لم يكن يتخيل منصور أن تسوقه قدماه للعمل في أحد المنازل، بين جدران غريبة وأصوات لا يعرفها، لم يعبأ بنظرة المجتمع أو أقرانه له، فالفقر كان كالوحش الكاسر يلتهم كل ما يحيط به، كما أن صعوبة الحصول على وظيفة مناسبة كانت دافعه للعمل بمهنة اقتصرت على النساء لسنوات طوال، استغل قوته الجسدية وسرعته في أداء المهام المطلوبة منه لإقناع زبائنه، كتنظيف الشقق، وغسل السجاد، يعمل بإتقان وضمير. ◄ شركات التنظيف تعتمد عليهم لإتقانهم وقوتهم البدنية ◄ مواقع التواصل والإعلانات المبوبة وسيلتهم لعرض خدماتهم يعوِّل منصور على وظيفته تلك في تأسيس عش الزوجية في قريته بإحدى محافظات الصعيد، خاصة أن دخله الشهري يزيد فى بعض الأحيان على سبعة آلاف جنيه، فضلا عن البقشيش الذي يحصل عليه، ورغم صعوبة الإقدام على مصارحة خطيبته بطبيعة عمله، فإنه فضل إخبارها ومصارحتها. وفي الوقت نفسه امتلأت منصات السوشيال ميديا بجروبات خاصة لعمال المنازل الرجال، كذلك شركات التنظيف التي أصبحت تعتمد عليهم بشكل أساسي في خدماتها، وهذا ما جعله يشعر بالثقة والجرأة على مواجهة المجتمع، والتشبث بوظيفته الجديدة. ◄ بواب وخادم أما سامى فاستغل عمله كبواب لواحدة من العمارات الفخمة ليعمل هو الآخر بالبيوت، حيث يمتلك خبرة في تلبية احتياجات السكان اليومية، وطلاقة لسان تجعله يدخل القلوب سريعا، فضلا عن سرعته فى إنجاز الأعمال الموكلة له، فلم يجد غضاضة في تنظيف الشقق، أو غسيل المفروشات، مؤكدًا أن مهنة الخادم المنزلي لا تقتصر على النساء فقط، فالرجال هم الأقدر على ممارستها بسرعة وخفة. يقول سامي: في بداية عملي كخادم كانت تجربة صعبة ومحرجة للغاية، رغم عملي حارسًا للعقار ومعرفة السكان بي، إلا أننى كنت أصطدم بنظراتهم المتدنية، وتعليقاتهم الجارحة فى كثير من الأحيان، لكننى كنت أتغاضي عنها فالحصول على لقمة العيش بالغ الصعوبة فى القاهرة، مؤكدًا أن الكثير من البوابين أصبحوا يعملون بهذه الوظيفة فى ظل الأجور الخيالية التى تطلبها عاملات المنازل. وعن أجور تنظيف الشقق يقول: يختلف الأجر بحسب مساحة الشقة، فضلا عن موقعها إما في الأدوار العليا، أو الأدوار الأرضية، كذلك إذا كان التنظيف يتضمن غسيل المفروشات والسجاجيد أم لا، فيتراوح سعر الساعة بين 200 و300 جنيه، مشيرًا إلى أن أسعار كثير من شركات التنظيف تزيد على 500 جنيه فى الساعة الواحدة خاصة في المناطق الراقية. وحول رأى أسرته فى هذا العمل يقول: بالطبع واجهت معارضة شديدة من زوجتى وأبنائى حتى أنهم عرضوا مساعدتى لكننى كنت أرفض، مؤكدًا لهم أنه «عمل شريف لا يعيبنى فى شيء». ◄ سرعة وإتقان لم يكن وجود رجال يعملون فى تنظيف المنازل مألوفا قبل سنوات، لكن مع انتشار شركات الخدمات المنزلية واعتمادها على عمالة ذكورية، بدأت ربات المنازل النظر إليهم كخيار عملى يمكن الاعتماد عليه. تقول أم رقية (موظفة): يمتاز العامل المنزلى بسرعة فى التنظيف وقدرة على إتقان العمل خاصة فى الشقق