تسببت الانتخابات الأكثر أهمية في المجر، والتي أسفرت عن فوز زعيم المعارضة بيتر ماجيار فوزًا ساحقًا على رئيس الوزراء فيكتور أوربان وحزبه الحاكم فيدس، في إنهاء ستة عشر عامًا من الحكم الذي وُصف بأنه اتسم بالفساد وشبه الاستبداد، كما أثارت صدى واسعًا امتد من موسكو إلى واشنطن وما بعدها. وأشارت صحيفة "ذا كونفرسيشن" البريطانية إلى أن فوز ماجيار يُعد بمثابة توبيخ شديد للقوى العابرة للحدود التي تغذي النزعات القومية والانقسام وسياسات الاستياء، والتي باتت جزءًا من الخطاب السياسي السائد في عدد من الدول. وخلال فترة حكم أوربان، صُنفت المجر باستمرار باعتبارها من أكثر الدول فسادًا في أوروبا، وفي عام 2025 جاءت في المرتبة الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي من حيث الثروة النسبية للأسر، كما عانت من تضخم مرتفع وركود اقتصادي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 وأظهرت تقارير مصورة لعقارات ريفية فاخرة بناها بعض النخب المجرية، وتضم مظاهر ثراء مبالغ فيها، حجم السخط الشعبي المتزايد تجاه الفجوة الطبقية واتساع التفاوت الاجتماعي داخل البلاد. اقرأ أيضًا: أوربان ومنافسه يتبادلان الاتهامات قبل انتخابات حاسمة في المجر رسالة المجر إلى الدول الأخرى وقالت الصحيفة إن المجر الجديدة تُرسل رسالة قوية إلى الدول الأخرى، مفادها أن الخاسر الأكبر من هذه الانتخابات هو روسيا بقيادة فلاديمير بوتين ، التي سارعت إلى الاستعانة بسيرغي كيرينكو، أحد أبرز الشخصيات النافذة في الكرملين، إلى جانب فريق من "خبراء التكنولوجيا السياسية" لدعم أوربان خلال المرحلة الانتخابية. وخلال حكم أوربان، كانت المجر تُعد الصوت الأكثر موالاة للكرملين داخل الاتحاد الأوروبي، إذ دأبت على عرقلة حزم المساعدات المقدمة إلى أوكرانيا، وتعطيل آليات صنع القرار المتعلقة بالحرب عبر إجراءات بيروقراطية معقدة، إضافة إلى تهديد المفوضية الأوروبية باستخدام حق النقض. كما كشفت تقارير صحفية، من بينها بلومبيرغ، عن نص مكالمة هاتفية جرت في أكتوبر 2025 بين أوربان وبوتين، شبّه فيها أوربان نفسه بفأر يساعد في تحرير أسد روسي محبوس، في إشارة إلى طبيعة العلاقة السياسية بين الجانبين. وجاء ذلك في سياق تقارير أخرى تحدثت عن قيام وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو وعدد من المسؤولين بتسريب مناقشات سرية داخل الاتحاد الأوروبي إلى موسكو بشكل متكرر ومنهجي. دعم ترامب لأوربان وفي ما يتعلق بالولايات المتحدة، رأت الصحيفة أن زيارة نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس،إلى بودابست قبل الانتخابات، بهدف دعم أوربان، عكست تناقضًا واضحًا، خاصة مع مطالبته بوقف التدخل الأجنبي في الانتخابات في الوقت الذي كان يمارس فيه شكلاً من أشكال هذا التدخل السياسي. وكما أشار التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعم أوربان عبر منصة "تروث سوشيال"، متعهدًا بتقديم دعم اقتصادي أمريكي كامل له، غير أن نتائج الانتخابات وضعت هذا الموقف في موقع حرج، حيث بدا ترامب في موقف الخاسر سياسيًا، على غرار ما حدث في أزمات دولية أخرى، وفق وصف التقرير. وأضافت الصحيفة أن هذه التطورات تعكس جدلًا متصاعدًا حول التدخلات السياسية الخارجية الأمريكية، رغم استمرار انتقادات البيت الأبيض للسياسات الأوروبية، خاصة في ظل رؤية إدارة ترامب التي تشير إلى أن أوروبا تواجه ما تصفه ب"محو حضاري"، وهو ما استدعى، بحسب استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، تعزيز الجهود الأمريكية لدعم ما تعتبره "مقاومة سياسية" داخل القارة الأوروبية. وأوضحت الصحيفة أن نتائج الانتخابات في المجر تمثل رفضًا واسعًا للحركات السياسية الأوسع التي يصفها الصحفي الروسي ميخائيل زيغار ب"بوتنة السياسة العالمية"، في إشارة إلى تنامي النفوذ الروسي في أنماط الحكم والخطاب السياسي. وخلال حكم أوربان، تحولت المجر إلى مركز لخطاب اليمين المحافظ المتشدد، حيث نشطت مراكز أبحاث ومنظمات فكرية مثل مؤسسة هيريتيج الداعمة لحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" ومعهد الدانوب المجري، والتي نظمت فعاليات وحوارات سياسية بارزة تنتقد ما تصفه بانحراف أوروبا نحو التقدمية المتطرفة. وكما أصبح مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC)، الذي رعاه الاتحاد المحافظ الأمريكي، حدثًا رئيسيًا في أجندة اليمين الغربي، بمشاركة شخصيات سياسية وإعلامية بارزة من بينهم رئيس الوزراء الأسترالي السابق توني أبوت، وزعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج، والإعلامي السابق في قناة فوكس نيوز تاكر كارلسون. وفي سياق موازٍ، أشارت الصحيفة إلى أن الصين تتابع عن كثب الحكومة الجديدة بقيادة ماغيار، نظرًا إلى اعتبار المجر بوابة استراتيجية داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الاستثمارات الضخمة في صناعة السيارات الكهربائية وإنتاج البطاريات، والتي تعكس تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني في البلاد. واختتم التقرير بالإشارة إلى أن التحدي الأساسي أمام القيادة الجديدة يتمثل في مدى قدرة بيتر ماغيار على الموازنة بين الحفاظ على هذه الاستثمارات الاقتصادية الكبرى، وبين تعزيز موقع المجر داخل الاتحاد الأوروبي وإعادة توجيه سياساتها الخارجية بما يتماشى مع المرحلة السياسية الجديدة.