لم تعد نيران الحرب الإسرائيلية الإيرانية حبيسة حدود الشرق الأوسط، بل امتدت نيرانها لأسواق المال والطاقة والتجارة العالمية فى مشهد يزداد تعقيدًا لوضع اقتصاد عالمى لم يتعاف من أزماته السابقة.. فمنذ عودة اندلاع الضربات المتبادلة بين تل أبيب وطهران تحوّل المشهد من صراع عسكرى إقليمى إلى زلزال اقتصادى تتداعى تأثيراته على جميع دول العالم ومع إغلاق الحرس الثورى الإيرانى مضيق هرمز، الذى يمر عبره خُمس إمدادات النفط على مستوى العالم واستهداف السفن وناقلات النفط، باتت شرايين التجارة الدولية مهددة، وأسعار النفط تتجه نحو اختراق حاجز المائة دولار للبرميل، وسلاسل الإمداد تترنح. الخبراء أكدوا أن الإدارة المصرية لديها من الخبرة والأدوات ما يؤهلها لاحتواء الصدمات، حيث جرى تفعيل غرفة الأزمات بمجلس الوزراء لمواجهة التداعيات الناتجة عن تلك الحرب، فقد استطاعت مصر خلال السنين الماضية بناء مخزون استراتيجى كبير من الأدوية والسلع والمواد الخام بكميات تخطت الستة أشهر، كما تمتلك مصر طاقة تخزينية للمواد البترولية تكفى لنحو 30 يومًا مع استمرار توريد ثلاث سفن تغييز بتعاقدات طويلة الأجل مع خمس شركات عالمية فى الوقت، الذى نجحت فيه وزارة البترول بتوسع فى الانتاج المحلى من خلال إدخال العديد من الآبار الجديدة إلى الانتاج لزيادة المعروض وتلبية احتياجات السوق المحلى وضمان توافر مخزون مستدام. اقرأ أيضًا| ارتفاع سعر الدولار وانخفاض «اليورو والاسترليني» بسبب حرب أمريكا على إيران سوق النفط قال د. جمال القليوبى أستاذ هندسة البترول والطاقة إن التأثير الأكبر للنزاع العسكرى الدائر يتجلى فى انتقاله من مواجهة مباشرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران إلى حرب أفقية تمتد لتشمل منطقة الخليج بأسرها، مستعينًا بنظرية الأوانى المستطرقة لتفسير هذا التمدد الخطير. ولفت إلى أن منطقة بحر العرب تضم خمس دول ذات ثقل استراتيجى بالغ فى منظمة أوبك، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 21 مليون برميل يوميًا، مما يجعل أى اضطراب فيها ضربة مباشرة لقلب سوق النفط العالمى. وأشار القليوبى إلى أن إقدام إيران على غلق مضيق هرمز وتوقف نحو 280 ناقلة للنفط والغاز الطبيعى داخل بحر العرب دون أن تتمكن من المغادرة، ينذر بشلل وشيك فى سلاسل الإمداد العالمية، وتعطّل التعاقدات بين الشركات الدولية وشركات أوبك، مما سيُلقى بظلاله السلبية على اقتصادات الاتحاد الأوروبى والصين والهند على حدٍّ سواء. ارتفاعات حادة وتوقع القليوبى فى حال اتساع رقعة النزاع أن تشهد أسعار النفط ارتفاعات رأسية حادة قد تبلغ حاجز 100 دولار للبرميل فى غضون أسبوع إلى عشرة أيام، ما لم تتدخل الولاياتالمتحدة بضخ جزء من مخزونها الفيدرالى فى الأسواق العالمية لامتصاص حدة هذا الارتفاع المتسارع. ورسم القليوبى ثلاثة سيناريوهات للخروج من هذا المأزق يقوم أولها على إعلان الولاياتالمتحدة ضخ نحو 4.5 مليون برميل يوميًا من مخزونها الفيدرالى لامتصاص الارتفاعات فى الأسعار. أما السيناريو الثانى فيرتكز على تشكيل قوة عسكرية مشتركة من حلف الناتو والصين لتأمين الأساطيل التجارية فى بحر العرب عبر مضيق هرمز، فى حين يعتمد السيناريو الثالث على الاستعانة بطاقات إنتاجية بديلة من دول كالبرازيل والسنغال وأنجولا ونيجيريا، غير أن القليوبى استبعد أن تُسهم هذه الدول مجتمعةً فى تعويض أكثر من 9 ملايين برميل يوميًا، مقارنة ب21 مليون برميل تنتجها منطقة الخليج، مما يعنى بقاء الأسعار فوق سقف ال100 دولار. وعلى الصعيد المحلى، أشاد القليوبى بما حققه قطاع البترول من إنجازات استباقية، أبرزها تأمين ثلاث سفن تغييز بتعاقدات طويلة الأجل مع خمس شركات عالمية، مما يضمن استمرار استقبال الغاز المسال فى الموانئ المصرية بصورة منتظمة. كما أسهمت الإضافة المستمرة لآبار إنتاج جديدة فى رفع القدرة الإنتاجية المحلية وزيادة المعروض. ونوّه إلى أن مصر تمتلك طاقة تخزينية للمواد الوقودية تكفى لنحو 30 يومًا، مما يتيح لها وقتًا كافيًاً لاستكشاف البدائل وتفعيلها عبر استيراد الزيت الخام وتصنيعه محليًا، من خلال مسارات إمداد بديلة. ارتدادات اقتصادية كما أكدت د. نورهان الشيخ عضوة مجلس الشيوخ وأستاذة العلوم السياسية أن الحرب الإسرائيلية