«تبسمك فى وجه أخيك صدقة».. «قضاء حوائج الناس صدقة».. «زيارة مسن هجره أولاده وأحبابه وتحججوا بالظروف والشغل وضيق الوقت صدقة». يطل علينا شهر رمضان الكريم بنفحاته المعطرة بالحب والجمال. حب الخير والعطاء، جمال أن تعيش إنسانيتك وسط مشاعر روحانية تغسل النفس، وتطهر الروح. كل منا له طقوسه خلال الشهرالمبارك. الصوم والصلاة أولها، فهى الفروض التى لابد من الالتزام بها. الزكاة والتصدق، التفكير والتدبر فى معنى وجودنا على هذه الأرض، وما الذى نتمنى أن يبقى منا بعدما تنتهى الرحلة، وتمضى الحياة؟. أتابع سباق الخير الذى يتبارى الكثيرون فى الفوز فيه بفرح لا يخلو من دهشة وتساؤل، لماذا يحدث هذا فى شهر رمضان فقط؟ لماذا لا يكون العطاء ثقافة، وتتعدد صوره فى مجتمعنا المصرى العريق؟ «تبسمك فى وجه أخيك صدقة».. «قضاء حوائج الناس صدقة».. «زيارة مسن هجره أولاده وأحبابه وتحججوا بالظروف والشغل وضيق الوقت صدقة»، هذا كله إلى جانب الصدقات المادية المعروفة لنا جميعًا. أحب الصلاة فى المساجد فى هذا الشهر الكريم، وأحزن فى اليوم الذى يمنعنى انشغال أو إجهاد عن صلاة التراويح. أحب كذلك لمة العائلة والأحباب، تلك الطقوس الرمضانية المصرية الخالصة، أتابع مسلسلين أراهما من أجمل الأعمال الدرامية التى شاهدتها هما: «عين سحرية» و»هى كيميا». سوف أكتب عنهما بالتفصيل بعد انتهاء عرضهما. رمضان كريم، والله أكرم. السماء الثامنة رواية «السماء الثامنة» للأديب القدير محمد سلماوى واحدة من أهم أعماله الروائية فى رأيى. فقد نجح فى صياغة الحكاية الإنسانية بأسلوب غنى، مشاعر متدفقة وحقيقية. وأن يتلاقى السرد فى خطيه المتوازيين (الخاص والعام) فى تقاطعات مقنعة وملهمة. يمتزج الألم الشخصى بالوجع العام وهى تيمة تكررت فى العديد من أعماله الأدبية. نجد مأساة فلسطينية معاصرة تشعل شرارة الأحداث، وتقلب حياة بطلة العمل رأسًا على عقب. رواية تُعيد قراءة الذات والذاكرة وتُحرك الأسئلة الكبرى فى العلاقة بين الفرد والعالم. تبدأ الرواية بصدمة تتلقاها «إيمان» الشخصية المحورية فى الرواية. خبر صحفى عن استشهاد الطبيب المصرى عمر المهدى فى غزة أثناء تأديته لواجبه الإنسانى، يتحول الخبر إلى تجربة عميقة تعيشها إيمان، حيث يطل عليها الماضى حاضرًا، نابضًا بالحياة، ليصطدم بحاضر شديد الاختلاف، وحياة بعيدة كل البعد عن كل ما عاشته فى الماضى. هذه اللحظة الفارقة تحدث نقطة تحول فى حياة «إيمان» فتبدأ رحلة داخلية عميقة تعيد النظر فى تصوراتها عن الحب والحياة والاستقرار. هذا التحول يكشف نية سلماوى فى بناء روائى يوازى بين الحدث العام (مأساة غزة) والداخلى (الجرح النفسى والذاكرة المتألمة)، وهو ما يمنح الرواية بعدًا نفسيًا وإنسانيًا عميقًا. أحد أوجه قوة الرواية هو صيغتها فى تصوير «العلاقة الإنسانية» فى مواجهة ظروف تغير مسار الشخصيات، فاسم عمر المهدى لا يبقى مجرد شخصية تُستشهد، بل يصبح رمزًا للالتزام الأخلاقى والإنسانى الذى يذهب أبعد من حدود المهنة، وهو ما يجعل الرواية تسأل بشكل عميق: متى يتحول العمل العادى إلى فعل مقاومة؟ وكيف يمكن للضمير أن يُعيد تشكيل هوية الفرد أمام الموت والمعاناة؟. الصمت والإغراق فى الاستقرار لم يعدا كافيين فى مواجهة ما يحدث فى واقعنا العربى، وهو ما يجعل «إيمان» تعيد تقييم حياتها وتاريخها الشخصى، فتتحول الرواية إلى رواية «تحرر فردى» فى لحظة مواجهة الحقيقة، كما لو أنها دعوة لعدم الاستسلام للروتين أو النسيان. من حيث الأسلوب، يوازن سلماوى بين السرد الواقعى المؤثر واللغة الشعرية عندما تطل الذاكرة كعنصر فاعل فى التدفق والدفع الدرامى، فالحب القديم الذى يعود فى لحظة اختبار، والذكريات التى تتقاطع