التقيتُ لأول مرة بالمخرجة اللبنانية - الكويتية فرح الهاشم برفقة والدتها الكاتبة عواطف الزين عام 2015 خلال مشاركتهما فى مهرجان الإسكندرية السينمائى فى دورته ال31، دورة الفنان محمود ياسين، حين كنتُ مديرًا للدورة، وقدّمت الهاشم وقتها فيلمها الطويل الأول «ترويقة بيروت»؛ وكان اللقاء كافيًا ليكشف روحها المتمردة وحلمها بسينما مختلفة وجريئة. من خلال متابعة أعمالها، بدا واضحًا شغفها العميق بالمدن؛ المدن التى تسكنها كما تسكن فى قلوب أصحابها، كانت تتحدث عن بيروت كأنها كائن حىّ، وهو ما تجلى فى «ترويقة بيروت» الذى رصدت فيه تناقضات العاصمة اللبنانية، سحرها ووجعها، صخبها وهدوءها، ثم عادت لتغوص فى أعماقها مجددًا بفيلم «رصيف بيروت» عام 2024، مؤكدة أن علاقتها بهذه المدينة ليست عابرة بل مشروع مستمر. وفى فيلمها الجديد «هرتلة فى القاهرة» تواصل الهاشم مشروعها السينمائى العابر للمدن، لكن هذه المرة من بوابة مدينة أخرى أحبّتها «القاهرة»، تتناولها بحميمية لافتة؛ تقترب من شوارعها، تضجّ بأحلام ناسها، وتكشف عن جانب إنسانى وعاطفى شديد الخصوصية، تتحدث عنها كما لو أنها صديقة قديمة، وتحاول أن تنقل للمشاهد كيف تبدو القاهرة حين تراها امرأة عاشقة للسينما وللمكان فى آن واحد، ولا أعرف لماذا رفضت الرقابة على المصنفات الفنية بمصر عرضه؟. تقدّم الهاشم القاهرة كمدينة تُلهم وتُربك، تُدهش وتجرح، ورفضت دائمًا اختزالها، وسؤالها المركزى: «إلى أين تذهب القاهرة؟» هو سؤال وجودى حول معنى المدن فى حياتنا: ماذا نرى فيها؟ ماذا نفقد؟ وماذا يبقى؟ يستعيد الفيلم روح السينما المصرية القديمة، من «ميرامار» إلى «إشاعة حب»، ليس بدافع الحنين، بل لعقد مقارنة بين زمن الأبيض والأسود وزمن اليوم، حيث تتسع الفجوة بين الحلم والواقع. وما يميّز الهاشم أنها ليست مخرجة عابرة، بل صاحبة رؤية، تسجّل المدن التى تمر بها كأنها تدوّن يومياتها الشخصية، لكن بالكاميرا، كل فيلمٍ لها يبدو وكأنه رسالة حبّ لمدينة أحبّتها، أو محاولة لفهم علاقة البشر بالأماكن التى تصنعهم وتغيّرهم وتمنحهم معنى جديدًا للحياة. واليوم، مع «هرتلة فى القاهرة»، يبدو أننا أمام مرحلة نضج جديدة فى مسيرتها؛ فيلم يؤكد أنها مخرجة قادرة على تحويل المدن إلى شخصيات حية، والذكريات إلى سرد بصرى حى، واللقطات إلى نبض يلامس القلب. تواصل فرح الهاشم ما بدأته قبل عشرة أعوام، تقدم سينما تبحث عن الجمال وسط الفوضى، وعن الإنسان وسط المدن التى لا تنام، ولو سألتنى عن سرّ تميّزها، فسأقول ببساطة: إنها مخرجة تعرف كيف تُحبّ، وكيف تُحوّل هذا الحب إلى سينما.