كفر الشيخ – حمدين بدوى لم يكن محمد خالد، ابن ال28 عامًا، يعي وقتها أن تدخله في مشاجرة كتلك، قد تودي بحياته، هو فقط قرر أن يتدخل ليفض اشتباكًا بين طرفين لتهدئة الأجواء، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفعلا، الاشتباك تم فضه، وطرفا الشجار لم يسقط منهما أحد، هو وحده، الذي سقط، قتيلا. يقولون: «ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه»، يبدو أن هذه المقولة صحيحة، وتنطبق على هذه الواقعة مع اختلاف واحد، أن محمد، لم تقطع ملابسه، بل فقد حياته، تفاصيل أكثر عن تلك الواقعة التي شهدت أحداثها منطقة الحكر، غرب محافظة كفر الشيخ، في السطور التالية. في منطقة الحكر، غرب محافظة كفر الشيخ، وعلى ناصية شارع من شوارع المنطقة، هناك «كشك»، يقف بداخله شاب صغير السن في مقتبل العمر، يعمل في «الكشك» من الصباح حتى منتصف الليل ، هكذا اعتاد عليه الناس، حتى قبل أن يتزوج من 3 سنوات، ف «محمد»، شب على أن يرعى أسرته، ويعمل ليلًا ونهارًا كي يكفيهم الحاجة، وهو ما جعله طيلة حياته، حريصًا على العمل مهما بلغ به التعب كل مبلغ، وعندما تزوج، وأنجب، أصبحت مسئولياته أكبر، وهو كان يعي ذلك، وحريصًا على أن يوفر لأسرته وزوجته وأطفاله كل ما يحتاجونه دون أن ينقصهم شيء، باختصار، أمامنا شاب عاش لأهله وضحى من أجلهم، ومات، لأنه – للأسف – شهم. يوم الواقعة، كان قد أنهى عمله وأغلق ال»كشك»، وعاد إلى البيت. والده يسكن في الطابق الأرضي وهو متزوج في الطابق الثاني، المهم، مر على والده وألقى عليه السلام، لاحظ أن أمه لم تكن موجودة، فسأل عليها وأخبره والده أنها خرجت لقضاء حاجة ما وعليه، استأذن والده وصعد إلى شقته، وبعد أقل من نصف ساعة، طلبت منه زوجته بعض الطلبات التي يحتاجها المنزل، فقرر أن يعود إلى ال»كشك» مرة أخرى ويأتي بالطلبات التي تحتاجها الزوجة، وبينما هو ينزل من شقته، وجدته أمه وهو يخرج من باب البيت، فألقى عليها السلام وأخبرها أنه سيذهب إلى ال»كشك» ليأتي ببعض الطلبات ويعود مرة أخرى، وكان هذا اللقاء، هو اللقاء الأخير، لأنه وقتها، وبينما هو يتحدث مع أمه، سمع أصوات شجار تصدر من شارع مجاور للبيت، فخرج يستطلع الأمر، وأمه بدورها خرجت خلفه، كي تعرف ماذا يجري، وكانت المرة الأخيرة التي رأته فيها، لمحته والدته وهو يدخل بين طرفي الشجار محاولا تهدئة الأمور. هذه اللحظة، على صعوبتها، والخوف الذي قد يصيب أحد لم يعتد على الشجار، كانت فارقة، لأن جميع من في المشهد ابتعدوا، خوفًا من الإصابة آثرين السلامة ولهم كل الحق في ذلك، لكن محمد، لم يكن من هؤلاء، فبينما هرب الجميع تقدم هو. طرفا المشاجرة كان بينهما خلافًا كبيرًا، وسبق أن تشاجرا أكثر من مرة، لكن في كل مرة كان الوضع أهون من تلك، ودائما ما كانت تتنتهي على خير، لكن هذه المرة، كان الوضع خطيرًا، خاصة بعدما خرجت الأسلحة البيضاء، بجميع أنواعها، وتشاجر بها الطرفان، بالإضافة إلى بنادق خرطوش، خرج بها أيضا طرفا المشاجرة، وكأن كل منهما أراد أن يبيد الآخر عن بكرة أبيه، دون أي اعتبار للجيرة، والصداقة ايضا. طلقة خرطوش تخيل هذا المشهد الدموي، والذي يبدو وكأنه مأخوذا عن مشاهد العنف والشجار في فيلم «إبراهيم الأبيض» ل أحمد السقا ومحمود عبد العزيز، النساء يصرخن من شرفاتهن، والجميع يبتعد خشية أن يصيبه ضرر ما، و»محمد»، وحده قرر أن يتدخل في الشجار، ليفضه، وفعلا نجح في ذلك، فض «الخناقة»، ولكن