وزير التعليم يبحث مع رئيس جامعة هيروشيما تعزيز التعاون لتطبيق منهج الثقافة المالية بالثانوية    عاجل- الرئيس السيسي يتقدم مشيعي جنازة والد رئيس الوزراء بمسجد المشير طنطاوي ويقدم التعازي لأسرة الفقيد    ورقة تفاوض على ورق شجرة الأرز    دفاع المجنى عليه بواقعة الملابس النسائية: يعانى خيالات وتشنجات.. فيديو    مشاجرة دامية بسبب قطعة أرض في الدقهلية، وضبط 10 متهمين    تحرش وفتاة قفزت من سيارة، الأمن يكشف ملابسات "فيديو المطاردة" بالعريش    والدة عروس بورسعيد تكشف اللحظات الأولى لرؤية جثة ابنتها    تعرف على جدول فعاليات الدورة ال12 لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    عاجل- الرئيس السيسي يؤكد أهمية التعاون مع الدول الصديقة لتسوية أزمات المنطقة وتجنب التصعيد    ضبط 14 طن دقيق بقضايا تموينية و10 ملايين حصيلة النقد الأجنبي خلال 24 ساعة    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    تعرف على تفاصيل فيلم جيسون ستاثام الجديد Mutiny    خبر في الجول - إنبي يقرر رحيل الجهاز الإداري قبل مواجهة الزمالك    تشكيل مانشستر يونايتد المتوقع أمام برينتفورد في الدوري الإنجليزي    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    الشيوخ يقر ثورة تصحيحية فى التأمينات.. زيادة تدريجية بالقسط السنوى تصل 7% 2029    تراجع سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف تعاملات اليوم    الرئيس السيسي يبحث سبل تعزيز العلاقات بين مصر وكينيا    بدء تشغيل حافلة كهربائية لذوي الهمم بجامعة قنا    وزارة «التضامن» تقر قيد 11 جمعية في 4 محافظات    مياه القناة تعلن الطوارئ لمواجهة الأمطار وانتشار مكثف للمعدات بالشوارع    مصرع 3 أشخاص وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم أعلى الطريق الدائري بالوراق    قنابل موقوتة فى الأسواق.. الأمن يداهم مصنعاً لإنتاج طفايات حريق مغشوشة    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    الرئيس السيسى يؤكد اعتزاز مصر بالعلاقات الاستراتيجية مع روسيا وتقديره الكبير لبوتين.. ومساعد الرئيس الروسى: حريصون على مواصلة العمل المشترك مع القاهرة لتفعيل بنود الشراكة الاستراتيجية وبحث التعاون فى الملاحة    الاحتلال الإسرائيلى يقتحم مدينة نابلس وبلدة سردا    بطرس دانيال: مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما منصة للفن الهادف والرسالة الإنسانية    الرعاية الصحية: إنقاذ طفل مريض بالأكاليزيا بجراحة دقيقة غير مسبوقة    الصحة تطلق برنامجاً تدريبياً لتطوير فرق الطوارئ الطبية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية    ادعو ل هانى شاكر بالشفاء العاجل: آخر تطورات الحالة الصحية    قبل مواجهة إنبي.. حصاد معتمد جمال يعكس قوة الزمالك    هبوط نانت، ترتيب الدوري الفرنسي بعد الجولة ال 31    ممرات آمنة وكردونات مشددة لتأمين مباراة الزمالك وإنبي    رئيس جامعة الوادي الجديد: اتخاذ خطوات وإجراءات تنفيذية لإنشاء المستشفى الجامعي الجديد    27 أبريل 2026.. تباين في سعر صرف الدولار أمام الجنيه ببداية التعاملات    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    «القومي للطفولة» يتلقى 143 ألف مكالمة عبر خط نجدة الطفل خلال 3 أشهر    «سطلانة» تصل لهوليوود.. حمدي بتشان يكشف التفاصيل    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى يحتفل ب"اليوم العالمي للرقص"    أسباب مرحلة الضرب والصفع عند الأطفال في عامهم الأول    وزير النقل يشهد توقيع اتفاقيتين لتصنيع 500 عربة سكة حديد وإدارة ورش كوم أبو راضى    المتحدث باسم وزارة الرياضة: ملف المراهنات في غاية الخطورة.. ورصدنا تفاصيل شديدة التعقيد    أبرز 3 مشروبات تحسن من عملية الهضم وتعزز من صحة الأمعاء    علاج طبيعي القاهرة تحصل على تجديد 3 شهادات الأيزو للجودة والسلامة والصحة المهنية    إيران تبدأ التنسيق لما بعد الحرب.. "عراقجي" يصل إلى روسيا ولقاء مرتقب مع بوتين    كيف يؤثر إغلاق هرمز على اقتصادات إفريقيا؟    المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترامب في كتابات لعائلته    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    محمود محي الدين: القطاع الخاص يطالب الآن بالفرصة.. ويجب تخارج الدولة من القطاعات التي يستطيع إدارتها    إعلام عبري: أزمة نقص حادة بالصواريخ الاعتراضية في إسرائيل    عبدالجليل: الزمالك يتفوق بالمرتدات.. ومحمد شريف الأنسب لقيادة هجوم الأهلي أمام بيراميدز    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    حكم المصافحة بين المصلين.. "الإفتاء" توضح    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اخر اخبار مصر النهاردة : وصايا دكتور عماد طارق البشرى ل«تأسيسية الدستور»
نشر في أخبار النهاردة يوم 05 - 06 - 2012

يقول فقيه فلسفة القانون الحديث «روسكو باوند» أن «فى جميع المراحل التى يمكن وصفها بحق، بأنها مراحل تقدم وتطور قانونى، لعبت الفلسفة دور الخادم المفيد. فقد استخدمت الفلسفة لتحطيم سلطة التقاليد البالية، ولتطويع القواعد والأحكام الصادرة عن السلطة والتى لا تسمح بالتبديل أو التغيير فى استعمالات جديدة مما غير أثرها العملى بصورة ملموسة، لإدخال عناصر خارجية جديدة إلى القانون وإنشاء مواد قانونية جديدة من هذه العناصر، ولتنظيم المواد القانونية القائمة وترتيبها، ولتثبيت الأحكام والمؤسسات القائمة فى فترات الاستقرار والبناء الشكلى التى تعقب فترات النمو. هذه الأمور كانت المنجزات الفعلية للفلسفة».
