جريمة استغرقت دقائق، فعلتها أم تجردت من كل مشاعر الإنسانية والأمومة، فعلتها بكل هدوء، ولم تتراجع في تفكيرها ولو للحظة عن جريمتها البشعة، تخلصت من طفلها وهو نائم حقنته بحقنة أنسولين، وبكل قسوة حقنت طفلتيها الاثنتين ايضًا؛ لكن أنقذتهما العناية الإلهية؛ لتظل تتحسر المتهمة على جريمتها طول حياتها.. لماذا قتلت طفلها؟، وشرعت في قتل ابنتيها؟.. تفاصيل تدمي لها القلوب نسردها في السطور التالية. منال، ربة منزل، في منتصف العشرينيات من العمر، مثلها مثل أي فتاة في سنها، كانت تنتظر الفارس الذي سيأتي ويأخذها على حصانه الأبيض وتعيش معه حياة سعيدة، وها قد تحقق حلمها وتزوجت من شاب يدعى أحمد، عاشت معه في شقة صغيرة.. أيام من السعادة والحب نالتها منال حتى رزقهما الله بطفلين؛ الأول مالك، والثانية أسينات، وبعد شهور وسنوات من الحب والفرحة والهدوء، انقلبت حياتها رأسًا على عقب، وعرفت المشكلات طريقها إليها، وصلت تلك الخلافات بينها وزوجها لحائط سد، فكان الطلاق هو الحل، عادت منال لمنزل أسرتها مرة أخرى، لكن تلك المرة معها طفلين، سيطرت عليها حالة من الحزن والاكتئاب، كيف تعيش حياتها التي انتهت قبل أن تبدأ، وهي مازالت في ريعان شبابها، فنظرات الناس إليها على أنها مطلقة لن ترحمها، لكن وجدت منال الحب يدق بابها للمرة الثانية؛ حيث تقدم لها شاب يدعى عادل طالبًا الزواج منها، ومنذ الوهلة الأولى شعرت منال بارتياح واعتقدت أن الدنيا ستبتسم لها من جديد وسيعوضها هذا الشخص عن أيام صعبة عاشتها، تزوجت منال من عادل وانتقلت للعيش معه وسرعان ما رزقهما الله بطفلة أسمياها رانا، لكن للمرة الثانية انفصلت منال عن زوجها، وأصبحت مطلقة ومعها ثلاثة أطفال هذه المرة وعمرها 26 سنة فقط. فكرة شيطانية عاشت مع أطفالها الثلاثة في شقة صغيرة بأرض الحافي، التابعة لمركز قليوب بمحافظة القليوبية ، وقررت الخروج بحثًا عن لقمة العيش حتى تستطيع أن تنفق على أطفالها، واتخذت قرارًا أن تعيش من أجلهم فقط وألا تفكر في الزواج مرة أخرى، مرت الأيام ولم تقو منال على الصمود طويلا ولم تستطع الإنفاق على أطفالها، وبدلا من طلب المساعدة من أسرتها أو من طليقيها أو مواصلة البحث عن عمل، سيطر الشيطان على عقلها، وبدأت تتقاذفها الأفكار السوداء، وهي ارتكاب جريمة قتل، بحق أطفالها، جلست تفكر وتخطط حتى قررت التنفيذ. عقارب الساعة كانت تشير للثامنة مساء، بينما كانت الأم منال تشاهد التلفاز، وطفلها مالك نائم على قدميها مطمئنًا، ولما لا فهو بين أحضان والدته، فمن سيخاف عليه أكثر منها، لم يدر ذلك الملاك البريء أن والدته التي ينام على قدميها، ستتحول لشيطان رجيم لا يعرف سوى الدم والقتل والتنكيل، أن تقتله بدم بارد وبلا أي ذنب، ظلت تتأمل فيه وتنظر إليه وهي شاردة، وبكل قسوة حقنته بحقنة أنسولين أعدتها مسبقا لجريمتها، ولم تخضع مشاعرها الميتة لنظرات صغيرها وأنينه البريء، حتى هدأت أنفاسه تماما، وقتها تأكدت منال أنه مات، تركته ودخلت غرفة طفلتيها وهما نائمتين، وكأن في تلك اللحظة انتزعت قلبها ووضعت مكانه قطعة من الحجارة، وأقدمت على حقن صغيرتيها بالأنسولين ايضا، لكن يبدو أنها أدركت سريعًا جريمتها واستيقظ ضميرها، ظلت تصرخ حتى اجتمع الأهالي على صراخها، لتخبرهم أن الأطفال لا يتحركون، فأخذ الأهالي الأطفال الثلاثة على أقرب مستشفى في محاولة لإنقاذهم، لكن مالك صعدت روحه للسماء، بينما الطفلتان أنقذتهما العناية الإلهية في اللحظات الأخيرة. اعتراف لم تصمد منال طويلا وانهارت داخل المستشفى وظلت تصرخ «أنا اللي قتلته.. أنا السبب»، فأبلغت ادارة المستشفى مركز الشرطة، وأمام رجال المباحث اعترفت منال بتفاصيل جريمتها وأنها ارتكبت الجريمة لأنها لم تستطع الإنفاق عليهم، وتحولت القضية لمحكمة الجنايات. وتضمن أمر الإحالة الخاص بالقضية؛ بأن المتهمة «منال. ع. أ»، 26 سنة، ربة منزل، تقيم بأرض الحافي بمنطي دائرة مركز شرطة قليوب بمحافظة القليوبية، في يوم 19 / 11 / 2023 بدائرة مركز شرطة قليوب بمحافظة