انطلاق اجتماع «صحة النواب» لمناقشة طلبات إحاطة بشأن مشكلات التأمين الصحي ونقص الخدمات بالمحافظات    شيخ الأزهر يهنئ الرئيس السيسي والقوات المسلحة بذكرى تحرير سيناء    رئيس الوزراء يفتتح مصنع "نيو سيفلون" لمنتجات الألومنيوم وأدوات الطهي    ارتفاع جماعي لمؤشرات البورصة بمنتصف تعاملات اليوم    جمعية الهلال الأحمر الإيرانية تدين الاعتداء على سفينة تحمل مستلزمات طبية لمرضى الغسيل الكلوي    التشكيل المتوقع للزمالك أمام بيراميدز في قمة الدوري المصري    كرة طائرة - بتروجت يستهل مشواره في إفريقيا بالخسارة أمام نيمو ستارز    الداخلية عن شكوى سائح مع أجرة توصيله للمطار: الواقعة قديمة والسائق تم ضبطه    إصابة 3 أشخاص في حادث تصادم بطريق أبو سمبل بأسوان (صور)    محمد رمضان يكشف سر غيابه: فيلم "أسد" وراء الابتعاد وعودة قوية في رمضان 2027    محافظ القليوبية يكرم الأمهات المثاليات والأيتام ويمنح جوائز للمتفوقين من دور الرعاية    وزير السياحة والآثار يتابع مستجدات إطلاق منظومة مدفوعات الشركات "CPS"    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن :أفلطة الصورة!?    وزير الصحة يفتتح مؤتمر ISCO 2026    رئيس فنلندا ل اليوم السابع: قيادة الرئيس السيسى مبهرة وبالغة التأثير    الهلال الأحمر المصري يدفع بنحو 5480 طن مساعدات عبر قافلة زاد العزة ال181 إلى غزة    قرار جمهوري بالموافقة على انضمام مصر كدولة شريكة لبرنامج «أفق أوروبا»    ارتفاع أسعار النفط 1% وتداولها قرب 103 دولار للبرميل    شوبير: بن شرقي خارج الأهلي في هذه الحالة    حسن شحاتة: رفضت أن يعتذر ميدو بعد أزمة السنغال.. ولم أكن أعلم أنه مصابا    وزيرة الإسكان تترأس اجتماع اللجنة التنسيقية العليا لمياه الشرب والصرف الصحي    محافظ المنيا: شون وصوامع المحافظة تستقبل 32 ألف طن من القمح ضمن موسم توريد 2026    في ضربة أمنية قاصمة.. مقتل 3 من أخطر العناصر الإجرامية وضبط طن سموم ب 123 مليون جنيه بأسوان    الداخلية تضرب مافيا الدقيق وتصادر 7 أطنان قبل بيعها في السوق السوداء    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى إمبابة دون إصابات    محكمة الاستئناف تقبل استئناف السائح الكويتي وتخفف الحكم إلى سنة بدلا من 3 سنوات    رئيس جامعة العاصمة يشهد حفل تخرج الماجستير المهني في إدارة الأعمال بالأكاديمية العسكرية    ارتفاع مبيعات السيارات في أوروبا بنسبة 12.5% خلال مارس الماضي    الأعلى للإعلام: منع ظهور هانى حتحوت 21 يوما وإلزام «مودرن إم تي أي» بمبلغ 100 ألف جنيه    آخر تطورات الحالة الصحية للفنان هانى شاكر    الأب في المقدمة و«الاستضافة» بديل الرؤية.. أبرز