اللواء شاهين أثناء الاجتماع الأول للجنة وضع الدستور تصوير محمد الميمونى
(1)
الدستور تمثيل للمصالح الاجتماعية والاقتصادية
إن التعامل مع عملية صياغة دستور جديد، يلزمه بلورة فلسفة دستورية معمقة، تعكس الأوضاع الاجتماعية المستجدة التى أفضت بالحاجة إلى إصدار هذا الدستور الجديد. فعملية وضع الدستور، ليست مجرد مهمة صياغة لعدد من النصوص فى قوالب تبدو ظاهريا قانونية. وإنما هى عملية فلسفية معقدة، الفرض فيها أنها تسبر أغوار العقل الجمعى، لأجل تجميع مصفوفة الأفكار التى تمثل خلاصة فكر هذا العقل فى المرحلة التاريخية الراهنة. فتراعى عملية صياغة الدستور: الأصول الجمعية التى يستقيم عليها كيان المجتمع ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وذاك فى إطار من الهضم الكامل لكل من الأصول العقدية للجماعة، والخبرات المجتمعية المكتسبة من نضال هذا المجتمع عبر تاريخه، منظور لهذا جميعه من منظور السياق السياسى/الاجتماعى المعاصر، ذاك السياق الذى استلزم إصدار دستور جديد. وبذلك يصير الدستور الجديد فى صيغته النهائية ملبيا غالب طموحات هذا المجتمع بجميع هيئاته، التى يتطلع إليها أفرادا وجماعات، بحيث يصير تعبيرا حقيقيا لجوهر مصالح هذا المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التى يحسب إشباعها أهدافا عليا جامعة، لكل من يحيى داخل هذا المجتمع من أفراد ومن جماعات فرعية لكل منها انتماءاته الثقافية والدينية والاجتماعية المختلفة وجوهر هذه المهمة، هو إعادة كشف حقيق البنية التحتية للمجتمع ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، نحو ما يمكن معه بناء الأبنية الفوقية لهذا المجتمع، على أسس حقيقية صائبة، تمنح المجتمع أمنه الثقافى والاقتصادى والاجتماعى والسياسى. إذ من أهم اسباب الانهيار الدستورى، جمود الأبنية الفوقية للمجتمع وعدم تطورها مع التطور الذى يلحق أسس بنيته التحتية.
وفى تقديرنا، أنه ما دام الدستور معبرا عن أوضاع الاجتماع السياسى لجماعة من الجماعات، فى ظل ظروف معينة، فمن الضرورى أن يكون عاكسا فى متنه أصول البنية التحتية لهذه الجماعة. هذه الأصول نجدها متنوعة: منها الثقافى/العقدى، ومنها الاقتصادى/الاجتماعى، ومنها السياسى/الأمنى. هنا يجب، ولا محيص عن هذا الوجوب، أن يطوى الدستور من خلال ديباجته ومواده، أحكاما وقواعد تعكس هذه الأصول، دون مواربة وبلا تمييع، وإلا ولد الدستور الجديد، متضمنا عناصر شقاق تؤثر فى مستقبله القريب على صلاحيته ذاتها.
(2)
البعد العقدى والثقافى بالدستور
وانطلاقا من هذا الفهم ونحن بصدد شهود حدث تاريخى مهم: وهو وضع دستور جديد لمصر بعد ثورة 25 يناير، فثمة إطار فلسفى أتصور أنه يجب بداية رسم معالمه المبدأية، وذلك قبل الشروع فى كتابة نصوص هذا الدستور. معالم فلسفية تحدد الهوية الكلية للجماعة المصرية، تحديدها ماهية جماعات الانتماء الفرعية الداخلة فى التشكيل الكلى للجماعة المصرية، وذاك من الزاوية العقدية/الثقافية. وهى المقاربة التى لا فكاك منها لتعيين عناصر الامتزاج الثقافى والعقدى الذى استوعب كل تلك الجماعات الفرعية طيلة تاريخ المجتمع المصرى، مقاربة تآلفية، تتلمس فى الأبعاد الثقافية لكل جماعة من هذه الجماعات، العناصر التوفيقية التى تتحمل التمايزات وتعترف بها، فتبرز هذه القيم وتعليها وتحكّمها على غيرها من العناصر الأخرى، ثم تقوم بمزجها بعناصر المكون الثقافى المصرى الجامع.
