تختزن القاهرة في طياتها طبقات متراكبة من التاريخ، حيث تتجاور المنشآت العمرانية مع المقامات الدينية، وتتشابك الحكايات المعمارية مع الذاكرة الروحية للمدينة، وفي كل مرة يثار فيها الجدل حول أعمال الترميم أو التطوير، تعود الأسئلة الكبرى حول كيفية صون التراث، واحترام أصالته، وإعادة تقديمه للأجيال المعاصرة. ومن هذا المنطلق، تبرز قصة سور مجرى العيون، وما يجاوره من مسجد السيدة نفيسة، بوصفهما نموذجين متكاملين لفهم العلاقة بين العمارة التاريخية، والوظيفة، والقداسة في قلب القاهرة. - توضيح رسمي حول أعمال سور مجرى العيون في ضوء ما تم تداوله على بعض مواقع التواصل الاجتماعي والصحف الإلكترونية بشأن أعمال التنظيف والترميم الجارية بجزء من سور مجرى العيون الواقع بين إشارة السيدة نفيسة وميدان السيدة عائشة. أكدت وزارة السياحة والآثار أن هذا الجزء قد سبق ترميمه وتنظيفه خلال عام 2023، وذلك ضمن خطة معتمدة لتطوير المنطقة المحيطة. وأوضحت الوزارة أن أعمال الترميم التي نُفذت آنذاك تزامنت مع افتتاح مسجد السيدة نفيسة الكائن في الجهة المقابلة للسور، وتمت باستخدام منهج علمي دقيق ما زال معمولاً به حتى اليوم. - المنهج العلمي في أعمال التنظيف والترميم تعتمد أعمال تنظيف الأحجار على تقنية السفع بالرمال الناعمة المعروفة ب«طرح البحر»، وهي رمال تتميز بقلة صلابتها ونعومة حبيباتها مقارنة بالرمال العادية، ما يجعلها أكثر أماناً على الأسطح الأثرية، وتُستخدم هذه التقنية كمرحلة تمهيدية دقيقة تسبق عمليات التنظيف المتخصصة، وفقاً للمقاييس العلمية المتعارف عليها دولياً في مجال ترميم الآثار الحجرية. وأكدت الوزارة أن جميع الأعمال تُنفذ تحت الإشراف الكامل لفريق من المرممين المتخصصين بالمجلس الأعلى للآثار، وبالتنسيق مع التفتيش الأثري المختص، وقطاع الآثار الإسلامية والقبطية، وقطاع المشروعات. - حقيقة الجزء الجاري العمل به أشارت وزارة السياحة والآثار إلى أن الجزء الذي تُجرى به أعمال التنظيف حالياً لا يعود إلى البناء الأصلي لسور مجرى العيون، بل هو جزء حديث شُيّد خلال الفترة ما بين عامي 1982 و1983، باستخدام أحجار مختلفة، وذلك بعد تهدم الجزء الأصلي من السور في أوائل خمسينيات القرن الماضي (1950–1951). كما أكدت أن الأعمال الجارية لم تكتمل بعد، إذ لا تزال هناك مراحل لاحقة تشمل حماية أسطح الأحجار وعزلها، تمهيداً لإظهار السور في صورته النهائية، بما يحقق رؤية بصرية متكاملة ضمن مشروع تطوير المنطقة. - حكاية سور مجرى العيون يُعد سور مجرى العيون واحداً من أعظم المنشآت الهندسية في تاريخ القاهرة الإسلامية، أُنشئ في العصر الأيوبي وطُوّر في العصر المملوكي، ليقوم بوظيفة حيوية تمثلت في نقل المياه من نهر النيل إلى قلعة صلاح الدين عبر نظام معقد من السواقي والقنوات المرتفعة. لم يكن السور مجرد بناء حجري، بل شريان حياة يغذي القلعة بالماء، ويعكس عبقرية المهندس المسلم في توظيف الطبيعة لخدمة العمران، وعلى مدار قرون، ظل السور شاهداً على تطور المدينة، وعلى ما شهدته من إهمال وتهدم ثم محاولات متكررة للإحياء والترميم. - حكاية مسجد السيدة نفيسة على الجانب الآخر من السور، يقف مسجد السيدة نفيسة كأحد أهم المزارات الدينية في مصر والعالم الإسلامي. تنتمي السيدة نفيسة إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، واشتهرت بعلمها وزهدها ومكانتها الروحية العالية. وقد تحوّل مقامها منذ القرن الثالث الهجري إلى مقصد للزائرين وطالبي البركة والعلم. مر المسجد عبر العصور بسلسلة من التوسعات والتجديدات، عكست اهتمام الحكام والعامة على السواء بهذا المقام الجليل، ولم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل مركزاً روحياً واجتماعياً، ارتبط بالوجدان الشعبي المصري، واحتل مكانة خاصة في خريطة القاهرة الدينية. بين سور مجرى العيون ومسجد السيدة نفيسة، تتجسد معادلة القاهرة الفريدة: عمران يخدم الحياة، وقداسة تمنح المكان روحه، ومع كل جهد ترميم أو تطوير، تتجدد مسؤولية الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والتحديث، ليظل التاريخ حاضراً، لا مجرد أثر صامت، بل شاهداً حياً على هوية مدينة لا تشبه سواها. اقرأ أيضا | الأثار تكشف حقيقة صور ترميم سور مجرى العيون المنتشرة على السوشيال ميديا