تعديلات حضانة الأطفال في قانون الأحوال الشخصية 2026    «دار الكتب»: 30% تخفيضات لتعزيز العدالة الثقافية وتيسير وصول الكتاب    مقتل جندي فرنسي من قوات اليونيفيل وقصف من جنوب لبنان في منطقة الجليل    محكمة العدل الأوروبية تلغي مساعدات حكومية بقيمة 6 مليارات يورو للوفتهانزا    وزير الخارجية خلال افتتاحه حملة للتبرع بالدم لمستشفى 57357: الصحة مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع    وكيل تعليم الدقهلية يفتتح منافسات أولمبياد العلوم لمدارس اللغات    الأرصاد تكشف عن موعد انتهاء البرودة    «مدير آثار شرق الدلتا»: اكتشاف تمثال رمسيس الثاني يعكس مكانة المواقع الدينية والتاريخية    جوارديولا يشيد بأداء السيتي رغم الإجهاد: أهدرنا فرصًا كثيرة أمام بيرنلي    منافس مصر - فايننشال تايمز: مقترح رئاسي أمريكي لاستبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026    تضارب الأنباء بشأن إفراج الإمارات عن القيادي في الجيش السوري عصام البويضاني (فيديو وصور)    الكنيسة الكاثوليكية بمصر تهنئ رئيس الجمهورية وقيادات الدولة والقوات المسلحة بذكرى تحرير سيناء    الرئيس السيسي يضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري وقبر السادات    وزارة الاتصالات: إطلاق قصر الثقافة الرقمي عبر منصة رقمية قريبا    البرلمان يستعد لتعديل قانون الأحوال الشخصية.. استبدال الاستضافة بالرؤية.. الأب في المرتبة الثانية لحضانة الطفل.. وإنشاء المجلس الأعلى للأسرة "أبرز المقترحات"    بالأسماء، تعيين وكلاء ورؤساء أقسام جدد بجامعة بنها    برشلونة يستعد لتوجيه صدمة ل راشفورد    عبدالجليل: التعادل الأقرب لحسم مواجهة الزمالك وبيراميدز    بسبب إجازة عيد العمال.. تعديل جدول امتحانات شهر أبريل 2026 لصفوف النقل وترحيل المواعيد    الرعاية الصحية: تقديم أكثر من 2.4 مليون خدمة طبية بأعلى معايير الجودة بجنوب سيناء    بروتوكول بين الصحة والشباب لدعم مبادرة الألف يوم الذهبية وبناء جيل صحي    الاتحاد الأوروبي يبحث حلولًًا بديلة لتجنب تحول أزمة الطاقة إلى اضطرابات مالية    ضمن "حياة كريمة".. صحة المنيا توفر 1222 خدمة طبية لأهالي مهدية    فلسطين.. غارة إسرائيلية تستهدف مفترق المسلخ غرب خان يونس جنوب قطاع غزة    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    هل الدعاء يُغير القدر؟!    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الأخبار
وحشية العصر

تقدمت رئيسة وزراء الهند وفي يدها »سيخ حديد»‬ داخل المحرقة وسط العاصمة ودفعت بذلك السيخ الحديدي إلي رأس ابنها في جثته المسجاة أمامها حتي تحدث بها فتحة فلا تنفجر عند الحرق.
