محمد الزهيرى عاد السودان بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير إلى مربع الحروب الأهلية، ولكن هذه المرة أصبح مشهدا أكثر تعقيدا وخطورة حيث إن الصراع الذى اندلع فى عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم يكن مجرد صراع على الحكم، بل إنه يمتد لآفاق أعمق حيث كشف عن أزمة كبيرة تتمثل فى الانتشار الواسع للميليشيات المسلحة وتحولها إلى طرف أساسى فى المعادلة السياسية والعسكرية، بما يهدد وحدة البلد الشقيق ومستقبله. ومنذ استقلال السودان فى مطلع عام 1956، لم تشهد البلاد استقرارا لفترة طويلة، فكلما هدأت حرب فى إقليم، اشتعلت أخرى فى إقليم آخر... وبمضى السنوات أنتجت هذه النزاعات عشرات الحركات المسلحة والميليشيات، بتوجهات ودوافع متنوعة سواء كانت عرقية أو دينية أو قبلية أو أيديولوجية. اقرأ أيضًا | «الجنائية» تواجه صعوبات كبيرة بمعرفة مخبأ البشير والمطلوبين ومع سقوط نظام البشير فى 2019 ظهر فراغ سياسى وأمنى واسع، استغلته جماعات مسلحة متعددة لإعادة تنظيم صفوفها والظهور مجددًا، ويشير مراقبون إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الميليشيات يرتبط ببقايا النظام السابق أو بتنظيمات تنتمى لجماعة الإخوان المسلمين تسعى لاستعادة نفوذها السياسى والعسكرى، وفى الوقت نفسه، ظهرت أيضا مجموعات مسلحة محلية، تشكلت تحت مظلة حماية المناطق أو الدفاع عن المصالح القبلية، فى ظل غياب الدولة وضعف مؤسساتها. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، انقسمت الميليشيات المختلفة حيث تحالفت مجموعات مع الجيش، بينما انحازت مجموعات أخرى إلى قوات الدعم السريع، بينما حاولت فئة ثالثة إعلان الحياد، إلا أن هذا الحياد كان مؤقتا حيث انجرفت بعض هذه الجماعات سريعا إلى الصراع سواء بشكل مباشر أو عبر السيطرة على مناطق وطرق إمداد وموارد اقتصادية. ويرى محللون أن هذا التعدد فى الولاءات لا يعكس فقط انقسامًا سياسيًا، بل يفتح الباب أمام واقع عسكرى جديد قد يستمر حتى بعد توقف القتال، ويؤسس لنزاعات مستقبلية أكثر تعقيدًا. ومن أبرز ملامح المشهد الراهن، عودة الميليشيات ذات الخلفية الأيديولوجية بقوة إلى واجهة المشهد وخاصة تلك المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ووفقا للخبراء فإن هذه العودة لا تمثل تطورًا عابرًا فرضته ظروف الحرب، بل تعكس توجها منظما لإعادة توظيف التنظيمات الإخوانية داخل الصراع. ويُعد إقليم دارفور المثال الأوضح على تغوّل الميليشيات فى السودان، فمنذ اندلاع النزاع المسلح فى دارفور عام 2003، ظهرت عشرات الحركات المسلحة التى انقسمت فيما بعد إلى مجموعات أصغر لكل منها قيادتها ورؤيتها ومصالحها، ومع الحرب الحالية، اختار الجزء الأكبر من هذه الحركات التحالف مع الجيش السودانى تحت مسمى «القوة المشتركة» فى مواجهة قوات الدعم السريع. أيضا تحدث العديد من التقارير عن مصادر تمويل الميليشيات المسلحة فى السودان، حيث يؤكد محللون أن التعدين غير الرسمى وتهريب الذهب والسيطرة على طرق التجارة والحدود باتت مصادر تمويل رئيسية للعديد من هذه الجماعات المسلحة، وهو ما يخلق نوعا من الاقتصاد الموازى الذى لا يقتصر على تمويل استمرار القتال فقط، بل يخلق مصالح مباشرة للبعض فى إطالة مدة الحرب ويجعل السلام خيارًا مقلقًا للكثير من الجهات التى فرضت نفوذها وكوّنت ثرواتها فى ظل الفوضى. فى ظل هذه الوقائع، يصر الفريق أول ركن، عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالى، وقائد القوات المسلحة السودانية عبدالفتاح البرهان على أن أى وقف لإطلاق النار لن يكون ممكنا ما دامت قوات الدعم السريع موجودة، مؤكدًا أولوية الحل العسكرى قبل أى تسوية سياسية، بينما فى المقابل، يعمل رئيس الوزراء السودانى كامل إدريس على تطبيق رؤيته التى تعتمد على نزع سلاح الميليشيات وتوطينها فى معسكرات محددة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لإنهاء الحرب وبدء حوار وطنى شامل. فى غضون ذلك، يرى مراقبون للوضع فى السودان أن نجاح أى مبادرة سياسية يظل مرهونًا بقدرة الدولة على تفكيك الميليشيات وتجفيف مصادر تمويلها مع إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة. وحاليا يبقى السودان رهن محاولات القوى الوطنية المختلفة فى استعادة الدولة وحمايتها من قبضة الكيانات المسلحة غير الرسمية، لحمايتها من مصير مجهول قد يتضمن سلسلة من الصراعات المستمرة وسيناريوهات مظلمة يدفع ثمنها الشعب السودانى وحده.