في تحدٍّ صريح للضغوط الأمريكية المتصاعدة، تصر طهران على رفض مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف تخصيب اليورانيوم والحد من برنامجها الصاروخي الباليستي، معتبرة هذه المطالب تهديدًا مباشرًا لسيادتها وبقاء نظامها، كما يعتبر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي التخصيب النووي ركيزة أساسية للنظام وحقًا سياديًا غير قابل للتنازل، بينما تنظر طهران لصواريخها الباليستية القادرة على الوصول إلى إسرائيل كعنصر حيوي للدفاع عن النفس. معادلة البقاء كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن تباين خطير في الإدراك بين واشنطنوطهران يدفع المنطقة نحو صراع عسكري يبدو شبه حتمي، فبينما تعتقد إدارة ترامب أن ضعف إيران الاقتصادي والعسكري يجب أن يدفعها للاستسلام، يرى النظام الإيراني أن الرضوخ للمطالب الأمريكية يشكل تهديدًا أكبر لبقائه من مخاطر المواجهة المسلحة. وأوضح ساسان كريمي، عالم السياسة بجامعة طهران الذي شغل منصب نائب نائب الرئيس للاستراتيجية في الحكومة الإيرانية السابقة، أن "تجنب الحرب أولوية قصوى، لكن ليس بأي ثمن"، مشيرًا إلى أن الدولة الأيديولوجية قد تُقيّم مكانتها التاريخية بأهمية تساوي أو تفوق بقاءها الفوري. وأكد داني سيترونويتش، الخبير في مجلس الأطلسي الذي ترأس سابقًا فرع إيران في الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية، أن خامنئي يصر على التخصيب النووي باعتباره "ركيزة للنظام نفسه"، محذرًا من أن تنازل القادة الإيرانيين على هذه النقاط "سيقوض وجود النظام ذاته". وأضاف: "أعتقد أنه ليس لديهم خيار آخر سوى المراهنة على الجانب العسكري". المطالب الأمريكية والخطوط الحمراء الإيرانية ذكرت الصحيفة الأمريكية أن إدارة ترامب تطالب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لضمان عدم تطوير إيران لسلاح نووي، إلى جانب تقييد مدى الصواريخ الباليستية وإنهاء الدعم للميليشيات الحليفة في المنطقة، إلا ان طهران، التي تؤكد أن برنامجها النووي لأغراض سلمية، تعتبر التخصيب النووي حقًا يدافع عنه المرشد الأعلى ولا يمكن لمسؤوليه التخلي عنه. وكرر خامنئي في خطاب عام 2024 أن "الطاقة النووية ليست المشكلة، ولا حقوق الإنسان؛ مشكلة أمريكا هي مع وجود الجمهورية الإسلامية نفسه". حيرة أمريكية أمام الإصرار الإيراني أعرب المسؤولون الأمريكيون عن حيرتهم من الموقف الإيراني رغم الحشد العسكري الأمريكي الضخم في الخليج العربي، بما يشمل مجموعتي حاملتي طائرات، وحشد طائرات الاستطلاع والتزود بالوقود عبر الشرق الأوسط. ووصف ستيف ويتكوف، كبير المفاوضين الأمريكيين مع إيران، الرئيس ترامب بأنه "فضولي حول سبب عدم استسلامهم"، بينما قال نائب الرئيس جي دي فانس لشبكة فوكس نيوز الأسبوع الماضي إن الإيرانيين "ليسوا مستعدين بعد للاعتراف فعليًا والعمل على" مطالب الرئيس، رغم التهديد بالحرب. محادثات جنيف من المقرر أن يلتقي مسؤولون أمريكيون وإيرانيون في جنيف الخميس المقبل في محادثات تُعتبر محاولة أخيرة لإيجاد حل وسط قبل أن يأمر ترامب بتوجيه ضربة عسكرية. وبحسب مصادر مطلعة على المداولات الداخلية للإدارة الأمريكية، سيدرس الجانبان اقتراحًا يوفر مخرجًا من الحرب، وهو السماح لإيران ببرنامج تخصيب نووي محدود لأغراض مدنية. سيناريوهات المواجهة واستراتيجية الصمود الإيرانية أشارت الصحيفة إلى أن طهران قد تحاول محاكاة نجاح ميليشيا الحوثي الحليفة في اليمن، التي أفشلت حملة عسكرية أمريكية عام 2025 هدفت لوقف هجماتهم على الشحن الدولي في البحر الأحمر، في مواجهة استمرت 31 يومًا كلفت واشنطن أكثر من مليار دولار، مما دفع ترامب للتوصل لصفقة بدلاً من المخاطرة بورطة عسكرية طويلة الأمد. ويقول محمد علي شعباني، محلل الشؤون الإيرانية، إن إيران قد تشن هجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز أو تطلب من حلفائها الحوثيين ضرب سفن في البحر الأحمر، ما قد يرفع أسعار البنزين بدولار أو دولارين للجالون، وهو ما قد يشكل خطرًا كبيرًا على ترامب قبل الانتخابات النصفية في الخريف. وأوضح فرزين نديمي، المحلل الدفاعي المتخصص في إيران بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن طهران ستسعى على الأرجح لاستيعاب ضربات محدودة والاكتفاء بالرد بهجمات على القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط كما فعلت في يونيو الماضي. لكن إذا اختار ترامب التصعيد، فسيتعين على القوات الأمريكية، بمساعدة إسرائيل، السباق في الأيام الأولى لتدمير أكبر قدر من القدرات العسكرية الإيرانية لإعاقة محاولة انتقام أشد ضراوة وأوسع نطاقًا، وهو ما يتطلب "جهدًا مكثفًا من الولاياتالمتحدة وإسرائيل - ليس القوة الجوية فقط، بل أيضًا عناصر برية - للتأكد من تحييد تهديد صواريخهم". استعدادات إيرانية لضمان بقاء النظام نقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين وإقليميين قولهم إن طهران استفادت من دروس الحرب الأخيرة وأعدت طبقات قيادية متعددة لاستبدال أي قائد يُقتل، بهدف ضمان بقاء النظام حتى لو لم ينجُ خامنئي وقادة آخرون. ويقول مسؤولون إقليميون يتحدثون مع طهرانوواشنطن إن هدف ترامب، في حال قرر الضربة، سيكون على الأرجح صدم القيادة الإيرانية بشدة كافية لإجبارها على العودة لطاولة المفاوضات بشروطه، إلا ان عدة خبراء أكدوا أن إيران رفضت الرضوخ للشروط الأمريكية بعد الحرب الأخيرة، وأنها لو نجت من حرب أخرى فستواصل الرفض على الأرجح. واختتم واعظ بالقول: "الاعتقاد بأن الحرب في كل مرة إما تجعل إيران أكثر مرونة أو تسهّل الدبلوماسية ليس سوى وهم".