فى كل مرة يُطرح فيها سؤال السلام فى الشرق الأوسط، تتقدم القاهرة قبل الإجابة، لا بوصفها طرفاً عابراً فى مشهد مضطرب، بل باعتبارها الرقم الحتمى فى معادلة لا تستقيم من دونها. فالتاريخ، حين يُقرأ بلا تحيز، يؤكد أن أى محاولة جادة لإقرار سلام عادل أو تهدئة مُستدامة، لا بد أن تمر عبر بوابة مصر، الدولة التى عرفت كلفة الحرب، فاختارت أن تستثمر فى السلام. مجلس السلام العالمي، الذى يُعاد طرحه اليوم فى لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، ليس مجرد منصة حوار، بل اختبار حقيقى لجدية الإرادة الدولية فى خفض التوترات وصناعة حلول عادلة لا حلول إسعافية. وهنا، تبرز أهمية المشاركة المصرية، لا كحضور بروتوكولي، وإنما كصوت توازن وضمير سياسى يعرف حدود القوة، وقيمة العدالة، وخطورة تجاهل جذور الأزمات. مصر، عبر عقودٍ طويلة، لم تتعامل مع السلام باعتباره شعاراً دعائياً، بل سياسة دولة. استثمرت فيه كما تستثمر الدول الرشيدة فى أمنها القومي، فعملت على تهدئة النزاعات، والبحث عن حلول عادلة قبل أن تكون عاجلة، سواء فى الإقليم أو فى العمق الإفريقي، وصولًا إلى مساحاتٍ أبعد من الجغرافيا، حيث تتقاطع المصالح مع المسئوليات. الدبلوماسية المصرية لم تكن يوماً صاخبة أو استعراضية هى دبلوماسية هادئة، تفضل العمل فى الظل، وتراكم الثقة بدلاً من حرقها، وتتحرك كوسيط نزيه ذى سمعة طيبة، لا ينحاز إلا للحق، ولا يرى مصلحته إلا فى استقرار الدول وحماية الشعوب من فوضى الصراعات المفتوحة. ولهذا، لم تُعرف عن مصر أى اعتداءاتٍ، سوى دفاعها المشروع عن نفسها، وعن وجودها، وعن أمنها القومي. لم تستغل القاهرة يوماً ضعف دولة صديقة لتستبيح أرضها أو ثرواتها، ولم تجعل من أزمات الآخرين فرصة للتوسع أو الهيمنة. على العكس، كانت دائماً عامل تهدئة لا تفجير، وجسراً للحلول لا خندقاً للاصطدامات الحادة. واليوم، فى ظل المأساة المستمرة فى غزة، ستكون مصر حاضرة فى مجلس السلام، لا لتجميل مشهد دولى مرتبك، بل لتكون صوت الحق، وشاهدة على ما يجري، ونقطة توازن فى لحظة اختلال، وحضناً يلجأ إليه الفلسطينيون حين تضيق بهم الخيارات وتُغلق الأبواب. إن دعوة مجلس السلام، أيا كان راعيها، لن تكتسب مصداقيتها الحقيقية إلا بوجود مصر على طاولتها. فالقاهرة ليست مجرد لاعب إقليمي، بل دولة خبرت الحرب والسلام، وتعرف أن السلام العادل ليس بياناً يُكتب، بل مسئولية تُحمل، وثمن يُدفع، وصبر يُمارس. ومن دون مصر.. يظل السلام احتمالاً نظرياً، لا واقعاً قابلاً للحياة والتطبيق.