وبالوصول إلى المشترك الثقافى بين جماعات المجتمع المصرى، يمكن الوقوف على ملامح التحديات التى تواجه المجتمع المصرى، وذاك لتعيين هيئة الاجتماع البشرى لهذا المجتمع، بكل عناصره المختلفة، الجامعة والمفرقة، فتُرصد عناصر قوة لحمته، كما تُرصد عوالم فرقته، ومن ثم يمكن إعادة صياغة الحقوق داخل المجتمع فى ضوء هذه الاعتبارات جميعها، نحو ما يدعم مسيرة مجتمعنا، فيزيد من لحمة تعاضضه ويقلص من فاعلية عناصر فرقته. وكذلك يتوجب الوقوف على التحديات الخارجية التى تتهدد أمنه، والتى منها تُستلد تهديدات داخلية، ليس أقلها بث وتأجيج كثير من عوامل الفرقة الداخلية. ومن خلال هذا الترسيم لذلك الإطار الفلسفى الجامع، يمكن صياغة فكرة جامعة لمفهوم الوطن وما ينبثق عنه من مفاهيم دلالية، كالمواطنة وكالوحدة الوطنية وحرية العقيدة، على سبيل المثال. وهى مهمة أحسب أنه لا يجوز تجاوزها غضا للطرف عنها فى هذه المرحلة التأسيسية من عمر حراكنا الجمعى، ترحيلا لها لما بعد كتابة الدستور. ذاك أنه من خبرتنا بدستور 1971، أصاب المجتمع المصرى بأس شديد، تمثل فى الاختلافات التى كان النظام البائد يؤججها فى خاصة هذه المفاهيم التأسيسية، وذاك من الزاوية الثقافية، مما أوجد نوعا من التناحر الذى تجاوز الإطار الثقافى إلى أطر أخرى سياسية وأمنية، معطلا بذلك مسيرة المجتمع على صعيد التطور النضالى الكلى للشعب المصرى.
الأمر الذى يستوجب حسم كثير من أوجه هذا الشقاق، ونحن بعد مازلنا فى هذه المرحلة التأسيسية لهيكل هذا المجتمع. وهذا ما يتحقق من خلال تقرير الأطر العامة لهذه المفاهيم الأساسية، التى يتأسس عليها كيان المجتمع، خاصة مفاهيم المواطنة والوحدة الوطنية وحرية العقيدة. وهى المهمة التى لا تستلزم بالضرورة نحت تعريفات لها فى نصوص الدستور إن بدا فى ذلك صعوبة، وإنما الضرورى هو إجراء مناقشات جادة فى اللجان المنبثقة من الجمعية التأسيسية، للوصول إلى إطار عام، ولو من أجل حصر التصورات المختلفة لكل مفهوم من هذه المفاهيم، والعمل على التأليف بينها. وهو العمل الذى لا يشترط بضرورة أن يجرى إفراغه فى نصوص الدستور، وإنما يكفيه تعينه بديباجة الدستور. فديباجة الدستور، إنما تعد، لإعطاء تعريف موجز بدولة الدستور وماهية مجتمعها، وتاريخها المعتبر، والعلاقات البينية القائمة بين هيئات جماعاتها المختلفة، وهى المسائل التى تعد فلسفيا أصول البنية التحتية لأى مجتمع، التى إن استعصت على التقعيد فى مواد الدستور، لعدم انطوائها على قواعد تصلح لأن تترجم فى صياغة قانونية، وذاك لكمونها الموضوعى فى منطقة ما وراء القانون. فيكون لدور ديباجة الدستور دور المنقذ، بما يحتمله من تقرير للأبعاد غير القانونية التى تقف من نظام الدولة/المجتمع، موقف بنيتها التحتية التى يتأصل النظام القانونى عليها، على ما تقدم.
(3)
البعد الاقتصادى والاجتماعى بالدستور
ومن جانب آخر ومن زاوية المصالح الاقتصادية/الاجتماعية يتعين إعادة رصد المعالم الأساسية للمجتمع، من وجهة المصالح المجتمعية المختلفة، وذلك لتحديد جوهر الأولويات المصلحية التى يتعين على الدستور التكريس لها، وهو ما لا محيص عنه، حتى يمكن للدستور أن يوفى تطلعات المجتمع من هذه الزاوية الاقتصادية/الاجتماعية. فإذا كانت المهمة الفلسفية سابقة الإشارة، اعتمدت على العنصر الثقافى/العقدى، لتشريح المجتمع فى بنيته التحتية. فإن هذه المهمة الأخرى، لا تقل أهمية عن سابقتها، إذ تهدف إلى تشريح بنية المجتمع، اعتمادا على المصالح الاقتصادية/الاجتماعية القائمة بهذا المجتمع، فتحدد مجموع المصالح الطبقية والفئوية المتراصة، ومجموع الأفراد المنتمين لكل شريحة من الشرائح الطبقية والفئوية المختلفة، وقدر إسهام كل شريحة من هذه الشرائح فى إجمالى النشاط الإنتاجى داخل المجتمع، مع تحديد الشرائح الأقل حظا فى السلم الاجتماعى، بما يعكسه هذا من تدنى فى المستوى الاقتصادى لهذه الشرائح، وتعيين حقيقة ما وُجه فى الماضى من مقدرات مجتمعية لكل شريحة من هذه الشرائح. وفى ضوء كل هذا تتضح الأوضاع الاقتصادية/الاجتماعية لشرائح المجتمع المختلفة طبقيا وفئويا، مما يمكن من صياغة نظام اقتصادى يشبع حاجات أفراد المجتمع، إشباعا فعليا، ويتوافق مع احتياجاتهم الحقيقية، فيُعوَض من حيف به فى الماضى، ويحمل القادرون منهم أجزاء معتبرة من أعباء النهوض الاقتصادى/الاجتماعى، مما يؤدى إلى صيرورة نصوص الدستور تعبيرا عادلا للوضع الاجتماعى الذى يجب أن يكون، فلا يميل تحيزا لشرائح غير محتاجة، ولا ينصرف التفاتا عن شرائح أخرى هى فى أمس الحاجة.
