تحل الذكرى الرابعة لرحيل الكاتب الصحفي الكبير ياسر رزق، باعتبارها مناسبة لاستدعاء تجربة مهنية فارقة في تاريخ الصحافة المصرية المعاصرة، تجربة تجاوزت حدود المناصب لتصوغ مدرسة في الفهم والتحرير والانفراد والمسؤولية. لم يكن ياسر رزق مجرد رئيس تحرير أو رئيس مجلس إدارة، بل كان نموذجًا للصحفي الذي آمن بالكلمة بوصفها أمانة، وبالمعلومة باعتبارها حقًا عامًا، وبالصحافة كسلطة وعي لا تقل أهمية عن أي سلطة أخرى في المجتمع. مسيرة مهنية صاغت صناعة القرار اتسمت مسيرته المهنية بقدرة لافتة على الجمع بين الخبر والتحليل، وبين سرعة الأداء وعمق الرؤية، ومنذ بداياته داخل مؤسسة أخبار اليوم، بدا واضحًا شغفه بالعمل الميداني، وهو ما انعكس في تنقلاته المبكرة بين أقسام الجريدة، قبل أن يستقر محررًا عسكريًا ثم مندوبًا لها في رئاسة الجمهورية، حيث تشكل وعيه السياسي وتعمقت خبرته بطبيعة صناعة القرار، وهو ما سيظهر لاحقًا بوضوح في كتاباته وتحقيقاته الصحفية وانفراده بالمعلومات الدقيقة. كان انتقاله إلى رئاسة تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون محطة كاشفة عن قدرته الإدارية والتنظيمية، حيث تعامل مع مطبوعة متخصصة بروح الصحفي الشامل، فطور المحتوى وربط الإعلام المرئي بالمشهد العام للدولة والمجتمع، دون أن يفقد الحس المهني أو يغرق في الخطاب الإنشائي. صاحب الانفراد الصحفي بمعلومات موثقة وعندما عاد إلى مؤسسة أخبار اليوم رئيسًا لتحرير جريدة الأخبار في يناير 2011، جاء في لحظة شديدة الحساسية، تزامنت مع تحولات سياسية واجتماعية كبرى، فاختار الانحياز إلى المهنية الصارمة، وضبط إيقاع التغطية، وتقديم محتوى يوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن القومي. يُحسب لياسر رزق أنه كان من القلائل الذين امتلكوا شجاعة الانفراد الصحفي القائم على المعلومة الموثقة، لا التسريب العابر، وعلى التحليل القائم على الفهم، لا الانطباع السريع، ولم تكن كتاباته مجرد رصد للأحداث، بل قراءة في خلفياتها ومآلاتها، وهو ما جعل مقالاته وموضوعاته محل اهتمام صناع القرار والنخبة والجمهور العام على حد سواء، كما تميز بأسلوب لغوي رصين، يبتعد عن المبالغة، ويقترب من الدقة، ويضع الكلمة في موضعها كما لو كانت معيارًا من ذهب. فارس الكلمة حيًا في الوجدان وعلى المستوى الإنساني والمهني، مثّل الراحل أستاذًا لجيل كامل من الصحفيين، لم يبخل بخبرته، ولم يتعامل مع المنصب بوصفه سلطة، بل مسؤولية، حيث فتح الأبواب أمام الشباب، وعلمهم أن الصحافة لا تُمارس بالصوت العالي، بل بالعقل الهادئ، وأن الانحياز الوحيد المقبول هو الانحياز للحقيقة. لذلك لم يكن رحيله في يناير 2022 مجرد فقدان لشخص، بل غياب لمدرسة كاملة في العمل الصحفي. في ذكرى رحيله الرابعة، تتجدد الحاجة إلى استحضار نموذجه المهني في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتشابك فيه المنصات، وتصبح فيه المعلومة عرضة للتشويه أو الاستسهال، ويبقى ياسر رزق حاضرًا بكلماته وتجربته، شاهدًا على أن الصحافة الجادة لا تموت، وأن فارس الكلمة قد يرحل جسدًا، لكن أثره يظل حيًا في العقول والضمائر، وفي كل صحفي تعلّم على يديه أن للكلمة ثمنًا، وأن المهنيّة اختيار لا يُساوم عليه.