إن ما شهدناه من حرق للطيار الأردني الأسير حيًا داخل قفصٍ حديدي يعيد إلي الأذهان ذكري عصور الظلام في التاريخ السحيق فهكذا كان يفعل »‬جنكيز خان» وغيره من البرابرة، كما أن القتل حرقًًا تقليد »‬مجوسي» لم تعرفه الثقافة العربية ولا الإسلامية، نعم كان بعض الأفارقة في الزمانات الماضية يحرقون السحرة أحياء لجرمٍ ارتكبوه أو لبيتٍ خربوه أمّا المشهد الذي رأيناه الأسبوع الماضي فسوف يظل عالقًا في الأذهان إلي الأبد، لقد كنت أدلف إلي أحد الفنادق لموعدٍ مع صديق فرأيت مسئولي الأمن مجتمعين لمشاهدة شيءٍ مثير وقد تملكهم حزن شديد فإذا به منظر الطيار الأردني يدق بيديه القفص الحديدي في محاولات اللحظة الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه ويسقط متحولاً إلي كومة رماد، هل عرفنا في التاريخ الإسلامي شيئًا من هذا؟! هل هذه »‬بروفة جهنم» يتصور »‬الدواعش» أنهم يقيمون عذاب الله علي الأرض بديلاً عنه في الآخرة؟ ما هذا الذي يحدث بعد جرائم ذبح روَّعت الدنيا كلها في الفترة الأخيرة علي يد من فوجئنا بهم منذ شهور قليلة فإذا بهم يهتكون العرض ويستولون علي الأرض ويذبحون الأبرياء ويحرقون الأسري ولولا أنني أدرك جيدًا أننا نعيش في ظل حضارةٍ معاصرة أفرزت »‬حقوق الإنسان» ودعت إلي رعاية الحد الأدني من آدمية البشر، لولا ذلك لظننت أن ذلك الكابوس يعني العودة إلي العصور البربرية في تاريخ الإنسانية، ولأنني أرفض عقوبة الإعدام ومن معارضيها رغم أنني أعلم أن (لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) إلا أنني أري أن انتظار الموت في وقت محدد أشد هولاً من الموت ذاته، لذلك رأيت رد الفعل الأردني رغم أنه استهدف إرهابية وإرهابيًا ليس رد الفعل الأمثل لهذه الجرائم، فالرد الصحيح يكون بمقاومة القتلة والسفاحين في عقر دارهم وعلي الأرض التي احتلوها وهجروا أهلها بلا جريرة أو سبب، وأظن أن بسالة الطيران الأردني في هذا السياق قد حققت رد الفعل المطلوب، إنني أري أن العالم لم ينتبه جيدًَا إلي المخاطر التي بدأت تطفو علي السطح، فكما كانت الإنسانية في طفولتها بربرية ووحشية ودموية تحكمها شريعة الغاب فها هي تعود اليوم إلي سيرتها الأولي، إنني لا أكاد أصدق كيف يري والد الطيار الأردني أو زوجته ذلك الفتي يحترق في ثوانٍ قليلة ولا يبقي منه إلا الرماد، وقد رأيت »‬الهنود» يحرقون موتاهم معطرين بخشب الصندل والأبخرة ذات الروائح الطيبة، وقد كنت أعمل في العاصمة الهندية يوم أن تقدمت »‬أنديرا غاندي» من جثمان ابنها »‬سانجاي» الذي كانت تعده لخلافتها فهو ابنها الثاني القوي والواعد ولكنه قضي في حادث طائرة، فتقدمت رئيسة وزراء الهند وفي يدها »‬سيخ حديد» داخل المحرقة وسط العاصمة ودفعت بذلك السيخ الحديدي إلي رأس ابنها في جثته المسجاة أمامها حتي تحدث بها فتحة فلا تنفجر عند الحرق، ووقفت الأم تواجه تلك اللحظة القاسية ولكن عزاءها أن ابنها قد مات ولا يشعر بشيء، فهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟! ولكن المؤلم في حالة الطيار الأردني أنه بقي حيًا وهو يحترق واعيًا في لحظاته الأخيرة بمأساة النهاية المروّعة، إنني أطالب »‬الأزهر الشريف» أكبر