال، فتح آفاقًا واسعة أمام التقدم، وتعظيم الثروات، والاستخدام الأمثل للوقت، وسهولة نسج العلاقات بين الشعوب فى مشارف الأرض ومغاربها، وتبادل المعارف والخبرات، وتوسيع آفاق التعاون والتضامن بين المظلومين والكادحين على نطاق عالمي، وهو ما تجلى فى تنظيم الاحتجاجات، وبناء منظمات ذات امتداد قوى فى غالبية بلدان العالم، إستطاعت عبر عملها المشترك أن تفضح ثم تعرقل بعض خطط الامبريالية العالمية ضد الشعوب. وكانت أدوات الاتصال الجديدة هي سلاحها ولاتزال. ونعرف فى تجربتنا نحن المصريين حقيقة الدور المجيد الذي لعبته هذه الوسائل فى التحضير لموجات الثورة. ولكن لا يزال الوجه السلبي وغير الأخلاقي لاستخدام العلم ونتائجه هو الأقوى لأن قوى الامبريالية والرأسمالية العالمية لا تزال تسيطر لا فى بلدان المراكز أي أوروبا وأمريكا واليابان فقط، وإنما تسيطر أيضا فى غالبية الأطراف التي سقطت فى وهدة التبعية، وتحكمت فيها الاحتكارات متعددة الجنسية. وسوف تبقى ذكرى «هيروشيما» و»نجازاكي» المدينتين اليابنيتين اللتين ألقت عليهما القوات الأمريكية أول قنبلتين نوويتين سوف تبقى هذه الذكرى عالقة فى ضمير البشرية إلى الأبد كأكبر مذبحة فى تاريخ الإنسانية المعاصر، وهو ما جعل «أينشتين» مكتشف الذرة يندم فى آخر آيامه على اكتشافه، رغم أنه عرف جيدا أن الآفاق مفتوحة بلا حدود، أمام الاستخدام السلمي للذرة الذي يمكن أن يقضي على كثير من الصعوبات التي تواجه مسيرة البشرية نحو عالم أفضل. ومرة أخرى توضح لنا هذه الفضيحة «للفيسبوك» أن هناك ترابطاً وثيقا بين المصالح الرأسمالية الكبرى فى العالم كله، ذلك أن شركة « الفيسبوك» هي مؤسسة رأسمالية ضالعة فى علاقات متشابكة مع شركات كبرى تقوم بتسيير إقتصاديات العالم، ولها أيضا مصالحها التي وجدت فى المرشح «الملياردير» والمقاول العالمي «دونالد ترمب» مدافعا محتملاً عن مصالحها، ومن هنا تساهلت مع ما قامت به شركة « كامبريدج أناليتيكا» لدعم «ترمب» مستخدمة التسريبات التي خرجت من شركة «الفيسبوك»، وعظمت من فرص الدولة البوليسية وقدرتها على الإيذاء تخص بلدان ما يسمي بالعالم الثالث وحدها، وإنما امتدت أيضا حتى لما يسمى بالتجارب الديمقراطية الراسخة فى أوروبا وأمريكا واليابان. ولايدور هذا الصراع مع ذلك فى اتجاه واحد لتصب نتائجه على طول الخط لصالح قوى الاستغلال والاستبداد فى كل مكان. ذلك أن وعياً جديداً رافضاً وثاقبا ينتشر فى أوساط الشابات والشبان على نحو خاص عبر ثورة الاتصال، ويدرك حقيقة النظم الرأسمالية، خاصة بعد التجارب المريرة لليبرالية الجديدة أو الرأسمالية المتوحشة التي جرى تطبيقها أو بالاحرى فرضها على العالم كله، لترمي بملايين الشابات والشبان فى البطالة واليأس، وتجعل من حياة الكادحين عامة جحيماً، وتؤجج الحروب، والمجاعات فى عالم يموج بالثروات، وتعده الثورة العلمية بالمزيد منها. نعرف أن كل تغيير فى العالم إلى الأسوأ أو إلى الأفضل هو ناتج صراع شأن ذلك الصراع الدائر الآن بين أقلية تتملك الثروات والأسلحة وأجهزة الإعلام وأغلبية تكافح من أجل السيطرة على مصيرها، وأن غدا لناظره قريب.