الإيرانية تنذر بارتدادات اقتصادية تتجاوز منطقة الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمى. ولعل أولى هذه التداعيات يتمثل فى اضطراب أسواق الطاقة وموجة ارتفاع حاد فى أسعار النفط التى من المتوقع أن تتجاوز 100 دولار للبرميل وكانت أسعار النفط قد بدأت بالفعل بالارتفاع يوم الجمعة، مدفوعة بالقلق من عدم إحراز تقدم فى المفاوضات بين إيرانوالولاياتالمتحدة، وأغُلق سعر خام برنت عند 72.87 دولار للبرميل. وأوضحت الشيخ أن الولاياتالمتحدة تعتبر المستفيد الأول من هذا الارتفاع باعتبارها أكبر منتج ورابع أكبر مصدر للنفط فى العالم، فى حين تعد الصين، أكبر مستورد للطاقة فى العالم، والشريك الأساسى والأهم لإيران، الأكثر تضررًا كما سيزداد الأمر حدة حال استمرار غلق إيران مضيق هرمز، الذى يتدفق عبره نحو خُمس إمدادات النفط فى العالم بالقوة سواء باستخدام الألغام أو ضرب السفن المارة. وأكدت الشيخ ان امتداد الصراع إلى البحر الأحمر قد يحدث اضطرابا شديدا فى حركة الملاحة المضطربة بالأساس منذ عام 2023، ليس فقط التأثير على سلاسل الإمداد والتوريد للسلع ومدى اتاحيتها، ولكن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين ومن ثم أسعار هذه السلع، الأمر الذى ينذر بموجة تضخم عالمى فى وقت لم يتم التعافى من الموجات السابقة، التى أعقبت الأزمة الأوكرانية. وأضافت الشيخ أن التهديدات الناجمة عن الحرب الإسرائيلية الإيرانية تقتضى تحركًا سريعًا وفعالًا لتعظيم الفرص المتاحة، واستثمار كون مصر البديل الأمثل لحركة الطيران العالمى من أوروبا إلى آسيا، والتسويق لمصر كوجهة سياحية آمنة قادرة على استيعاب السياحة، التى كانت تتجه للدول الأخرى فى المنطقة. تطورات جيوسياسية من جانبه، حذر د. شريف فاروق خبير العلاقات الدولية، من التطورات الجيوسياسية، التى تعصف بمنطقة الشرق الأوسط منذ عام 2023 فلا تزال تُلقى بظلالها الثقيلة على المشهد الإقليمى والدولى، مؤكدًا أن تجدد الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران وامتدادها إلى بعض دول الخليج العربى، يجعل تداعيات هذا الصراع أبعد من أن تقتصر على المشهد الاقتصادى الإقليمى وحده، بل ستمتد آثاره لتطال الاقتصاد الدولى برمته. وأوضح فاروق أن أسواق الطاقة تتصدر قائمة التداعيات المترتبة على هذا الصراع، لافتاً إلى أن إيران لاعب محورى فى سوق النفط العالمى بإنتاج يبلغ نحو 3.3 مليون برميل يوميًا، ودخولها فى صراع مباشر يعنى بالضرورة ضررًا مباشرًا يلحق بهذه الأسواق الحيوية. وأضاف أن امتداد الصراع إلى دول الخليج العربى قد يُفضى إلى ارتباك حاد فى أسواق الطاقة العالمية إذا لم تُحسم ديناميات هذا الصراع فى أقرب وقت ممكن، منبهًا إلى أن توقف الأعمال أو تضرر البنية التحتية فى منطقة الخليج. سلاسل الإمداد وأشار فاروق إلى أن تداعيات الصراع لن تقتصر على أسواق الطاقة وحدها، بل إن آثاره مرشحة للانتقال إلى شرايين التجارة العالمية وسلاسل الإمداد بين الشرق والغرب، موضحاً أن إيران تسيطر على مضيق هرمز الذى يعبر منه نحو 25٪ من إمدادات النفط والغاز المسال على مستوى العالم، وأن أى تهديد للملاحة عبر الخليج العربى فى حال تعقد هذا الصراع وتشابكت أحداثه قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز مستويات قياسية غير مسبوقة.. ولفت إلى أن مؤشرات هذا القلق باتت جلية فى ارتفاع أسعار الذهب بأكثر من 90 دولارًا مع اندلاع الضربات، فى مشهد يعكس هروب رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، فضلًا عن موجات بيع متسارعة أثرت على البورصات العالمية. وكلاء إيران وحذر فاروق من أنه مع استمرار الصراع، ستنتقل تأثيراته إلى الممرات البحرية الأخرى عبر وكلاء إيران فى المنطقة، الذين قد يستهدفون المصالح الأمريكية والإسرائيلية والتجارة الدولية المارة من تلك الممرات، مما قد يُفضى إلى شلل فى الصناعات العالمية وارتفاع جنونى فى تكاليف الشحن والتأمين البحرى ناهيك عن التأثير السلبى البالغ على قطاعات السياحة فى المنطقة جراء تلك التوترات الجيوسياسية والعسكرية. وأكد فاروق أن الإدارة المصرية تتفهم تمامًا حجم المخاطر والتهديدات الجيوسياسية الاستثنائية، التى تواجه المنطقة، وأنها تمتلك من الخبرات ما يؤهلها للتعامل مع هذه الأزمات.