مركزٍ ديني في العالم بإعلان تكفير تلك الشراذم الباغية وليس مجرد تطبيق »‬حد الحرابة» عليهم كما جاء في بيان »‬الأزهر» الأخير فهؤلاء لا يمثلون طائفة إسلامية ولا جماعة تؤمن بالله وتخشاه وتحترم رسوله وترعاه، إنها فئة باغية عصت الله وخرجت عن نواميس الحياة وقاموس الوجود وأصبحت مجموعة من الخوارج علي الإسلام والعروبة، بل هم لايملكون »‬كتالوج» يقدم لنا أبجديات التعامل معهم وفك شفرتهم، إنها في رأيي توليفة شريرة من بقايا الجيش العراقي الذي سرحه الأمريكي »‬بريمر» إلي فلولٍ من تنظيم »‬القاعدة» مع عناصر من أركان الجريمة المنظمة في الدول المختلفة فضلاً عن المأزومين من الشباب من أنحاء العالم، إنه تجمع دموي لمطاريد العصر وغلاظ القلوب وعديمي الإنسانية، ويبدو أن إرهابهم قد بدأ يعطي بعض ثماره إذ أن بعض الدول المشاركة في التحالف ضد »‬داعش» قد بدأت تعيد حساباتها وتحاول تجميد دورها خشية ضغوط الرأي العام الداخلي لديها أمام مشاهد العنف التي تجاوزت الحدود وخرجت عن السياق الإنساني مهما بلغت قسوته وزادت ضراوته، ولعلي أقول صراحة إنه لن يوقف زحف تلك الجحافل الباغية إلا مقاومة من جنس العمل بتنشيط جماعاتٍ تشن عليها حرب عصابات أرضية وهو أمر نجح فيه »‬الأكراد» رغم الخسائر البشرية التي تكبدوها، إننا أمام محنة تبدو كالعوم في المياه ضد التيار فإما أن نتقدم وإلا فالتراجع حتمي لأن حالة الاستقرار والثبات غير واردة.
الصحافة
أسجل بدايةً أنني أتعاطف تمامًا مع »‬سجين الرأي» حتي لو اختلفت معه كما أنني ضد حبس الصحفيين بشكل مطلق، وأعترف أنني مارست الكتابة الصحفية علي مدي أربعين عامًا مضت أو أكثر ولكني أبدي انزعاجي الشديد لوضع أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في السنوات الأخيرة، ولعلي أضع أمام القارئ الحقائق الآتية فيما يتصل بالصحافة تحديدًا:
أولاً: إن جزءًا كبيرًا من مشكلة الصحفيين الشباب ليس سوء النية ولا الانحراف الوظيفي، ولكن المشكلة هي افتقاد المهنية وقلة الخبرة وانعدام التدريب، فإذا استمع الصحفي الشاب إلي محاضرة فإنه يلتقط منها بعض النصوص بلا وعي ويقف أمام بعض العبارات متصورًا أنها مصدر للإثارة بغض النظر عن الإطار العام للفكرة المطروحة وصياغتها وتداول عناصرها، إن الصحفيين الشباب مهما كانت درجاتهم العلمية محتاجون إلي تدريبٍ مهني يجعلهم يركزون علي الجوهر بحيث لا تضيع الأفكار الأساسية في زحام الانتقاء الجزئي للعبارات.
ثانيًا: إن ضيق الوقت بين الحصول علي الخبر واستكمال صياغته لتقديمه للصحيفة يجعله خبرًا »‬مسلوقًا» لم يتم إنضاجه علي نارٍ هادئة من التمحيص ووضوح الرؤية، كما أن الصحافة قد عرفت مؤخرًا عناصر تحترف توزيع الأخبار بين الصحف بل وتقوم بمقايضتها بين زملاء من رفاق المهنة!
ثالثًا: بدأت الصحافة الحديثة من مصر وشارك فيها أشقاؤنا من الشوام فصدرت أول صحيفة بالعربية من »‬مصر» وأول صحيفة كردية من »‬مصر»، بل إن الكنانة عرفت المطبوعات اليهودية والمسيحية والإسلامية جنبًا إلي جنب، فمصر بلد مفتوح بطبيعته معتدل بفطرته، لم يعرف جرائم النشر إلا بعد أن تعقدت الحياة ووفد علي »‬صاحبة الجلالة» دخلاء من كل حدب وصوب.
