لكل لاعب سياسي أدواته التي يجيد اللعب بها للوصول إلي هدفه.. البعض يعتمد علي الكاريزما والخطابة ودغدغة المشاعر والآخر يركز علي البرنامج ويطرح مشروعا ويقدم رؤيته لتكون جواز المرور لعقول الجماهير يترجم من خلالها آلامه وآماله. أعتقد أن عمرو موسي الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ينتمي للفريق الأول بينما ينتمي كل من الدكتور البرادعي المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية وكذلك المستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض للفريق الثاني. فتحركات موسي منذ إعلانه عن نيته للترشح لمنصب رئيس الجمهورية وحتي الآن تعكس بشكل كبير اعتماده علي مايطلق عليه البعض »كاريزما خاصة تميزه« لذلك نجده يعتمد علي ما يراهن عليه من رصيد شعبي جاءت ترجمته بأغنية بسيطة لفنان أكثر بساطة رأي أنه يكره إسرائيل بينما يحب موسي الذي يتبني موقفا متشددا من الدولة العدو.. هذا الرصيد الشعبي المتوقع دفع موسي إلي الالتحام بالجماهير من خلال لقاءات شعبية بدأها بالصعيد وإن لم يكن النجاح الحليف بعد معارك نشبت بين أنصار الحزب الوطني وشباب الثورة الرافض لوجودهم. فشل موسي في الصعيد لم يمنعه من تكرار محاولاته في الوجه البحري ومن الإسكندرية تحديدا انطلقت جولته الانتخابية الثانية.. بدا فيها أكثر إصرارا علي التواصل مع الجماهير من خلال جلساته علي المقهي ومشاركته أهالي الاسكندرية متابعة إحدي مباريات كرة القدم ولم يكتف بذلك بل شارك أيضا في زفة عروسين لتكون مداعباته لهما وابتسامته العريضة محاولة أخري ومدخلا آخر لقلوب الجماهير. ربما جاءت الرياح بعدها بما لم تشته سفن موسي بعدما تسربت وثيقة تكشف عن دعوته لتصدير الغاز لإسرائيل.. وهو ما اعتبره محاولة لتشويه صورته والنيل منه وإحدي وسائل الدعاية المضادة له في معركته الانتخابية. أسرع موسي بالتبرير محاولا التأكيد علي أن موقفه من إسرائيل لم يتغير وأن الوثيقة ماهي إلا ورقة ضغط الغرض منها دعم المفاوض العربي في اتفاقية مدريد إلا أن تبريره بالطبع لم يقنع البعض ممن يعتبرونه أحد رجالات النظام السابق ويتهمونه بالمراوغة وأنه يصرح في الغرف المغلقة مالم يعلنه أمام كاميرات الإعلام التي يجيد مغازلتها فيدفع البسطاء من أمثال شعبان عبدالرحيم لمدحه واعتباره بطلا يكره إسرائيل. وبعيدا عن تلك الواقعة فمن المؤكد أن موسي يعتمد في معركته الانتخابية علي دغدغة المشاعر في معركة تبدو قوية لا تفلح فيها مثل هذه الوسائل ، كما تفلح فيها أيضا محاولات إظهار صورته متحلية بالبساطة والتواضع وإن كانت لاتقنع الكثيرين وتبدو مصطنعة ومتكلفة مع صورة أخري مترسخة في الأذهان عن صورته الحقيقية الأبعد عن البساطة والشعبية. وبينما اعتمد موسي علي ما اعتبره كاريزما خاصة وميزة نسبية ترجح كفته عن باقي المرشحين آثر كل من البرادعي والبسطويسي الاعتماد علي وسائل أكثر عملية. فالبرادعي لم يشغل نفسه كثيرا بجولات يري أنه من المبكر القيام بها أو ربما يعلم جيدا أن رصيده منها لن يرجح كفته علي الأقل الآن بعدما تعرض لسلسلة من الشائعات والهجوم والانتقادات نالت منه وربما قللت من رصيده الشعبي.. وإن كنت أعتقد أن خطوة طرح الوثيقة تتناسب أكثر مع طريقة تفكير البرادعي التي تبدو فيها علي قدر كبير من التنظيم والترتيب وتجنح إلي الأساليب العملية فجاء طرحه للوثيقة محاولة للبحث عن حل توافقي بعدما أخذ الجدال بين القوي السياسية الكثير من الوقت والجهد. وضع البرادعي عدة مبادئ أساسية للدولة وحقوق رئيسية للمواطن ودعا الجميع لمناقشتها والتعليق عليها. اختلفت الآراء حولها بين مؤيد ومتحفظ ومعارض.. بين من تعامل معها علي أنها لاتقدم جديدا وبين من رآها خطوة للأمام وبين من اتهمه فيها بمغازلة الإخوان. وبغض النظر عن اختلاف الآراء إلا أن ما يحسب للرجل اجتهاده في وضع وثيقة تعد بمثابة مبادئ أساسية تتعلق بشكل الدولة ونظامها السياسي وتؤكد علي الحريات العامة والمواطنة كما أنه طرحها للنقاش والحوار وهو ما يجعلها بمثابة خطوة جيدة للأمام للخروج من حالة الجدل العقيم الذي كاد ينهك جميع القوي السياسية. وبينما آثر البرادعي مخاطبة القوي السياسية نجد المستشار البسطويسي اتجه للمجلس الأعلي للقوات المسلحة ليطرح ورقته كما يفضل هو أن يطلق عليها ليطرح فيها أيضا رؤيته عن الدولة ويضع فيها ما أسماه بالمبادئ فوق الدستورية والأهم هو وضع تصوره ورؤيته عن وضع الجيش في الدستور. لم يسلم البسطويسي بالطبع من اتهامات بمغازلة المجلس العسكري كما انتقده البعض .. ومنهم عمرو موسي عما أسماه بالمبادئ فوق الدستورية حيث لا مبادئ تعلو علي مواد الدستور. وبعيدا عن تلك الانتقادات وبالنظر للساحة السياسية التي بدأت تموج بالعديد من المشاريع والأطروحات والوثائق ربما تدفع مرشحي الرئاسة المحتملين إلي بحث عن وسائل أخري تدعمهم وتزيد من أرصدتهم في الشارع السياسي وهو ما يشي بمعركة انتخابية ليست بالسهلة .. من المؤكد أنها تحتاج لجهد خارق لكسب الشعبية، فمن الواضح أن الصراع سيشتد وأن المنافسة ستزداد وتيرتها.. ليحسم في النهاية وعي الشعب وإدراكه وقدرته علي الفرز والتمييز بين من يخدم مصالحه ويسعي لتحقيق أحلامه وبين من يكتفي بمغازلته بالكلام المعسول والأحلام الوردية الخيالية.