(4)
البعد التنظيمى للدولة بالدستور
ثم يأتى الجانب الثالث وهو ما يمكن أن نطلق عليه الزاوية السياسية/الإدارية فيما يعرف باسم الدولة. فالتكوين المؤسسى للدولة، لا يجوز أن ينطلق من محض تصورات نظرية أو مشاهدات لأحوال دول أخرى، وإنما يجب عند تشكيل مكوناتها المؤسسية وعند تحديد علاقاتها البينية، أن يتأصل كل هذا على فلسفة معمقة لدور السلطة فى حياة المجتمع المصرى، من حيث أدوارها التاريخية، ومن حيث ما هو مأمول منها. فمثلا من المعروف أن السلطة التنفيذية تنقسم وظيفيا إلى جهاز إدارى وجهاز آخر سياسى. أما جهاز الإدارة المصرى فقد كان إلى حد بعيد مفيدا للمجتمع، وذاك على الرغم من كل ما شابه من مثالب، بداية من توظيفه عبر تاريخه لإعداد هائلة من المواطنين، وانتهاء تضطلع بأداء وظائف حيوية: منها ما يندرج تحت مفهوم الدولة الحارسة: حيث مهام المحافظة على الأمن داخليا وخارجيا وإدارة مرفق القضاء، ومنها ما يندرج ضمن ما يعرف بمهام الدولة المتدخلة: حيث الاضطلاع بمهام خدمية للمواطن على مستويات التعليم والصحة وخدمات توفير ضرورات الحياة كالغذاء والكهرباء والمياه.. إلخ. فإذا ما استثنينا سنى الانحراف التى جسدها حكم الرئيس المخلوع مبارك وبعض من سنى سلفه، يمكن بسهولة تبين أهمية جهاز الإدارة المصرى فى حياة المصريين جميعا، الأمر الذى فى تقديرنا يتعين معه فصله دستورا عن الجهاز السياسى فى الدولة، ومعالجته على نحو ما يدع وظائفه ولا ينتقص منها، مع إحاطته بسياج محكم من حماية التى تكفل له الموضوعية والشفافية والحيادية، وذلك عن كل ما يعتمل على صعيد الجهاز السياسى.
أما الجهاز السياسى، فقد كان فى فترات طويلة من تاريخ الشعب المصرى، بأدنى تقدير مصدر إزعاج له، وفى أحوال عدة وصل به الاستبداد حد العصف بأمان المواطنين الشخصى، كما كان الوضع إبان حكم مبارك وأسلافه فى جملتهم. وإذا كانت من أخطر المشاكل التى صادفت مسار الجهاز السياسى بالدولة، هو شخصنة جهاز الدولة، وهيمنة فرد الرئيس على الوضع المؤسسى للجهاز، وهو ما كان يعكس بدوره غيابا لعنصر الديمقراطية عن المشهد السياسى العام للدولة، وإذا كان الفرض بعد صورة 25 يناير المجيدة، سيادة المفهوم الديمقراطى، على العنصر السياسى العام داخل الدولة، فالأمر حاليا يستلزم إجراء تعديلات هيكلية فى التكوين المؤسسى للجهاز السياسى بالدولة، يحول دون نزوعه الاستبدادى، بتوزيع عناصر القوة السياسية على مؤسسات الدولة التى تضطلع بمهام ممارسة سلطوية الدولة. وفى هذا السياق تبرز أربع مؤسسات أساس: مؤسسة رئاسة الجمهورية ومؤسسة مجلس الوزراء ومؤسسة مجلس الشعب، وأخيرا مؤسسة الحكم المحلى. يجب إعادة توزيع السلطات والإمكانات الموكلة بالجهاز السياسى للدولة، على هذه المؤسسات جميعها، وذاك على نحو متوازن، يحول دون تكتيل السلطات بيد مسئول واحد، ويمنع تشخصن السلطة السياسية فى هيئة شخص واحد.
