لن ننسى دايان، من كان يزهو بانتصاره الوهمى فى 67، وهو يبكى ليقول إنه يوم أسود، ولا بكاء مائير، واستعطافها لأمريكا فى ثالث أيام الحرب لتنقذها من الضياع تماماً فى مثل اليوم 7 أكتوبر، من 52 عاماً، كان أجمل صباح على المصريين، حملت نسمات الفجر أنباء المعارك وحجم الانتصارات التى حققها العبور العظيم، مانشيتات الجرائد حملت أنباء النصر الكبير، لنقول: «عبرنا القناة، ورفعنا علم مصر على الضفة الشرقية»، «قواتنا تتدفق عبر الجسور وتخوض معارك ضارية مع العدو من مواقعها الجديدة»، بينما حمل البيان الثامن للقيادة العامة للقوات المسلحة خبر الاستيلاء على نقط العدو الحصينة فى خط بارليف، بعد أن أكد البيان السابع مساء 6 أكتوبر نجاح العبور، بطول المواجهة على قناة السويس، وإقامة الجسور لتتدفق عليها المدرعات لتواجه العدو مع 80 ألف جندى عبروا بالقوارب والبرمائيات. كان الصباح مختلفاً بعد ليلة لم ينقطع فيها الدعاء أن ينصر الله جنودنا البواسل فى البر والبحر والجو، ودقيقة بعد دقيقة، وساعة عقب أخرى، كانت تحمل ما يسر وجدان كل مصرى، ويزيد الثقة فى جيشنا العظيم الذى حقق معجزة بكل المقاييس العسكرية، فمن كان يتصور أن المصريين سيعبرون القناة مع ما يقوله الخبراء العسكريون فى العالم، من استحالة ذلك إلا بقنبلة ذرية، لوجود خط بارليف المنيع والساتر الرملى المرعب ومواسير النابالم التى زرعها العدو أسفل مياه القناة، والتى ستحول أجساد المصريين لرماد، لم تهب مصر، ولا قيادتها كل ذلك، وأعدت ما تستطيع من قوة ومن رباط الخيل، كما يقول الله فى كتابه العزيز الذى ينصر من ينصره، وتوكلت على الله بما أعدت، فنجحت ليلة 6 أكتوبر بواسطة الضفادع البشرية فى سد مواسير النابالم، فقضت على أول تهديد، ثم عند الثانية وخمس دقائق ظهر 6 أكتوبر، وجهت ضربة الطيران التى شلت بالفعل مراكز قيادة العدو، ثم قذفة المدفعية ب2000 مدفع للتمهيد للعبور، ثم كانت مفاجأة المعارك خراطيم المياه التى فتحت الثغرات فى الساتر الرملى، ليتمكن سلاح المهندسين من مد الجسور على طول القناة لتعبر القوات عليها. ما أحلاها لحظات جسد فيها المصريون ملاحم من البطولة، جعلت الرئيس السادات بعد نجاح الضربة الجوية القاتلة يقول لمن جاوره فى مركز العمليات: «سننتصر بإذن الله». لم يصدق العدو نفسه، وجنوده يفرون أمام ضربات الجيش المصرى والمواجهات الشرسة التى كان يخوضها، حتى جاء اليوم الثالث للقتال 8 أكتوبر، ليحمل أنباء تدمير اللواء المدرع الإسرائيلى 190، وأسر قائده العقيد عساف ياجورى، وأنكرت إسرائيل، وكانت صدمتها عندما خرج عبر شاشات التليفزيون المصرى فى حديث، ليؤكد هزيمته وتدمير لواءه واستسلامه. كانت أيام المعارك تحمل البشرى للمصريين بأن نصر الله قد حل، ومع كل صباح كانت المعارك تزداد شراسة، وتأكد العدو من جرأة وثبات المصريين، وأن المواجهة هذه المرة مختلفة، استعدت لها مصر، بداية من خطة خداع محكمة أذهلت العالم، لخطة عبور إعجازية لم يتخيلها أعتى الخبراء ثم مواجهات بالصدور العارية والدروع، أكدت صلابة وقوة المقاتل المصرى. لقد أثبتت حرب أكتوبر أن ما حدث للقوات المسلحة فى حرب يونيو 1967، كان استثناءً، وأنها أبداً لم تكن سبباً فى الهزيمة، وإنما كانت إحدى ضحاياها، وعندما صدر لها أمر القتال فى 73، أثبتت نفسها، ويكفينا فخراً اعترافات قادة إسرائيل أنفسهم، ومن بينهم موشى دايان، من كان يزهو بانتصاره الوهمى فى 67، وهو يبكى ليقول إنه يوم أسود على إسرائيل، ولا بكاء جولدا مائير، واستعطافها لأمريكا فى ثالث أيام الحرب لتنقذها من الضياع، ولا للتسجيلات التى تم رصدها للضباط والجنود والقادة الصهاينة فى أرض المعركة، وهم يصفون هول المعارك وقوة النيران وحجم التدمير والخسارة البشرية والمادية. يا جيش مصر العظيم، كم نحن فخورون بك، شكراً لكل جندى بذل الدم، وتحية لكل شهيد قدم روحه لننتصر، وشكراً وألف تحية للشهيد البطل أنور السادات صاحب قرار العبور، والذى فى أوج المعركة، وفى يومها العاشر، قال أمام الدنيا كلها من مجلس الشعب، فى خطاب النصر: «إن هذا الوطن يستطيع أن يطمئن ويأمن بعد خوف، أنه قد أصبح له درع وسيف».