.. إنني إذ أعتز بالصحافة والصحفيين مؤمنًا بقدسية الكلمة فإنني أدعو شباب المهنة إلي مزيدٍ من اكتساب الخبرات والانفتاح علي التجارب الإعلامية الأخري والابتعاد عن توظيف الصحافة لخدمة الإثارة وإحداث الفرقعة والمضي وراء التهويل أو التهوين خصوصًا وأن »‬مصر» قد أنجبت كبار الكتاب والصحفيين أمثال »‬أمين الرافعي» و»محمد التابعي» والأخوين »‬علي أمين» و»مصطفي أمين» و»محمد حسنين هيكل» و»إحسان عبد القدوس» وغيرهم من أساتذة هذه المهنة المقدسة علي مر الأجيال، ويكفي أننا اعتبرناها »‬سلطة رابعة» إلي جانب السلطات التقليدية الثلاث.
معرض الكتاب..
مرة أخري
عدت إليه بعد سنوات من الابتعاد، فمنذ رحيل »‬د.سمير سرحان» تصورت أن بريق المعرض الساطع وأضواءه اللامعة لن تعود مرة أخري إلي أن دعاني »‬د.أحمد مجاهد» رئيس الهيئة العامة للكتاب لإلقاء محاضرة حول »‬تجديد الخطاب السياسي» علي اعتبار أن الإمام المجدد »‬محمد عبده» هو الشخصية التاريخية لمعرض الكتاب هذا العام وعلي اعتبار أن قضية »‬تجديد الخطاب الديني» قد أصبحت علي كل لسان والحقيقة أن الإصلاح قضية متكاملة تشمل الخطاب الديني والثقافي والاجتماعي بنفس الدرجة، ولقد اخترت أن يدير محاضرتي ابن محافظتي الروائي المتميز »‬يوسف القعيد» وهو الذي تولي مهمته باقتدار ووضع الأمور في نصابها بالسيطرة علي العدد الكبير من الحاضرين الذين فاق عددهم تصورنا فالشباب في حالة نهم إلي المعرفة ورغبة في إشباع فضوله تجاه القضايا المختلفة التي تحيط به، ولقد أجبت في أعقاب المحاضرة علي ثمانية عشر سؤالاً أو تعليقًا من الحاضرين وهم يمثلون اتجاهاتٍ عقائدية مختلفة فضلاً عن تعدد جنسياتهم أيضًا، ولقد توصلنا في نهاية ذلك اللقاء إلي بلورة تصور واضح للأفكار والإجراءات المطلوبين لتجديد الخطاب السياسي المعاصر، ولقد تركز جزء مهم من حوار تلك المحاضرة حول »‬نظرية المؤامرة» في تفسير التاريخ وخلصنا إلي أن المؤامرة موجودة عبر العصور ولكن لا يجب اتخاذها سببًا للتقاعس أو مبررًا للاستسلام مهما كانت الظروف والتحديات.
الإمكانات المادية والهيمنة السياسية
يزعجني كثيرًا أن أشعر أن رأس المال هو المسيطر علي الانتخابات القادمة سواء في المقاعد الفردية أو القوائم الجغرافية وذلك يعني ببساطة أن من يحوزون مصادر الثروة سوف يسيطرون علي »‬برلمان الثورة»، ولابد أن أعترف صراحة أنه يمكن أن نتجاوز عن ذلك مؤقتًا في هذا البرلمان تحديدًا إذا كان فيما يحدث في دهاليز السياسة وكواليس الأحزاب ما يصنع جبهة قوية في مواجهة قوي الإرهاب والتطرف لأننا لو خيرنا بين سطوة التيارات الدينية أو سيطرة الجماعات الاقتصادية فإننا قد نقبل الأخيرة لأن الخلاص منها سهل بينما جربنا الأولي فكان الخلاص منها غالي الثمن باهظ التكاليف، ولكن الأفضل من الحالتين هو أن تتمثل الإرادة الشعبية للمصريين في صناديق الاقتراع علي نحو يتمشي مع روح الثورة وشفافية الحكم والرغبة في الخروج من »‬جلباب» الماضي، وأنا أتذكر الآن التجربة البرلمانية الهندية التي عايشتها أربع سنوات كاملة وأدركت معها أن الفقر والأمية والتعددية العرقية واللغوية والدينية لم تمنع الهند من أن تكون هي أكبر ديمقراطيات العالم المعاصر علي الإطلاق، فالديمقراطية في النهاية هي مناخ سياسي صحي وهي بيئة متحضرة وسلوك وطني مستقيم، ويجب أن ننتهز فرصة الانتخابات النيابية الجديدة للترويج لروح التفاؤل والخروج من شرنقة الإحباط واضعين في الاعتبار أن وجود »‬مجلس نواب» منتخب لا يمثل إنجازًا سياسيًا فحسب ولكنه ينعكس علي النشاط الاقتصادي أيضًا فهناك دول كثيرة في العصر الحديث لا تضخ استثماراتها كما لا تثق في تعاملاتها إلا مع دولة فيها برلمان يملك من الحيوية ما يصحح الأخطاء ويرفع المظالم ويرد الحقوق، فمرحبًا بالانتخابات البرلمانية قبيل القمة الاقتصادية!