(5)
التصورات المتخلفة للسلطة التنفيذية
وهذا المتقدم، ليس فى ذكره جديد، وإنما الجديد الذى يمكن أن تقدمه الجمعية التأسيسية، هو الوصول لأفضل الصيغ الدستورية صلاحية لإعادة تكوين السلطة التنفيذية بشقيها على أسس فلسفية تتفق والواقع المصرى. وفى تقديرى أن كلمة السر فى حل هذه المعضلة: تكمن فى آلية اختيار المسئول الذى يترأس الجهاز التنفيذى، هل هذه الآلية هى الانتخاب وفق الأسس السياسية أم أنها التعيين وفق معايير الكفاءة الفنية والأفضلية المهنية وبغض النظر عن الانتماء السياسى. إذ لكل منهما نظامه المتفرد، وإذا ما تقرر الأخذ بنظام مختلط فى هذا السياق، فما مقدار المزج المناسب للواقع البيروقراطى المصرى. آية ذلك أن غالب المناصب السياسية تحوى فى طياتها عناصر إدارية لا يمكن الغفلة عنها، فمثلا منصب الوزير: هو بحكم عضويته فى مجلس الوزراء وبحكم موضعه على قمة وزارته وبحكم مسئوليته عن السياسة العامة لوزارته، يعتبر منصبا سياسيا، ولكنه فى الوقت ذاته يرأس الجهازين الإدارى والفنى داخل وزارته مما يجعل له وضعا إداريا فنيا غير منكور. وكذلك منصب المحافظ: الذى هو الرئيس الأعلى داخل المحافظة، إذ بحكم هذه الصفة هو سياسى، لكنه بحكم قيادته الإدارية لأفرع الوزارات غير السيادية الخدمية العاملة داخل النطاق الجغرافى لمحافظته، فضلا على رئاسته الإدارية/الفنية لشئون ديوان عام محافظته، يعتبر بحكم هذا الوضع أدخل للوظيفة الإدارية/الفنية. فأى الطبيعتان يتم تغليبهما؟ هل تغلب الطبيعة السياسية أم تغلب الطبيعة الإدارية/الفنية. فإذا ما تقرر تغليب الطبيعة السياسية، فيكون النظام الدستورى فى هذا الخصوص، الأقرب إلى النظام البرلمانى: وحالئذ يعين الوزير من قبل القوة السياسية الفائزة فى الانتخابات البرلمانية بأكثرية المقاعد، بحيث يكون الوزير مسئولا مسئولية سياسية مباشرة أمام البرلمان هو ورئيس مجلس الوزراء. وكذلك يتم انتخاب المحافظ بموجب انتخابات مباشرة تجرى داخل المحافظة على تولى هذا المنصب، يحث يكون مسئولا أمام أهالى محافظته مسئولية سياسية مباشرة. إما إذا ما تقرر تغليب الطبيعة الفنية/الإدارية فإن النظام الدستورى يكون قد أدخل للنظام الرئاسى، وحينئذ يكون تعيين الوزير من قبل رئيس الجمهورية الذى يختاره الشعب، الذى بدوره يختار مساعديه التنفيذيين، والذين منهم الوزراء، ولا تكون مسئولية الوزير ذات طبيعة سياسية محضة ولا يكون مسئولا مباشرة أمام البرلمان، وإنما يكون المسئول سياسيا بالأساس هو رئيس الجمهورية، وتكون مسئولية الوزير فى هذا الخصوص محض مسئولية تابعة. الأمر ذاته يسرى على حال المحافظين.
وهنا يجدر التنويه إلى ما فى هذا من أثر مهم على صعيد عدد من المسائل المرتبطة: كفلسفة التشريع الضريبى، ذلك أنه إذا ما اعتمد الدستور نظام التعيين فى المناصب السياسية التنفيذية، تغليبا للطبيعة الفنية/الإدارية لهذا المنصب، فلا شك أن النظام الضريبى سوف يميل إلى منظومة الوحدة الضريبية، حيث النظام الضريبى، مركزى قومى، فيشرع البرلمان وحده جميع الأعباء المالية، محددا للموازنة العامة مواردها ومصروفاتها بشكل مركزى، ولا يكون للسلطة التنفيذية المعينة فى أغلبها، سلطان إصدار قرارات تمس الوضع المالى للمواطنين، وإنما يختص المشرع الذى ينتخبه الشعب بهذا الشأن شديد الأهمية بالنسبة للمواطنين. أما إذا ما مال النظام نحو الانتخاب تغليبا للطبيعة السياسية لهذه المناصب، فالغالب أن يكون النظام الضريبى أميل إلى اللامركزية، حيث يترك ممثلو الشعب على مستوى القطاعات المحلية، بتقدير الضرائب التى تسرى على النطاق الإقليمى المحلى، دون أن يخشى كثيرا من أحوال التعسف، كون الرجوع إلى الناخبين يعد الضمانة الكافية لمنعه.
الكتاتنى يتوسط وكيل مجلس الشعب أشرف ثابت ورئيس مجلس الشورى أحمد فهمى تصوير محمد الميمونى
(6)
الموقف من الأبواب الأربعة الأولى من دستور 1971
وإذا كان ثمة تساؤلات يتعذر على هذا المقال الإجابة عنه كالأخير، إذ يلزمه حوار مجتمعى معمق، فإن ما يستوقف الباحث فى هذا الخصوص، تلك الخفة التى يجرى بها تناول الأبواب الأساسية الأولى من الدستور، وهى تلك المتعلقة بنظام الدولة والأسس والمقومات الاجتماعية والخلقية والاقتصادية القائمة داخل الدولة/المجتمع. إذ البادى أنه فى محاولة للطمأنة، ورد على لسان كثيرين من المسئولين السياسيين بكثير من الأحزاب الممثلة بالبرلمان، أنه لا مساس على الإطلاق بنصوص الأبواب الأربعة الأولى من دستور 1971، التى تتعاطى على الترتيب الآتى: مع نظام الدولة، المقومات الأساسية للمجتمع (اجتماعية وخلقية واقتصادية)، الحريات والحقوق العامة، وأخيرا سيادة القانون (فيما يعرف بدولة القانون). على أن الأمر أحسبه ليس بهذه البساطة، فهذه الأبواب ذاتها، تعرضت لتعديلات جوهرية سنة 2007، اختلفت بموجبها الفلسفة الدستورية العامة لمواضعها. الأمر الذى يتعين معه النظر فى الأمر، نظرة أكثر تعمقا، لتعيين الفلسفة التى يجب أن يحملها مشروع الدستور الجديد، فى هذه المسائل التأسيسية.
