اعتلى الخطيب الأربعينى المنبر، وبعد المقدمة ولج إلى موضوع خطبة الجمعة، وكان محوره التحذير مما يُذهب عقل المسلم، وبالطبع كانت «الخمر أم الكبائر» صاحبة النصيب الأوفى، ثم المخدرات، فهى تُقاس على ما يُسكر، لكن المفاجأة المذهلة أن القياس امتد ليُدخل الفنون بأنواعها إلى ما يُغيّب العقل ويُذهبه! صاحبنا ليس خطيباً عادياً، وإنما أكاديمى عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر، وهنا مكمن الخطورة، فإذا كان يُلقى خطبته فى المسجد مرة فى الشهر، فإنه يلتقى طلابه كل يوم، فإذا تصورنا أن تحريمه للغناء والموسيقى والدراما على الإطلاق، للنأى بالعقول عن ما يذهبها ويُغيبها، فماذا عساه أن يجتهد فى غير ذلك من الأمور؟ أحسب أن يوجه «الدكتور» الذى يجمع بين الخطابة والتدريس سهام نقده إلى الغناء الهابط، أو الموسيقى المزعجة، أو الدراما المُسفه، لكنه وضعها فى سلة واحدة مع الإنشاد الدينى، والموسيقى التى تُرقى الحس، والدراما الدينية والوطنية والتاريخية جميعها عنده سواء، فالأشياء لا يتم تحريمها أو تجريمها لذاتها، وإنما لعلة، وأسباب لا يغيب عنها المنطق السليم، وهذا ما أعرض عنه مولانا! وله، ولمن ينحو منهجه، ويمضى على ذات الدرب، أذكره، وأذكرهم أن الإسلام لم ينعزل يوماً عن الحياة، ولم يغض الطرف عن طبيعة الإنسان التى تجمع بين الروح والمادة، ثم أن الاجتهاد مطلوب شرط أن يراعى تقدير المصلحة التى تختلف باختلاف الزمان، والمكان والأحوال، وإلا اهتز بعنف مفهوم الاجتهاد، وفلسفة القياس من جذورها. ثم قبل ذلك كله وبعده، لنا أن نتساءل: منذ متى يرفض الإسلام الترويح عن النفس؟ وهل يدعو الدين إلى عدم الابتهاج والسرور ما دامت سبله بريئة، بل تساعد على تحمل أعباء الحياة ومنغصاتها؟ ألم يقرأ «الدكتور» الحديث الشريف: «روحوا القلوب ساعة فساعة»؟ وألم يطالع أنه حين ذُكر عند النبى «صلى الله عليه وسلم» القرآن والشعر، فاستنكر الصديق أبو بكر الأمر قائلاً: أقرآن وشعر؟ فرد النبى «صلى الله عليه وسلم»: نعم ساعة هذا وساعة ذاك. ما حدث يستدعى وقفة لا أقول حازمة، وإنما حكيمة، تضاهى عظمة الإسلام الذى هو حجة على كل من يتشرف بالانتساب إليه، وليس من يجتهد فيخطئ ننصبه حجة على الإسلام، ولكن يجب أن نرده إلى جادة الصواب، لاسيما أن كان ممن يشكلون العقول، ويزعمون أن ما يرددونه هو صحيح الإسلام، ويقيناً فإن الدين براء منه، ومن الغلو والمغالين.