ذات المساحات الكبيرة، والأهم عدم التدخل فى خصوصيات أصحاب المنازل، مضيفة أن هناك بعض المهام المنزلية لا تستطيع العاملات القيام بها مثل نقل الأثاث وتنظيف البلكونات العالية. وتشير إلى أن شركات التنظيف أو حتى جروبات الخدمات المنزلية أصبحت تختار عمالها بشكل دقيق لمراعاة معايير الأمان ما يشعرنا بالثقة والاطمئنان. ◄ شركات التنظيف وفى الآونة الأخيرة بدأ الكثير من شركات التنظيف الاعتماد على الرجال العاملين فى مهن الخدمات المنزلية، لسرعتهم فى إنجاز المهام ودقتهم فى التنفيذ، كما أن وجودهم يساعد فى تنفيذ الأعمال الثقيلة بكفاءة أعلى، ما جعل كثيرًا من أصحاب المنازل يطلبونهم بالاسم ويثنون على مهاراتهم، وهذا ما شجع الكثير من العمال على عرض مهاراتهم بشكل مستقل على صفحات «فيسبوك»، أو مواقع الإعلانات المبوبة محددين أجرهم بالساعة الواحدة بدءًا من 500 جنيه. يقول أحد مسئولى شركات التنظيف: زاد الاعتماد على الرجال كعمال منازل بشكل كبير فى الآونة الأخيرة وذلك لكفاءتهم العالية وسرعة أدائهم وقدرتهم على تحمل الأعمال الشاقة، والأهم احترامهم خصوصية زبائنهم وعدم التدخل فى أمورهم الشخصية، لافتًا إلى أن أغلب الملتحقين بهذا النوع من العمل تتراوح أعمارهم بين 20 عامًا ومنتصف الثلاثينات. ويرى أن الكثير من العمال بدأ يعرض مهاراته على مواقع الإعلانات المبوبة، بل إن بعضهم أطلق جروبات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعى تضم مجموعة من عمال المنازل لتلبية طلبات الأهالى فى مناطق القاهرة المختلفة. ◄ تابوهات مجتمعية ويقول الدكتور سعيد صادق أستاذ الاجتماع السياسي: مع تزايد نسب البطالة فى المجتمع وصعوبة الحصول على فرص العمل أصبح من الطبيعى البحث عن وظائف تتحدى تابوهات المجتمع، وبالطبع فإن العمالة المنزلية للرجال واحدة منها خاصة أنها كانت منتشرة قديمًا فى بعض البيوت، فكانت الأسر تستقدم شبابًا ريفيين للعمل فى منازلهم وهذا ما أبرزته السينما فى فترة الأربعينيات والخمسينيات، مشيرًا إلى أن هناك بعض الأعمال المنزلية تتطلب قوة بدنية عالية وهو من الصعب أن تقوم به العاملات. ويرى صادق أن قدرة الرجال على التكيُّف مع متغيرات الحياة والتعامل بمرونة تجعلهم يفضلون تلك الأعمال، إضافة إلى قوة وسائل التواصل الاجتماعى التى يعتمدون عليها فى عرض مهاراتهم. ◄ حقوق قانونية وكانت وزارة العمل أعدت مشروع قانون جديدًا لتنظيم العمالة المنزلية بالتعاون مع وزارة التضامن وبدعم من اللجنة التشريعية بمجلس النواب بهدف ضمان حماية حقوق العمال المنزليين داخل المنازل سواء أكانوا رجالًا أو سيدات، ووضع إطار قانونى واضح للعلاقة بين العامل وصاحب المنزل، ويتضمن المشروع تنظيم عمل مكاتب التشغيل وشركات التوظيف، ووضع معايير السلامة المهنية والصحة للعاملين فى المنازل لتقليل المخاطر المحتملة، إضافة إلى إلزام مكاتب التشغيل بتسجيل العمال والاحتفاظ بسجلات دقيقة لضمان التوظيف القانونى والآمن.