(7)
مفهوم المواطنة والفئات الأساسية بالمجتمع
فمثلا كانت المادة (1) من دستور 1971 الواردة بالباب الأول «الدولة»، تنص على أن «جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكى ديمقراطى يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة»، وصار بموجب تعديل سنة 2007، «جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة»، وبذلك رفعت لفظة اشتراكى عن نظام الدولة، كما تبدل أساس نظام الدولة الديمقراطى من تحالف قوى الشعب العاملة إلى المواطنة. هنا لا يملك أحد التعقيب على إرادة الشعب المتجلية فى أى استفتاء، إذا أرادت الاشتراكية نظاما للحكم أو تراجعت عنها إلى غيرها، ولا على أى أساس تقوم الدولة: أكان على تحالف قوى الشعب العاملة أم على المواطنة، وإنما فقط ما يستوقف المراقب، هى دلالات العبارات والألفاظ المستخدمة. ذلك أنه بالرجوع إلى الأصل التاريخى لهذا النص، يتبين أنه كان لعبارة تحالف قوى الشعب العاملة، دلالة حقيقية، إذ نص دستور سنة 1964 السابق، بمادته (3) على أن «الوحدة الوطنية يصنعها تحالف قوى الشعب العامل، وهى الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية»، وهو ما كان أساسه أعمال اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطنى للقوى الشعبية، وكذلك أعمال المؤتمر ذاته، التى ترجمها فى صيغتها النهائية ميثاق العمل الوطنى. وبالتالى كان لمفهوم الوحدة الوطنية دلالته الخاصة، القائمة على تحالف قوى الشعب العاملة، ذاك التحالف القائم بين الفئات الآتية: الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية. وعليه فعندما جاء دستور 1971، مستخدما ذات العبارة، فلا شك أنها تنصرف إلى هذه الدلالات، مادامت استخدمت حرفيا ذات العبارات والألفاظ دون أى إشارة إلى تبدل فى دلالاتها. أما التعديل الذى أدخل سنة 2007، وبموجبه رفعت هذه العبارة مستبدلة بلفظة المواطنة، فلا نجد فى أعمال مجلس الشعب الخاصة بمقترح هذا التعديل، ولا بغيرها، أية إشارات جادة تتصل بماهية المواطنة المقصودة، فإذا ما أخذنا فى الاعتبار الاتجاهات الحديثة فى تناول مفهوم المواطنة، باعتبارها مفهوما عالميا يتناول شأن الإنسان فى وضعه المجرد، بعيدا عن روابط الانتماء بالدولة التى يحمل جنسيتها، فإن هذا التعامل مع هذا المصطلح، بحسبانه نحتا مستجدا على الفكر الدستورى المصرى، يستلزم إجراء مناقشات حوله، لتعيين أسسه ومناطاتها وأبعاد دلالاته القانونية. وهو ما يفتقر إليه نص المادة (1) من دستور 1971 المعدلة سنة 2007. ومن نافلة القول إن النص القانونى بعامة أيا ما يكون: دستوريا أم تشريعيا هو نص يصاغ بدقة، كى يكون لكل عبارة من عباراته ولكل كلمة من كلماته معناها الذى يحمل على الجدة عند التطبيق، لا كى يكون نصا زخرفيا، يطنطن بعبارات وألفاظ، يعجز العاملون فى الحقل القانونى عن تطبيقها أو ترجمتها لواقع. وعليه، فإذا كنا بصدد الاحتفاظ بهذا النص على ما هو عليه، وفق تعديل سنة 2007، فلا أقل من أن يصاحب النص بأعمال تحضيرية تكشف عن جوهر المقصود بالمواطنة ودلالاتها، فى ضوء جميع النظريات التى قيل بها فى هذا السياق.
(8)
الأسس الاقتصادية/الاجتماعية الحاكمة
وكذلك من الأمثلة على ما تقدم، ما كانت تنص عليه المادة (4) من الدستور، وذلك قبل تعديلها فى 2007، وما صارت عليه بعد هذا التعديل. فقد كانت هذه المادة تنص على أن «الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى القائم على الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال ويؤدى إلى تقريب الفوارق بين الدخول، ويحمى الكسب غير المشروع، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة». ثم صارت بموجب هذا التعديل كالآتى: «يقوم الاقتصاد فى جمهورية مصر العربية على تنمية النشاط الاقتصادى والعدالة لاجتماعية وكفالة الأشكال المختلفة للملكية والحفاظ على حقوق العمال». وهنا يظهر جليا، قدر ومستوى التغير الذى لحق هذه المادة، بموضوعها ذى الأهمية البالغة على المتسويات الاقتصادية المختلفة داخل الدولة. هنا أكرر أننى لا أعقب على الإرادة الجمعية، التى شاءت التحول عن المفهوم الاشتراكى فى التنظيم الاقتصادى للدولة. لكننى يستوقفنى مليا، أن التعديل لم يقتصر على التحول من النظام الاشتراكى فحسب، أخذا بالنظام الفردى الحر فى التنظيم الاقتصادى مثلا أو أى نظام اقتصادى آخر، وإنما عمل التعديل على التعمية والتهويم، على ما يقوم عليه النظام الاقتصادى للدولة، فما معنى «يقوم الاقتصاد.. على تنمية النشاط الاقتصادى»، فهذه عبارة لا معنى لها على الإطلاق، ذاك أنه إذا ما أخذنا بما هو معروف فى حقل القانون، أن لكل عبارة قانونية يتعين أن تكون لها دلالاتها التى تُخرّج عليها المعانى والمقاصد، وهو ما يعنى أن يكون لكل عبارة قانونية معنى يؤكد دلالة تنفى نقيضها، فحظر النص القانونى للسرقة: إنما دلالته تأثيم مرتكب هذا الفعل، واشتراط النص القانونى فى البيع تلاقى الإرادتين على الشىء المبيع وعلى الثمن، إنما يعنى عدم البيع فى حال انهيار أى من هذه الأركان. فإنه بإعمال هذا المنطق القانونى على نص هذه العبارة المذكورة، لا تجد نفسك خالصا إلى أى معنى، إذ بالدلالة العكسية: هل يتصور مثلا أنه يمكن أن يقوم النظام الاقتصادى على عدم تنمية النشاط الاقتصادى، الأمر الذى حدا بهذا التعديل أن يورد تأكيدا له، خوفا من حصول نقيضه، فهذا يعتبر فى الفهم القانونى من العبث غير المقبول.
