فى لحظة دولية تتشابك فيها التحديات الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبرز مشاركة مصر فى منتدى دافوس الاقتصادى العالمى فى نسخته الأخيرة التى اختتمت فعالياتها الأسبوع الماضي، بوصفها انعكاسًا دقيقًا لدور الدولة المصرية الريادى فى الكثير من ملفات وقضايا منطقة الشرق الأوسط تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى جانب موقع مصر المحورى فى معادلة الاقتصاد العالمى وقدرتها على التفاعل مع قضايا المستقبل وصياغة رؤى واقعية لمواجهة الأزمات والتحديات العالمية. اقرأ أيضًا| وزير الاستثمار يشارك في المؤتمر المصغر للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية وعلى مدار أكثر من عقد، شكّلت مشاركات الرئيس السيسى فى المنتدى-والتى بدأها فى عام 2015-محطة أساسية لتكريس الحضور المصرى القوى على الساحة الاقتصادية الدولية، ومنصة استراتيجية لعرض رؤية شاملة لجهود الإصلاح والتنمية تقوم على الاستقرار وبناء الثقة وتعزيز الشراكات مع مجتمع الأعمال العالمي. المتابع لمشاركات الرئيس السيسى فى منتدى دافوس يجد أنها لم تكن مجرد حضور رمزي، بل جاءت محمّلة برسائل سياسية واقتصادية واضحة، فى ظل حالة واضحة من الاستقرار الاقتصادى بشهادة مختلف المؤسسات الدولية، ودور سياسى بارز فى جميع الملفات السياسية بالمنطقة على رأسها دور القاهرة فى حلحلة الوضع فى قطاع غزة وغيرها من الملفات الإقليمية. وتعكس الرؤية المصرية قراءة معمّقة لطبيعة التحولات التى يشهدها العالم حاليًا، من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، إلى تحديات الطاقة والأمن الغذائي، مرورًا بقضايا التحول الرقمى والتمويل والتنمية المستدامة وصولًا إلى الملف الأهم والأبرز وهو ملف الطاقة. وفى كل مشاركة للرئيس السيسى بالمنتدى منذ عام 2015 وحتى عام 2026 الجاري، حرصَ على إبراز خصوصية التجربة المصرية وأهمية الدور الذى قام به الشعب المصرى لنجاح تلك التجربة والمساهمة فى استقرار الدولة، ويؤكد دومًا على أن تلك التجربة تجمع بين الإصلاح الاقتصادى الصعب والحماية الاجتماعية، والتوازن بين متطلبات النمو وحقوق المواطنين. اقرأ أيضًا| وزيرة التخطيط: تمويلات ب4.5 مليار دولار لمشروعات الطاقة ضمن برنامج «نُوفّي» مع الرصد المتأنى للمشاركات المصرية السابقة فى منتدى دافوس نجد أن الحضور المصرى فى المنتدى أخذ طابعًا لافتًا منذ مشاركة عام 2015، وكانت أول مشاركة للرئيس السيسي، حيث عرض خلالها ملامح خطة الإصلاح الاقتصادى الشاملة، ووجّه رسالة واضحة إلى مجتمع الأعمال العالمى بشأن عودة مصر لاعبًا أساسيًا فى الاقتصاد، ودعى الرئيس إلى المشاركة فى مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى باعتباره نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الانفتاح الاستثماري. وفى منتدى عامى 2018 و2019 ، ركّزت مصر على عرض الفرص الاستثمارية التى أتاحتها المشروعات القومية الكبرى، وعلى رأسها قناة السويس الجديدة وقطاع الطاقة، مع التأكيد على دور مصر كمركز إقليمى للطاقة الجديدة والمتجددة، مستفيدة من موقعها الجغرافى والبنية التحتية التى تم تطويرها خلال السنوات الماضية. أما فى منتدى عام 2023، فجاءت المشاركة المصرية فى سياق عالمى مختلف، حيث تصدّرت ملفات التحول الأخضر واستثمارات الهيدروجين الأخضر ومخرجات قمة المناخ COP27 بشرم الشيخ-جدول الأعمال لتؤكد مصر انتقالها من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلى فى مجال الاقتصاد الأخضر وهو ما شهدناه على أرض الواقع خلال السنوات الأخيرة. وفى عام 2025، شاركت مصر بوفد رفيع المستوى برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، حيث ركزت المناقشات على التعاون فى العصر الذكي، وجذب الاستثمارات فى مجالات الطاقة الخضراء والتحول الرقمي، بما يعكس اتساق الرؤية المصرية مع المتغيرات التكنولوجية العالمية.. وجاءت مشاركة الرئيس السيسى فى أعمال منتدى دافوس هذا العام الذى عقد تحت شعار «روح الحوار» فى توقيت عالمى بالغ الحساسية، تتزايد فيه التحديات الجيوسياسية والاقتصادية بما يفرض ضرورة تعزيز التعاون الدولى والبحث عن مسارات جديدة لتحقيق الازدهار العالمى.. وأوضح السفير محمد الشناوى المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية أن الرئيس السيسى أجرى عددًا من اللقاءات المهمة على هامش دافوس 2026، من بينها لقاؤه مع بورج برانديه الرئيس والمدير التنفيذى للمنتدى الاقتصادى العالمي، حيث أعرب الرئيس عن تقديره للدور المحورى الذى يضطلع به المنتدى كمنصة دولية للحوار وتبادل الرؤى. وشارك الرئيس السيسى فى جلسة حوار خاص مخصصة لبحث فرص الأعمال فى مصر، استعرض خلالها رؤية الدولة لجذب