مع الأحداث المعاصرة، كلها عناصر تجعل القراءة تجربة عاطفية وفكرية فى آن واحد. كما أن الإحالة إلى الأماكن والتفاصيل الثقافية - مثل الجامعة، والكافتيريا، وجزيرة النباتات - تُضيف عمقًا موحّيًا للهوية والنوستالجيا. أعجبتنى الفقرة التى تخللت أحداث الرواية التى وصف فيها الكاتب تاريخ قهوة الفيشاوى، وقال إنها تأسست عام 1772 وقت الحكم العثمانى، وحكى عن الصالات الثلاث الموجودة داخل المقهى وهى: صالة «البوسفور» المخصصة لكبار الضيوف، التى كان الملك فاروق يجلس فيها حين يأتى إلى الفيشاوى فى شهر رمضان، وصالة «التحفة»، التى كانت مفضلة عند الفنانين من الموسيقيين والأدباء والشعراء. وصالة «القافية» التى جلس فيها نجيب محفوظ فى شبابه، حيث كان يحلو له أن يتبارى مع كبار «القافيجية» وعادة ما كان يغلبهم جميعًا فى «القافية». فى النهاية تُمثّل «السماء الثامنة» عملًا روائيًا مؤثرًا يتجاوز القالب التقليدى للسرد الواقعى ليخلق فضاءه الإنسانى الخاص، ويطرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن للأحداث الكبرى أن تعيد تشكيل الشخصيات وتحرّرها من قيود الماضى؟ إنها رواية الذاكرة، التضحية، والبحث عن معنى حقيقى للحياة فى زمن مصطنع يملؤه الزيف. الرواية صدرت فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026 عن دار الكرمة. قمر سيدنا النبى فى زمن يشهد العديد من تحولات اللغة والهوية، اختارت الكاتبة حنان صبرة أن تكتب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنجليزية، لا بوصفها ترفًا ثقافيًا، بل استجابة واعية لتحول عميق فى أجيال جديدة من المراهقين الذين يقرأون بالإنجليزية بطلاقة، بينما تتراجع علاقتهم بالقراءة العربية. إنها خطوة جريئة تذهب إلى القارئ حيث هو، أملًا فى أن تشجعه الخطوة الأولى إلى أن يذهب حيث نريده أن يكون. الكتاب موجّه أساسًا إلى المراهقين الذين يتعاملون يوميًا مع الإنجليزية كلغة تعليم وثقافة رقمية وفضاء تواصل. لذلك فهى لم تختر الإنجليزية تخليًا عن العربية، بل خاضت مغامرة ذكية لبناء جسر نحوها. الكاتبة هنا تدرك أن شدّ القارئ إلى فعل القراءة هو الخطوة الأولى التى يجب أن تخطوها، وأن تقديم سيرة النبى بلغة مألوفة لدى الشباب الصغير (اليافعين) قد يفتح بابًا للفضول يقوده للبحث، ثم اكتشاف الجذور. تقدّم الكاتبة السيرة النبوية بأسلوب مبسط، سلس، بعيد عن التعقيد الأكاديمى أو الوعظ المباشر. تركّز على البعد الإنسانى فى شخصية الرسول: رحمته، صدقه، شجاعته، صبره، وإدارته للخلاف بالحكمة. إنها سيرة تُروى بوصفها قصة حياة ملهمة، يمكن لمراهق يعيش فى القرن الحادى والعشرين أن يتماهى معها، لا أن يشعر أنها بعيدة عن زمنه. الأهمية الحقيقية لهذا المشروع تكمن فى فلسفته الثقافية. فاللغة هنا أداة وصول لا أداة انتماء نهائى. الكاتبة تذهب إلى المساحة التى يعرفها الشباب ويتعاملون من خلالها «الإنجليزية» علهم عبر هذا الباب، يبحثون لاحقًا عن عمقهم العربى المصرى الإسلامى. كأنها تقول لهم: لن أطالبكم بالعودة فورًا، لكننى سأرافقكم خطوة أولى فى الطريق. فى زمن تتنازع فيه الهويات، وتتصاعد فيه الصور المشوهة عن الإسلام فى بعض المنصات العالمية، يصبح تقديم سيرة النبى بلغة عالمية عملًا تنويريًا بامتياز. إنه دفاع هادئ عبر السرد، وتصحيح للصورة عبر القصة، وبناء لجسر بين جيل يعيش بلغتين ويبحث عن معنى ثابت لحياته فى عالم مرتبك. كتاب حنان صبرة ليس مجرد سيرة بالإنجليزية، بل هو مشروع تربوى وثقافى يراهن على الوعى لا على الفرض، وعلى الجذب لا على الإلزام، وعلى أن الطريق إلى الهوية قد يبدأ أحيانًا بكلمة إنجليزية لكنها تقود فى النهاية إلى جذور عربية راسخة.