أضف إلى هذا، أن ذلك التعديل حذف كليات كان يعدها دستور 1971، من اصول البناء الاجتماعى داخل الدولة، بحسبانها أدخل إلى التكوين الاجتماعى منها إلى التكوين الاقتصادى. فقد كان النص قبل تعديله يشير إلى أن الأساس الاقتصادى هو «النظام الاشتراكى القائم على الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال، ويؤدى إلى تقريب الفوارق بين الدخول، ويحمى الكسب المشروع، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة». ولكن ما حدث بموجب هذا التعديل، أنه مع حذف النظام الاشتراكى حصل أن حذفت معه عبارة «الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال، ويؤدى إلى تقريب الفوارق بين الدخول، ويحمى الكسب المشروع، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة»، واستبدلت بها عبارة «العدالة الاجتماعية وكفالة الاشكال المختلفة للملكية والحفاظ على حقوق العمال». وهذا يدعو إلى التوقف والتأمل، فهل الكفاية والعدل وتداعياتهما: منع الاستغلال والتقريب الفوارق بين الدخول وكفالة عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة، هى أسس اقتصادية اشتراكية، تزول بزوال الاشتراكية، أم أنها أسس ركيزة فى أى مجتمع، ناهيك عن مجتمع يعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، وناضل وفق هذه الشريعة عبر التاريخ من أجل إعلاء العدل على الظلم الجور. أتصور أن الجواب واضح، فالعدل بين الناس وكفايتهم جميعا، هى أسس فطر الله تعالى الإنسانية عليها، أسس تتصل بالبناء العادل المنصف للمجتمع، أسس تمثل خلاصة نضال الشعب المصرى التحررى عبر تاريخه، ضد الظلم بجميع صوره وأنواعه، أكان ظلما سياسيا أم اجتماعيا أم اقتصاديا. هذه الأسس نجدها فى شريعة رب العزة الغراء، فى قوله تعالى «وأمرت لأعدل بينكم» (سورة الشورى: 15) إعلاء لقيمة العدل حتى بين المسلمين وغيرهم، و«اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله» (سورة المائدة: 8)، «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى» (سورة الأنعام: 152). «إن الله لا يظلم مثقال ذرة» (سورة النساء: 40)، «وما ربك بظلام للعبيد» (سورة فصلت: 46). «وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: «أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن الناس لم يتنازعوا فى أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة». وغير ذلك كثير، وهذا ليس موضع بسطه، وإنما الذى نسعى إلى التدليل عليه، هو أن مجموع الأفكار الخاصة بكفاية الناس جميعا والعدل بينهم سواء، هى أدخل إلى تكوين التشريع الربانى العلى. وعليه فإن حظر الاستغلال وتقريب الفوارق بين الدخول وعدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة، وهما من التنويعات الموضوعية معاصرة، على مقامات هذين الأصلين، هم جميعا فروع لهذين الأصلين. وذلك بغض النظر فيما بعد، عما إذا كان من الممكن نسبتها فيما بعد: للاشتراكية أو للرأسمالية أو لأى سياق فكرى آخر. بل الفرض على ما جبل الخلق عليه، إنه من غير المتصور إلا يورد سياق فكرى يطرح نفسه مخلصا للبشرية من شرورها أيا ما يكون هذا السياق أقول ألا يورد تنويعا على هذه المعانى. وعليه، ومما تقدم، فإن فى حذف هذه العبارة التى كانت تطويها المادة (4) من الدستور، وهى مضافة للاشتراكية التى حذفت، هو الباطل الذى لا ينزل منازل الخير على الإطلاق. وهنا قد يحتاج إلى التعديل استبدل العابرة المحذوفة بعبارة «العدالة الاجتماعية وكفالة الأشكال المختلفة للملكية والحفاظ على حقوق العمال»، وهى تقوم بذلك مقام المعانى التى ذكرتها العبارة المحذوفة، على أن هذا مردود أولا من زاوية أن للحذف فى الفهم القانونى دلالته واجبة الاعتبار، فإذا كان ثمة حكم وحذف فالواجب أن يقدر هذا الحذف تقديرا معتبرا، إذ يعنى أن المشرع الدستورى شاء أن ينصرف عن معانى هذا المحذوف إلى غيره، وإلا كان حذفه لها عبثا، وهو ما لا يكون. وعليه، فإن أى قانونى يتعاطى مع نص المادة (4) من الدستور، لابد أن يقدر هذا الحذف، ولابد له أن يأخذ النص الجديد مأخذ الجدية، ناظرا إلى العدالة الاجتماعية نظرة تفارق فى معانيها تلك المعانى التى جرى حذفها، وبذا تتوارى اعتبارات كل من العدل الشامل وكافية الناس وذلك للجميع، كما تتوارى أبعادهما: من حظر الاستغلال وتقريب الفوارق بين الدخول وحماية الكسب المشروع وعدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة، وذاك جميعه لصالح اعتبارات أخرى غامضة، تقررها عبارة العدالة الاجتماعية، التى لا تثريب عليها فى ذاتها على الإطلاق، وإنما التثريب على السياق الذى شرعت فيه، بهذا الإجمال ودون تفصيل لهيئتها، سيما وأنها حلت محل عدد من الكليات التى هى بالأساس تفصيل للعدالة الاجتماعية. أضف إلى هذا، ان مراجعة باقى النص المضاف، وهو «كفالة الأشكال المختلفة للملكية والحفاظ على حقوق العمال»، لا يعتبر تشريعا بمستجد وإنما تقرير لقائم فى مواد الفصل الثانى من الباب المعنون «المقومات الاقتصادية». الأمر الذى ينحو بنا إلى تغليب عقيدة، أن النص الجديد المضاف بعد حذف النص الأصلى، إنما عُنى به التضليل، للإيحاء بأن ثمة أفكارا اجتماعية يسعها التعديل، تفارق الأفكار التى كانت موجودة والتى هى منسوبة للاشتراكية.
(9)
مسألة العمال والفلاحين
فعليه وبالله.. كيف وحال هذا بعضه، أن نُصِر على تكرار فكرة أن ثمة توافق على الأبواب الأربعة الأولى من دستور 1971، هكذا إجمالا، دون أى تمحيص أو مراجعة للتشويه الذى أصابها، بموجب تعديل سنة 2007. أضف إلى هذا، ذاك القول الذى يراد أن يرتفع لمصاف الحقائق التى لا تناقش، والخاص بالإلغاء الكلى للكوتة التمثيلية للعمال والفلاحين فى مجلس الشعب. إن المعيار الذى تقررت على أساسه هذه النسبة التمثيلية، كان تمثيل المصالح الاجتماعية/الاقتصادية للفئات الأساسية للشعب، التى يعمل الدستور على إنمائها اجتماعيا واقتصاديا، منظورا إليها من زاويتين: أعداد المنتمين لهذه الفئات ومدى مساهمة كل فئة من هذه الفئات فى الدخل القومى. فهذا النص منقول من دستور 1964، الذى أعد فى ضوء ما قرره المؤتمر القومى للقوى الشعبية، إذ أعد دراسات انتهت إلى ما يأتى: أن تعداد الفلاحين العاملين حوالى 3200000 يساهمون فى الدخل القومى بحوالى 44.3% من إجماليه، وتعداد العمال حوالى 1600000 يساهمون فى الدخل القومى بحوالى 30.8% من إجماليه، وتعداد الرأسمالية الوطنية حوالى 600000 وتساهم فى الدخل القومى بحوالى 8.7% من اجماليه، وتعداد المقيدين فى النقابات المهنية حوالى 172957 يساهمون فى الدخل القومى بنسبة تصل على حوالى 22% من إجماليه، أما الموظفون غير النقابيين فيبلغ تعدادهم حوالى 700000 يساهمون فى الدخل القومى بنسبة 10.9% من إجماليه، والسلك الجامعى التعليمى يبلغ حوالى 7500 يبلغ مساهمته فى الدخل القومى 1% زيدت فيما بعد إلى 7%، وبلغ تعداد الطلاب 305000 وهم يساهمون فى الدخل القومى على الإطلاق. هذه هى الدراسة التى على أساسها تقررت النسبة التمثيلية للعمال والفلاحين، اعتمادا على معيار الاهتمام بأكثر فئات الشعب تعدادا وإسهاما فى الدخل القومى، ودفعهم للاشتراك فى أهم عمليات صناعة القرار السياسى داخل المجتمع. أخذا فى الاعتبار أنه من الخفة الادعاء بأن التطبيق العملى أفرز سوءا من وراء الأخذ بهذه النسبة، ذلك أن تقييم إجمالى الأداء البرلمانى للجميع كان دون المستوى وليس فقط العمال والفلاحين، لقد مثل الفئات ما يربو على نصف البرلمانات التى تكونت فى ظل العمل بدستور 1971، فماذا كانت النتيجة، لا شىء، لأن المشكل لم يكن فى نوعية المشاركين فى الأداء البرلمانى، وغنما فى الإرادة السياسية المنعدمة لهذه البرلمانات، التى ارتضت لنفسها دور التابع والمنفذ لإرادة حاكم فرد ديكتاتور. ولكن وعلى الرغم من كل هذا، فلا بأس من تغيير هذه النسبة أو حتى إلغائها، ولكن يبقى السؤال ما الدراسات التى أجريت حتى نلغى على أساسها هذه النسبة التمثيلية أو نعدلها، وما البدائل التى يمكن اقتراحها، لضمان تمثيل عادل للفئات الأساسية للشعب المصرى داخل البرلمان بغرفتيه، حتى يُطمأن شعبيا إلى أن التشريعات التى تصدر عنهما، تعبر عن مصالح هذه الفئات الأساسية، وليس عن مصالح طبقة واحدة من طبقات المجتمع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.