القليوبية، قتلت نجلها الطفل مالك أحمد، عمدًا مع سبق الإصرار. وتابع أمر الإحالة؛ أن المتهمة بيتت النية وعقدت العزم على قتله بدافع الخلاص من عبء رعايته والإنفاق عليه، وأعدت لذلك الغرض جوهرًا سامًا «أنسولين»، فما أن ظفرت به وهو نائم حتى حقنته به قاصدة من ذلك قتله؛ فأحدثت إصابته الموصفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته. وأوضح أمر الإحالة؛ أن المتهمة شرعت في قتل كريمتيها الطفلتين أسينات، ورانا عادل، عمدا مع سبق الإصرار بأن بيتت النية وعقدت العزم على قتلهما بدافع الخلاص من عبء رعايتهما والإنفاق عليهما، وأعدت لذلك الغرض جوهرًا سامًا ايضًا هو «أنسولين» فما أن ظفرت بهما وهما نائمتين حتى حقنتهما به قاصدة من ذلك قتلهما فأحدثت إصابتهما الموصوفة بالتقارير الطبية المرفقة والتي كادت أن تودي بحياتهما إلا أنه قد خاب أثر جريمتها لسبب لا دخل لإرادتها فيه ألا وهو مداركتهما بالعلاج. ظلت القضية متداولة داخل ساحات المحكمة، وأمرت المحكمة بإيداع المتهمة مستشفى الصحة النفسية بالعباسية لمدة 45 يومًا، للتعرف على حالتها النفسية بناءً على طلب دفاعها.. وبعد 45 يومًا جاء التقرير بأنها لا تعاني من أي أزمات نفسية وكانت في كامل قواها العقلية وقت ارتكاب الجريمة؛ لذلك قضت محكمة جنايات شبرا الخيمة، الدائرة الخامسة، برئاسة المستشار أحمد رفعت النجار، وعضوية المستشارين راغب محمد راغب رفاعى، وأمير محمد عاصم، ومحمد يسري البيومي، وأمانة سر رضا جاب الله، بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا للمتهمة بقتل طفلها وشروعها في قتل نجلتيها بحقنهما بمادة الأنسولين بدائرة مركز شرطة قليوب بمحافظة القليوبية؛ ليكون بذلك الحكم عنوان الحقيقة وجزاء ما فعلته المتهمة في حق أطفالها الثلاثة. اقرأ أيضا: المؤبد لفني ألموتيال لقتله شخص بشبرا الخيمه تحت الملاحظة السؤال هنا: ماذا يحدث مع مرتكبي جرائم القتل خلال وضعهم 45 يومًا تحت الملاحظة في المصحة النفسية؟ يجيب في البداية دكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي قائلا: الهروب من قبضة العدالة والإفلات من المساءلة الجنائية حلم يراود جميع المجرمين، ولو آمن كل مجرم يرتكب جريمة بأن العقاب ينتظره لفكر ألف مرة قبل أن يقدم عليها؛ ولكن كل مجرم يتوهم دائما أنه قادر على استغلال ثغرات القانون للهروب من فعلته، وأشهر حيلة يلجأ إليها مرتكبو جرائم القتل تحديدا هي ادعاء الجنون؛ للهروب من المساءلة الجنائية، ولكن سريعا ما تنكشف أكاذيبهم.. فأي شخص أو متهم تأمر النيابة بعرضه على الطب النفسي لمدة 45 يوما، فهي تسمى فترة الملاحظة؛ يتم من خلالها عمل اختبارات نفسية له، ولقاء مع الأطباء، فهذا الشخص يكون متواجدًا داخل المكان بحيث يتم رصد كلامه، أكله، حركته، انفعالاته، تصرفاته مع الآخرين سواء المرضى أو الممرضين أو الأطباء». وأوضح قائلا: «بالنسبة للقائه بالأطباء، نتحدث معه في كل شيء؛ أحواله.. الدنيا.. بيته.. تفاصيل لها علاقة بالجريمة؛ فالاستشاري يجلس معه مرة كل أسبوع، والأخصائي مرة كل ثلاثة أيام، والنواب كل يوم.. وفي النهاية نجتمع سويًا لعرض رأي كل منا وكتابة التقرير مضاف له رنين مغناطيسي على المخ ورسم مخ للشخص ونحدد إذا كان مسئولًا أم غير مسئول عن جريمته». وأضاف: «وفي الجرائم الكبرى يتم عرضه على جهاز كشف الكذب، وهو عبارة عن كرسي مجهز وبه أجهزة حساسة، ونعطيه الأسئلة والتي تكون من 9 وحتى 13 سؤالا، لا تقبل المناقشة؛ أي الإجابات بنعم أم لا، نعطيه تلك الأسئلة يقرأها جيدا قبل البدء، مع الاحتفاظ بسؤال واحد فقط له علاقة بالجريمة يفاجأ به أثناء جلوسه على الجهاز ومن خلاله نتمكن من رؤية انفعالاته وقتها والتغيرات الفسيولوجية التي تحدث له، وقبل جلوسه على الجهاز لابد وأن يكون مجهزًا نفسيًا لذلك، نومه كان جيدًا.. هادئ الطباع.. وفي حالة جيدة.. و45 يوما هي مدة كافية جدا لمعرفة إذا كان صادقا أم يدعي الجنون وأحيانا من جلسة واحدة ونتيجة خبراتي أتمكن من معرفة الحقيقة».