في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة والتحديات غير المسبوقة التى تحيط بالمنطقة تتكثف التحركات المصرية على مختلف المسارات السياسية والإنسانية والأمنية، انطلاقًا من ثوابت راسخة تحكم السياسة الخارجية المصرية، وتتحرك مصر وفق رؤية استراتيجية متكاملة تستند إلى الشرعية الدولية، وصون الدولة الوطنية، وترسيخ الاستقرار في العديد من الملفات، ومنها غزة والسودان وإيران وليبيا ولبنان وتركيا، فضلًا عن التحرك المصري داخل الاتحاد الإفريقي، والدور الفاعل فى الصومال، وقضية الأمن المائي. بهذه الرؤية المتكاملة، تؤكد مصر عبر دبلوماسيتها النشطة أنها تتحرك وفق منهج ثابت يجمع بين الواقعية السياسية والالتزام القانونى والبعد الإنساني، واضعة نصب أعينها هدفًا رئيسيًا يتمثل في صون الدولة الوطنية، وتعزيز الاستقرار، وحماية المصالح القومية في محيط إقليمي شديد التعقيد، هذا ما أكده السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، في حواره التالي. ◄ كيف تقِّيمون التطورات الجارية في قطاع غزة، وما طبيعة التحرك المصري خلال هذه المرحلة الدقيقة؟ نواصل دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة الدكتور على شعث دعمًا عمليًا يمكّنها من الاضطلاع بمسئولية إدارة الشئون اليومية وتوفير الخدمات الأساسية فى ظل ظرف بالغ التعقيد، إلى حين عودة السلطة الفلسطينية لتولى مسئولياتها كاملة واستعادة المسار المؤسسى الطبيعى للقطاع. ويهدف هذا الترتيب المؤقت إلى منع الفراغ الإدارى وضمان استمرار الخدمات الحيوية للمواطنين. كما نرى أن نشر قوة استقرار دولية سيمثل ضمانة حقيقية لتحويل وقف إطلاق النار إلى التزام مستدام يمكن البناء عليه سياسيًا وإنسانيًا. وأكد أن معبر رفح مفتوح فى الاتجاهين، وأن البعد الإنسانى بالنسبة لمصر التزام ثابت لا يخضع للمواءمات، بل يعكس مسئولية مستمرة تجاه الشعب الفلسطيني. فمصر تتحرك انطلاقًا من التزام أخلاقى وقانونى وإنسانى واضح، وتعمل بالتوازى على تثبيت التهدئة وتهيئة الظروف لمسار سياسى شامل. ◄ اقرأ أيضًا | وزير الخارجية يتلقى اتصالاً من نظيره الفنزويلي لبحث تعزيز العلاقات الثنائية ◄ وماذا عن محددات الموقف المصري تجاه الأزمة في السودان؟ ما يحكم موقفنا تجاه السودان ليس حسابات ظرفية، وإنما إدراك استراتيجى عميق بأن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الإقليم بأسره. ومن هذا المنطلق نتمسك بوحدة الدولة السودانية والحفاظ على مؤسساتها الوطنية باعتبارهما عنصرين جوهريين لأى تسوية ذات معنى. ونرفض أى توجهات من شأنها إضعاف كيان الدولة أو فتح الباب أمام سيناريوهات التفكك. والتطورات المؤلمة التى شهدتها بعض المناطق، وعلى رأسها كردفان والفاشر، تعكس خطورة استمرار الصراع دون أفق سياسى واضح. ولذلك نكثف التشاور مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وندعم كل جهد يستهدف التوصل إلى هدنة إنسانية توقف التدهور الميدانى وتمنح السودانيين فرصة لإعادة ترتيب المسار السياسي. وفى تقديرنا، لا يمكن لأى حل أن يُكتب له النجاح ما لم ينبع من إرادة وطنية سودانية خالصة، بدعم إقليمى ودولى منسق. وتشارك مصر بفاعلية فى مختلف الآليات التشاورية الرامية إلى تقريب وجهات النظر وتهيئة المناخ لتسوية شاملة ومستدامة. ◄ كيف تنظر مصر إلى التطورات المرتبطة بإيران وتصاعد التوتر في المنطقة؟ تكثف مصر تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء التوتر وخفض التصعيد انطلاقًا من مسئوليتها الإقليمية وحرصها على دعم الأمن والاستقرار. ونؤكد أن اللحظة الراهنة تتطلب تغليب صوت الحكمة والحوار، لأن البديل هو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار. كما نؤكد أن المسار التفاوضى وحده الكفيل بالتوصل إلى تفاهمات تراعى شواغل جميع الأطراف على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق، نعلن دعمنا الكامل للمفاوضات بين الولاياتالمتحدة وإيران التى استضافتها سلطنة عُمان الشقيقة، ونأمل أن تمثل هذه الجهود خطوة جادة نحو تحقيق انفراجة حقيقية تعزز الاستقرار الإقليمي. ◄ ما تقييمكم لمسار العلاقات «المصرية التركية»؟ العلاقات بين مصر وتركيا تشهد نسقًا تصاعديًا خلال السنوات الأخيرة، والمرحلة الراهنة تتسم بتطور نوعى قائم على ترسيخ التعاون المؤسسى وترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية، وجاء انعقاد الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى فى القاهرة تأكيدًا لهذا المسار، مع التركيز على دفع التعاون فى قطاعات اقتصادية وتنموية متعددة. وهناك هدف واضح يتمثل فى رفع حجم التبادل التجارى إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة والتعاون الصناعى ونقل التكنولوجيا، فضلًا عن مجالات الطاقة، بما فى ذلك الطاقة المتجددة، بما يحقق المنفعة المتبادلة ويدعم جهود التنمية فى البلدين. ◄ كيف تتحرك مصر لدعم الاستقرار في لبنان؟ تركز جهودنا على دعم وتمكين مؤسسات الدولة اللبنانية لترسيخ سلطتها على كامل أراضيها، بما يعزز الوحدة الوطنية ويحفظ السلم الأهلى، كما نشدد على ضرورة الاحترام الكامل لسيادة لبنان ووقف كافة الانتهاكات الإسرائيلية للأراضى اللبنانية، والالتزام بالمرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة، لأن هدفنا هو تهيئة مناخ من التهدئة المستدامة يرسخ أمن واستقرار لبنان ويصون مصالح شعبه. ◄ ما أولويات مصر في الملف الليبي؟ ليبيا تكتسب أهمية خاصة لمصر بحكم الجوار والروابط التاريخية والشعبية، فضلًا عن ارتباط استقرارها بالأمن القومى المصرى واستقرار المنطقة بأسرها، وتواصل مصر دعمها الكامل للحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية. والأولوية هى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة بملكية وقيادة ليبية، وبتيسير من الأممالمتحدة، بما يضمن إجراء الاستحقاقات الانتخابية بصورة متزامنة وشفافة. كما أن خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة يمثل عنصرًا أساسيًا لترسيخ الأمن والاستقرار على كامل الأراضى الليبية. ◄ كيف تدعم مصر وحدة واستقرار الصومال؟ يمر الصومال الآن بمرحلة دقيقة، ومصر تواصل دعمها الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه واحترام سيادته ومؤسساته الوطنية، ونرفض أى تدخلات خارجية تمس استقراره. وتشارك مصر بفاعلية فى بعثة الاتحاد الإفريقى للدعم والاستقرار فى الصومال، كما تعكس زيارة الرئيس حسن شيخ محمود الأخيرة إلى القاهرة عمق العلاقات التاريخية والأخوية، وحرص القيادتين على تعزيز التنسيق والتشاور إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، لدعم مؤسسات الدولة الصومالية وتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية والتنموية. ◄ كيف تصفون محددات الموقف المصري في ملف الأمن المائي؟ الأمن المائى المصرى قضية وجودية لا مساس بها، إذ يرتكز موقفنا على الالتزام بقواعد القانون الدولى المتعلقة بالموارد المائية المشتركة، وترفض مصر الإجراءات الأحادية المخالفة لهذه القواعد فى حوض النيل الشرقي. ونؤكد أن التوافق يجب أن يكون المبدأ الحاكم للعلاقات بين الدول المشاطئة فى المجارى المائية العابرة للحدود. ونرحب باهتمام الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالأمن المائى المصرى وتفهمه لأهمية نهر النيل باعتباره شريان الحياة للشعب المصري. وقد حرصت مصر دائمًا على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل على أساس مبادئ القانون الدولي، بما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأى طرف. وهذه ثوابت راسخة تحكم تحركنا الدبلوماسى فى هذا الملف الحيوي.