على حساب نفسه. سقط قتيلا بعد أن أصابته طلقة خرطوش، ينزف دمًا، والجميع من هول الصدمة وقفوا دون أن يفعلوا شيئا له، حتى أن طرفي الشجار، بعد سقوطه غارقًا في الدماء، هربوا، لكن أصدقاءً لمحمد، لمحوا ما حدث، وأقبلوا على الفور عليه، حملوه إلى مستشفى كفر الشيخ، لكن قدر الله قد حان، ومات «الشهم» تاركًا أسرة وزوجة وأطفال، دون أن يعرف فيما قتل. في حديثها ل«أخبار الحوادث»، كشفت والدة محمد تفاصيل تلك الليلة الأخيرة، قائلة: «ابني مات وترك زوجة وطفلين صغيرين، من الذي سيتكفل بهم، لو كنا نعلم ماذا سيحدث لكنا رفضنا أن ينزل من البيت في هذه الليلة، كنا نحتاج إلى طلب من ال»كشك» ضروري، ورأيته وهو يخرج ليأتي به، ووقف وتحدث معي، وكانت هذه المرة الأخيرة، وكأنه يودعني، يارتني كنت مسكت فيه ومسبتوش يخرج لقضاه». وأكملت حديثها قائلة: «احنا سمعنا صريخ وهو واقف معايا، وقتها خرج يشوف فيه إيه وأنا خرجت وراه، ومن طبع ابنى أنه شجاع وغير متخاذل، لم يتراجع يوما عن مساعدة أحد، كبير كان أوصغير، ويادوب دقائق ولقيت المشهد اللي عمرى ما هنساه، ابني واقع على الأرض وغرقان في دمه، أنا حتى ملحقتش أجرى وراه وهما بيودوه المستشفى». أيضًا، والده، الحاج خالد السنوسي، أوضح في حديثه ل«أخبار الحوادث»: أنه اول ما سمع الشجار هذه المرة انقبض قلبه، وأدرك أن نهايته لن تكون جيدة، وفعلا صدقت ظنونه، مضيفا: «أنا اترعبت وقولت المرة دي مش هتعدي على خير، وفعلا، معدتش على خير، وابني مات بسببهم». مشاجرة موت تلقى اللواء إيهاب عطية، مساعدوزير الداخلية مدير أمن كفر الشيخ، واللواء محمد فوزي مدير إدارة البحث الجنائي بالمديرية، إخطارًا من مأمور مركز شرطة قسم ثان يفيد بوقوع نشوب مشاجرة بالأسلحة النارية والبيضاء بين عدد من الأشخاص بكفر الشيخ. وبتكثيف التحريات وجمع المعلومات والفحص عن الواقعة ، تبين أنه تبلغ لقسم شرطة ثان كفر الشيخ بحدوث مشاجرة بين طرف أول (6 أشخاص»ل 3 منهم .معلومات جنائية») طرف ثان (5 أشخاص»ل 4 منهم معلومات جنائية») جميعهم مقيمين بدائرة القسم لخلافات الجيرة قاموا على إثرها بالتعدى على بعضهم بإطلاق أعيرة نارية محدثين إصابتهم بجروح وسحجات متفرقة نتيجة استخدامهم بنادق خرطوش ومصرع (مالك كشك -كائن بذات الدائرة) تصادف تواجده حال نشوب المشاجرة. أمكن ضبط طرفى المشاجرة عدا أحدهم «هارب – جارى ضبطه»، ونقل المصابون إلى أحد المستشفيات لتلقى العلاج اللازم، وضُبط بحوزتهم (3 بنادق خرطوش – سلاح أبيض) وبمواجهتهم اعترفوا بارتكابهم الواقعة لذات الخلافات، وتحرر محضر بالواقعة وأخطرت النيابة العامة لمباشرة التحقيقات. وأصدرت النيابة العامة، تصريحًا بدفن جثمان الفقيد محمد خالد السنوسى، بعد عرضه على الطب الشرعى، لتحديد سبب الوفاة بمشرحة مستشفى كفرالشيخ العام بمحافظة كفرالشيخ. وشيّع المئات من أهالى منطقة الحكر التابعة لمركز قسم ثان بمحافظة كفرالشيخ، جنازة الفقيد، في جنازة كبيرة مهيبة، غلب عليها الصمت والذهول، وسط حزن شديد من أهله وأصدقائه، الذين نعوه بكلمات مؤثرة، مؤكدين أنه كان محبوبًا وخلوقًا وطيب السيرة بينهم، وخرجت الجنازة من مسجد الرحمة عقب أداء صلاة الجنازة عليها، وسط حزن كبير خيم على أهالى المنطقة بأكملها سيطر على وفاة المجنى عليه، والذين أكدو أنه مثالا للأخلاق الطيبة والسمعة الحسنة بين جميع أهالى المنطقة. اقرأ أيضا: وفاة طفلة صدمتها سيارة في قلين بكفر الشيخ