الاستثمارات، حيث أكد الرئيس أن مصر تمضى بخطى ثابتة فى تهيئة مناخ أعمال جاذب، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك أساسى فى التنمية، من خلال ضبط السياسات المالية والنقدية وتطوير البيئة التشريعية وتطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة وبرنامج الطروحات الحكومية. وخلال كلمته بالمنتدى، أطلق الرئيس السيسى العديد من الرسائل، حيث أكد أن العالم يواجه تحديات غير مسبوقة تتطلب تضافر الجهود وتعزيز التعاون الدولي، وشدد على أن السلام والاستقرار هما المدخل الحقيقى للتنمية المستدامة. كما أعاد الرئيس التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الاستقرار فى الشرق الأوسط، مستعرضًا الجهود المصرية لوقف الحرب فى قطاع غزة، والبناء على مخرجات قمة شرم الشيخ للسلام. واستعرض الرئيس محاور برنامج الإصلاح الاقتصادى المصري، مشيرًا إلى تحسن مؤشرات الأداء الاقتصادي، وارتفاع معدلات النمو، وزيادة تدفقات الاستثمار الخاص، ورفع التصنيف الائتمانى لمصر، مؤكدًا أن الاقتصاد المصرى أظهر قدرة كبيرة على الصمود أمام الأزمات العالمية. واختتم الرئيس السيسى مشاركته بالتأكيد على أن مصر تتطلع إلى تعزيز التعاون مع شركائها الدوليين، وأن السوق المصرى يزخر بفرص استثمارية واعدة فى مجالات الطاقة المتجددة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، مدعومة ببنية تحتية حديثة وشبكة اتفاقيات تجارية واسعة وهى الرسائل اختلفت عن الرسائل عن مشاركة الرئيس الأولى فى عام 2015 والتى كانت فيها الدولة تخطو بخطوات سريعة لإنشاء بنية تحتية قوية جاذبة للاستثمار وكذا تسعى للتغلب على الكثير من التحديات الاقتصادية وتثبت ركائز الامن والاستقرار. واختتم الرئيس السيسى مشاركته فى منتدى دافوس الأخير، بلقاء قمة مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بحضور وفدى البلدين، والذى جاء كإحدى أبرز محطات مشاركة الرئيس السيسى فى دافوس، من حيث توقيته ودلالاته السياسية والاقتصادية، فى ظل مرحلة دقيقة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، مع تصاعد التوترات فى عدد من دول المنطقة واستمرار تداعيات الأزمات الممتدة منذ عقود فى أكثر من دولة بالإقليم المشتغل ، ما يؤكد حرص واشنطن على استمرار التنسيق والتشاور مع القاهرة، باعتبارها لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه فى ملفات الأمن والاستقرار. وشهد اللقاء -وفقاً لما ذكره المتحدث الرسمى للرئاسة- استعراض المستجدات الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار الإقليمى والدولى. وجاء تأكيد الرئيس السيسى على الارتقاء بالعلاقات مع واشنطن إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة كرسالة سياسية واضحة تؤكد أن مصر تنظر إلى علاقتها بالولايات المتحدة باعتبارها علاقة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على التعاون الأمنى أو العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار. وكشفت القمة المصرية الأمريكية، عن تعدد أجندة التنسيق المشترك بين مصر وأمريكا خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فتثمين الرئيس لدور الرئيس ترامب فى وقف الحرب على قطاع غزة والتأكيد على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق يعكس تمسك مصر بدورها المحورى كوسيط رئيسى فى هذا الملف الذى يمس أمنها القومى، وسعيها إلى تثبيت التهدئة وربطها بمسار التعافى المبكر وإعادة إعمار القطاع. كما أبرزت قمة السيسى وترامب إدراكًا مشتركًا لخطورة استمرار الصراع على استقرار اقليم الشرق الأوسط، لاسيما فى ظل التداعيات الإنسانية والأمنية المباشرة على دول الجوار وفى مقدمتها مصر. كما أن قضية مياه نهر النيل استحوذت أيضاً على مساحة كبيرة من المباحثات المصرية الأمريكية سواء فيما كان معلنا أمام وسائل الإعلام أو فيما يخص جلسة المباحثات بين القيادتين، حيث يعكس اهتمام الرئيس الأمريكى بهذا الملف، إدراكًا لحساسية القضية بالنسبة لمصر باعتبارها مسألة وجودية لأنها تمس ملفا يهم ملايين المصريين، كما أن دعوة الرئيس السيسى إلى رعاية أمريكية لتسوية الأزمة تشير إلى رغبة مصر فى تفعيل دور أطراف دولية مؤثرة لإعادة إحياء مسار تفاوضى عادل، قائم على القانون الدولى، مع التأكيد على منطق التعاون والمصالح المشتركة داخل حوض النيل.. وتطرقت القمة أيضًا إلى الملف اللبناني، وحرص الرئيس السيسى على التاكيد على الدور الأمريكى فى وقف الاعتداءات والانتهاكات كرسالة داعمة لاستعادة الدولة اللبنانية لقدرتها على بسط سيادتها، فى ظل أوضاع أمنية وسياسية متدهورة تهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار فى شرق المتوسط.