بعد أيام يهل علينا شهر رمضان بنسماته العاطرة ، شهر جعل الله عز وجل صيامه أحَدَ أركان الإسلام، واختصه بفضائل عظيمة، فهو شهر الصيام والقيام، شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُغْفَر فيه الذنوب والسيئات، وتُضاعف فيه الأجور والحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، ويعتق الله فيه عباده من النيران ، شهر أُنْزِل فيه القُرآن الكريم والبعض منا قد لا يكون استعد لرمضان فتنفلت منه أيام من أيام الرحمة وهو لم ينغمس بعد في روح رمضان ، ومن هنا تأتي أهمية الاستعداد للشهر الكريم وترتيب أوقاتنا وقلوبنا ونياتنا . فكيف نستعد لرمضان من الآن؟ صيام التطوع : فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الصيام في شعبان لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْته فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ " . الإكثار من قراءة القرآن الكريم: حتى إذا جاء رمضان كان يسيرا علينا أن نختم تلاوته ونتدبر آياته . التمرن على الصدقة: حتى إذا جاء رمضان كان الأنفاق يسيرا على قلوبنا وأيدينا . التمرن على قيام الليل: ولو قليلًا، حتى إذا جاء رمضان، سهل علينا القيام حتى نفوز بالخير الكبير لمن صام رمضان وقامه. كيف نستقبل رمضان روحيا ؟ تتهيأ أرواحنا لرمضان بمعرفة فضله العظيم وتقبل قلوبنا بتهيئة النفس للسباق من أجل الفوز بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، فنوصي أنفسنا وأياك بالآتي: ادع الله أن يبلغك شهر رمضان: قبل أيام من رمضان، فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: " اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" . استبشر بفضائل الشهر: قبل أيام من رمضان، قبل أيام من رمضان عليك أن تستبشر بفضائل هذا الشهر، مثل: فتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النار، ومغفرة الذنوب، ونول الرحمات، والعتق من النيران. خطط مسبقا للاستفادة من رمضان: قبل أيام من رمضان، خطط للاستفادة منه ، فضع برنامجا عمليا لاغتنام أيام وليالي رمضان في طاعة الله تعالى، وقسِّم وقتك بين الأسرة، والقراءة، والنوم، والصلوات، والزيارات وكن منظما، ولا تترك نفسك للظروف. قم بإعداد برنامج خاص للدعاء والذكر: قبل أيام من رمضان،قم بإعداد برنامج خاص للدعاء والذكر حَدِّد فيه مطالبك، واكتب أدعيتك وأذكارك، واحرص على أن تجعل لك ذكرا وتسبيحا دُبر كل فعلٍ تقوم به، ودُبر كل صلاة، وقبل النوم وبعده، وفي الأوقات البينية، وبين الأعمال الحياتية، وفي أثناء الخروج والدخول من البيت أو العمل أو محل الدراسة، وفي أثناء السير، ومع كل حركة تقوم بها أثناء عملك. استعن بالله ولا تعجز: قبل أيام من رمضان، استعن بالله ولا تعجز، فالمسلم محتاج إلى الاستعانة بالله، فإن طلبها أعانه الله عز وجل، وإن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وَكَلهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولا. كيف تفوز في شهر رمضان ؟ من المهم ونحن على أعتاب رمضان أن نعد أنفسنا للفوز به ومن هذا الإعداد : الإكثار من الدعاء بالمغفرة: فقد كان عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) إذا أفطر يقول: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي". الاهتمام بالقرآن الكريم اهتماما خاصا: وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها "أن جبريل (عليه السلام) كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة وأنه عرضه في عام وفاته مرتين" . صلاة التراويح والقيام . الجود والكرم: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان . حفظ اللسان وقلة الكلام وتوقي الكذب: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " . الاجتهاد في العشر الأواخر: ففي الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. وأخيرا فها قد انقضى عام تقريبا على رمضان الفائت ، ثقلت فيه نفوسنا وقلوبنا وننتظر رمضان الآن لنقول له كما كان يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : " مرحبا بمطهرنا " ، فمرحبا بمطهرنا ! نسأل الله أن نكون جميعا من عتقاء الشهر الكريم ممن شملهم الحديث الذي رواه الترمذي: «إذا كَانَ أوَّلُ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ فلََمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وفُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ فلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، ويُنَادِي مُنَادٍ: يا بَاغِيَ الخَيْرِ أقْبِلْ، ويا بَاغِيَ الشَّرِّ أقْصِرْ، وللهِ عُتَقَاءُ مِن النَّارِ، وذَلِكَ كُلُّ لَيْلَةٍ» جعلنا الله ممن يصوم ويقوم شهر رمضان إيماناً واحتسابا، وأن يجعلنا من الفائزين المقبولين. النية الخالصة : من التأهب لرمضان وحسن الاستعداد له: أن تعقد العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات، وعلى بذل المجهود واستفراغ كل الوسع في استغلال كل لحظة فيه في رضا الله سبحانه . وهذا العزم ضروري فإن العبد لا يدري متى توافيه منيته ولا متى يأتيه أجله ؟ فإذا انخرم عمره وسبق إليه من الله أمره، وعادت الروح إلى باريها قامت نيته مقام عمله فيجازيه الله على حسن نيته وعلى هذا العزم فينال الأجر وإن لم يعمل . عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعلمها كتبها الله له عنده حسنة كاملة) متفق عليه، وقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى) . ونحن نعرف أناسًا كانوا معنا في رمضان الماضي وليسوا معنا في عامنا هذا وكم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر التوبة الصادقة: وهي واجبة في كل وقت ومن كل ذنب، ولكنها في هذا الحين ألزم وأوجب لأنك مقبل على موسم طاعة، وصاحب المعصية لا يوفّق للطاعة ولا يؤهل للقرب، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان، وإن قيد الذنوب يمنع عن المشي إلى طاعة الرحمن، وإن ثقل الذنوب يمنع الخفة للخيرات والمسارعة في الطاعات فتجد القلب في ظلمة وقسوة وبُعد عن الله وجفوة، فكيف يوفق مثل هذا للطاعة؟. فلابد من التوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء ودوام الاستغفار وكثرة الإلحاح والتضرع إلى الله بالقبول وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار . وعلامة الصدق كثرة الإلحاح ودوام الطلب وكثرة الاستغفار، فارفع يديك إليه وناجه وتوسل إليه. كيفية الاستفادة من الوقت فالوقت هو الحياة، وهو رأس مالك الذي تتاجر فيه مع الله، وتطلب به السعادة وكل جزء يفوت من هذا الوقت خاليًا من العمل الصالح يفوت على العبد من السعادة بقدره. ورمضان من أنفس لحظات العمر، ومما يجعل الإنسان لا يفرط في لحظة منه أن يتذكر وصف الله له بأنه "أيامًا معدودات" وهي إشارة إلى أنها قليلة وأنها سرعان ما تنتهي، وهكذا الأيام الغالية والمواسم الفاضلة سريعة الرحيل، وإنما يفوز فيه من كان مستعدًا له مستيقظا إليه. فإذا أدرك الإنسان قصر وقت رمضان علم أن مشقة الطاعة سرعان ما تذهب وسيبقى الأجر وتوابعه من انشراح القلب وانفساح الصدر وفرحة العبد بطاعة الرب سبحانه. وكم من مشقة في طاعة مرت على الإنسان فذهب نصبها وتعبها وبقى أجرها عند الله إن شاء الله . وكم من ساعات لهوٍ ولعبٍ وغفلةٍ ذهبت وانقضت لذتها وبقيت تبعتها. تقليل من الطعام: وهو مقصد من مقاصد الصيام ومن مقاصد رمضان التعود على تقليل الطعام، وإعطاء المعدة فرصة للراحة، وإعطاء النفس فرصة للطاعة، فكثرة الطعام هذه هي التي قسَّت القلوب حتى صيرتها كالحجارة، وأثقلت على النفوس الطاعة، وزهدت الناس في الوقوف بين يدي الله، فمن أراد الاستمتاع بالصلاة فلا يكثر من الطعام، بل يخفف؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب. تعلم أحكام فقه الصيام: وأحكامه وآدابه حتى يتم الإنسان صيامه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فيسحتق بذلك تحصيل الأجر والثواب وتحصيل الثمرة المرجوة والدرة الغالية وهي التقوى، وكم من إنسان يصوم ولا صيام له لجهله بشرائط الصيام وآدابه وما يجب عليه فيه، وكم ممن يجب عليه الفطر لمرض مهلك أو لعذر شرعي، ولكنه يصوم فيأثم بصومه، فلابد من تعلم فقه الصيام وأحكامه، وهذا واجب وفرض من عين على من وجب عليه الصيام. تعويد النفس على الصيام: وقد كان النبي يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلاً، وكان هذا ضروريًا لتعويد النفس على الصيام حتى إذا جاء رمضان كانت مستعدة بلا كلفة ولا تعب يمنعه عن العمل ويحرمه من كثرة التعبد. القيام: وهي سنة عظيمة أضعناها، ولذة عجيبة ما تذوقناها، وجنة للمؤمنين في هذه الحياة ولكنا يا للأسف ما دخلناها ولا رأيناها. مدرسة تربى فيها النفوس، وتزكى فيها القلوب، وتهذب فيها الأخلاق . عمل شاق، وجهاد عظيم لا يستطيعه إلا الأبطال من الرجال، والقانتات من النساء، الصابرين والصادقين ... بالأسحار هو وصية النبي لنا وعمل الصالحين قبلنا: [عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد]. إن تعويد النفس على قيام الليل ضروري قبل رمضان وبعد رمضان وهو إن كان لازمًا لكل الناس فهو للدعاة والأئمة ألزم، ففيه من الأسرار ما تنفتح له مغاليق القلوب وتنكسر أمامه أقفالها، فتنزل الرحمات والبركات ويفتح على الإنسان من أبواب الفهم والفتوح ما لا يعلمه إلا الله. كثرة التلاوة: شهر رمضان شهر القرءان، فللقرآن في رمضان رمزية خاصة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدارس القرآن مع سيدنا جبريل في رمضان وهكذا كان السلف والأئمة يولون القرآن في رمضان اهتمامًا خاصًا. المسابقة والجدية وهي أصل في العبادة كما في كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). اقرأ أيضا :7 أعمال صالحة احرص عليها في رمضان فاجتهد أيها المسلم أن تكون من أهل الصيام الحق والقيام الصدق لتنال الجائزة بغفران ما تقدم من ذنبك وما تأخر.. أسأل الله الكريم أن يبلغنا بمنه رمضان أعواما عديدة وأزمنة مديدة، وأن يجعلنا في رمضان هذا من عتقائه من النار.. آمين.