في قلب الدرب الأحمر، يقف جامع بيبرس الخياط شاهدًا على عظمة العمارة الإسلامية وقوة الإرادة التي تسطّر التاريخ، هذا الجامع الذي يعود تاريخه إلى العصور المملوكية، يحمل اسم مؤسسه بيبرس الخياط، الذي كان من الشخصيات المميزة في تلك الحقبة. في هذا التقرير، نستعرض حكاية الجامع، ظروف إنشائه، وأبرز المراحل التي مر بها على مدار السنين، ليبقى واحدًا من معالم القاهرة الإسلامية الخالدة، إضافة هامة للجهود المبذولة للحفاظ على التراث التاريخي، حيث يتمتع الجامع بأهمية أثرية ومعمارية كبيرة تعكس روعة العصر المملوكي، ويمثل شاهدًا حيًا على حقبة من تاريخ مصر الإسلامي. من هو بيبرس الخياط؟ بيبرس الخياط هو أحد أمراء الدولة المملوكية، اشتهر بدوره في الدفاع عن الدولة وتطوير بنيتها العمرانية. رغم أنه لم يكن سلطانًا، إلا أنه امتلك مكانة مرموقة مكنته من ترك بصمة معمارية هامة، ومنها جامع بيبرس الخياط. ◄ تاريخ الإنشاء أنشأ جامع بيبرس الخياط الأمير السيفي بيبرس بن عبد الله، أحد أقارب السلطان قنصوه الغوري. وُلد الأمير في عصر يموج بالتغيرات السياسية والاجتماعية، حيث بدأ حياته كخياط للسلطان الغوري قبل أن يتولى مناصب مرموقة، منها أمير أخور كبير ومقدم ألف. رافق السلطان الغوري في رحلاته وحملاته العسكرية، لكنه لقي مصرعه في معركة مرج دابق عام 1516م خلال مواجهات العثمانيين. وتم بناء جامع بيبرس الخياط في القرن السابع الهجري «القرن الثالث عشر الميلادي» في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون. قام بيبرس بتشييد الجامع ليكون شاهدًا على التقوى والعلم، حيث لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل مركزًا اجتماعيًا وثقافيًا يجمع الناس من جميع الطبقات. ◄ الموقع والتصميم المعماري يقع الجامع في حي الدرب الأحمر، وهو أحد أقدم وأعرق أحياء القاهرة. يتميز تصميم الجامع بالطراز المملوكي الفريد، حيث يضم محرابًا مزينًا بالزخارف الهندسية والنقوش القرآنية، ومئذنة بديعة شاهقة تبرز الحرفية العالية في العمارة المملوكية. كما يحتوي الجامع على قاعة واسعة للصلاة، مزودة بأعمدة وأقواس تتسم بالبساطة والجمال. ◄ الدور الاجتماعي والديني للجامع لم يكن جامع بيبرس الخياط مكانًا للعبادة فقط، بل كان مركزًا لنشر العلم والفقه. استُخدم كمنبر لإلقاء الدروس والمحاضرات، واستضاف العلماء والشيوخ، مما جعله ملتقىً هامًا للعلماء والطلاب. اقرأ أيضا| أسرار معابد الكرنك.. رحلة عبر التاريخ والاكتشافات الأثرية على مر العصور، تعرض جامع بيبرس الخياط للعديد من التحديات، من إهمال وترميمات غير مكتملة. لكن محاولات الحفاظ عليه استمرت لتعيد إليه رونقه التاريخي. اليوم، يُعتبر الجامع من المعالم الإسلامية التي تحظى باهتمام كبير من الهيئات المسؤولة عن التراث. ◄ أهمية الجامع في الدرب الأحمر يمثل جامع بيبرس الخياط جزءًا لا يتجزأ من هوية الدرب الأحمر التاريخية. فهو ليس مجرد أثر معماري، بل شاهد حي على حقبة مميزة من تاريخ القاهرة الإسلامية. جامع بيبرس الخياط ليس مجرد مبنى قديم، بل رمز للثقافة والتاريخ الإسلامي. الحفاظ عليه واجب وطني وثقافي، حيث يبقى شاهدًا على إبداع الماضي وعظمة الحاضر، ويستمر في نقل روح التاريخ للأجيال القادمة. ◄ أثر إسلامي في خطوة مهمة للحفاظ على التراث الإسلامي في مصر، أصدر شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، قرارًا وزاريًا بتسجيل جامع بيبرس الخياط، الواقع بشارع الجودرية في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، ضمن عداد الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية. ◄ القيمة الأثرية والمعمارية يعد جامع بيبرس الخياط نموذجًا رائعًا للعمارة المملوكية، حيث يجمع بين البساطة في التصميم ودقة التفاصيل. يتميز الجامع بعناصر معمارية فريدة تشمل الزخارف الهندسية والنقوش الكتابية المثبتة أسفل سقف إيوان القبلة. كما أن قبة الجامع، التي تم تسجيلها ضمن الآثار الإسلامية منذ عام 1951م، تُعتبر تحفة فنية تعكس إبداع المعماريين في تلك الحقبة. أوضح وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن تسجيل الجامع يأتي ضمن جهود الوزارة للحفاظ على الإرث الحضاري المصري الذي يُعد ملكًا للعالم أجمع. هذا القرار يتماشى مع قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983م وتعديلاته، الذي يهدف إلى حماية المواقع ذات القيمة التاريخية. أكد الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن القرار جاء بعد موافقة اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية، واستكمال الإجراءات اللازمة. وشدد على أن تسجيل الجامع ككل يعزز من أهميته، إذ كان تسجيل قبة الجامع فقط لا يعكس القيمة الشاملة للمبنى. ◄ أهمية القرار ودلالاته صرح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، بأن تسجيل الجامع هو خطوة مهمة لتوثيق إرث الأمير بيبرس الخياط، الذي ساهم في تشكيل ملامح الدولة المملوكية. الجامع لا يمثل فقط موقعًا أثريًا، بل يعكس أيضًا ارتباط العمارة بالتاريخ الشخصي لمؤسسيها وأدوارهم السياسية والاجتماعية. تسجيل جامع بيبرس الخياط كأثر إسلامي يفتح آفاقًا جديدة للحفاظ على المعالم التاريخية وتعزيز قيمتها في الوعي العام. هذا القرار يُبرز أهمية التراث الإسلامي كمصدر للإلهام والتعلم، ويعكس التزام الدولة المصرية بحماية هذا الإرث الذي يمثل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية.