يظن بعض الصائمين أن الصوم إنما هو صوم عن الطعام والشراب والعلاقات الزوجية فحسب، مع أن حقيقة الصوم أعلى من هذا وأجل. فثمة فريق من الصائمين يصوم عن تلك الممنوعات، ويفطر على غيرها من المُحرمات. ومن أهم تلك المُحرمات: الغيبة والنميمة، وفى هذا الشأن أخذنا رأى علماء الدين.. تقول د. رابعة عيد، مدرسة الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة: إن شهر رمضان صيامه عظيم لتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق، إذ لم يُشرَع الصيام لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل لتحقيق التقوى كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ومن أعظم ما ينافى مقصد الصيام الوقوع فى آفات اللسان، وعلى رأسها: الغيبة والنميمة، لما فيهما من اعتداء على أعراض المسلمين وإفساد ذات البين. فيُفترض بالصائم أن يصوم بجميع جوارحه لا ببطنه وفرجه فقط، فقد اتفق الفقهاء على أن الغيبة والنميمة مُحرمتان شرعاً، فالغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، والنميمة: نقل الكلام بين الناس بغرض الإفساد، وقد ورد فى الترهيب منهما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، وقول النبى : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». وعن أثر الغيبة والنميمة على الصوم، أوضحت «عيد» أن الفقهاء اختلفوا فى تأثيرهما على صحة الصيام؛ يرى جمهور الفقهاء أنهما لا يُبطلان الصيام لكنهما يُذهبان أجر الصيام وكأنه لم يصم، لقوله : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». وذهب فريق آخر إلى أن المعاصى كالغيبة تبطل الصوم ويجب قضاؤه، واستدلوا بقوله : «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ». فمن أتى بالمحارم انتقض صومه عند أصحاب هذا الرأى، بينما فرق الجمهور بين صحة العبادة وكمال أجرها، فالصائم قد يصح صومه من حيث إسقاط الفرض، لكنه يُحرم الأجر بسبب آفات اللسان. من جانبها، أكدت د. رحمة دويدار، مدرسة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أن الغيبة والنميمة من الآفات الأخلاقية الخطيرة التى تهدم الروابط الاجتماعية وتنمى الكراهية، فالغيبة ذكر الإنسان أخاه بما يكره فى غيابه، والنميمة نقل الكلام بقصد الإفساد حتى لو كان حقاً. والغيبة مُحرمة بالكتاب والسنة والإجماع وهى من الكبائر لقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. وقد روى أن النبى سمع صوت إنسانين يُعذبان فى قبورهما وكان أحدهما «يمشى بالنميمة»، وقد أجمعت الأمة على تحريمهما وأنهما من أعظم الذنوب عند الله سبحانه وتعالى.