تقدمت رئيسة وزراء الهند وفي يدها »سيخ حديد»‬ داخل المحرقة وسط العاصمة ودفعت بذلك السيخ الحديدي إلي رأس ابنها في جثته المسجاة أمامها حتي تحدث بها فتحة فلا تنفجر عند الحرق.
إن ما شهدناه من حرق للطيار الأردني الأسير حيًا داخل قفصٍ حديدي يعيد إلي الأذهان ذكري عصور الظلام في التاريخ السحيق فهكذا كان يفعل »‬جنكيز خان» وغيره من البرابرة، كما أن القتل حرقًًا تقليد »‬مجوسي» لم تعرفه الثقافة العربية ولا الإسلامية، نعم كان بعض الأفارقة في الزمانات الماضية يحرقون السحرة أحياء لجرمٍ ارتكبوه أو لبيتٍ خربوه أمّا المشهد الذي رأيناه الأسبوع الماضي فسوف يظل عالقًا في الأذهان إلي الأبد، لقد كنت أدلف إلي أحد الفنادق لموعدٍ مع صديق فرأيت مسئولي الأمن مجتمعين لمشاهدة شيءٍ مثير وقد تملكهم حزن شديد فإذا به منظر الطيار الأردني يدق بيديه القفص الحديدي في محاولات اللحظة الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه ويسقط متحولاً إلي كومة رماد، هل عرفنا في التاريخ الإسلامي شيئًا من هذا؟! هل هذه »‬بروفة جهنم» يتصور »‬الدواعش» أنهم يقيمون عذاب الله علي الأرض بديلاً عنه في الآخرة؟ ما هذا الذي يحدث بعد جرائم ذبح روَّعت الدنيا كلها في الفترة الأخيرة علي يد من فوجئنا بهم منذ شهور قليلة فإذا بهم يهتكون العرض ويستولون علي الأرض ويذبحون الأبرياء ويحرقون الأسري ولولا أنني أدرك جيدًا أننا نعيش في ظل حضارةٍ معاصرة أفرزت »‬حقوق الإنسان» ودعت إلي رعاية الحد الأدني من آدمية البشر، لولا ذلك لظننت أن ذلك الكابوس يعني العودة إلي العصور البربرية في تاريخ الإنسانية، ولأنني أرفض عقوبة الإعدام ومن معارضيها رغم أنني أعلم أن (لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) إلا أنني أري أن انتظار الموت في وقت محدد أشد هولاً من الموت ذاته، لذلك رأيت رد الفعل الأردني رغم أنه استهدف إرهابية وإرهابيًا ليس رد الفعل الأمثل لهذه الجرائم، فالرد الصحيح يكون بمقاومة القتلة والسفاحين في عقر دارهم وعلي الأرض التي احتلوها وهجروا أهلها بلا جريرة أو سبب، وأظن أن بسالة الطيران الأردني في هذا السياق قد حققت رد الفعل المطلوب، إنني أري أن العالم لم ينتبه جيدًَا إلي المخاطر التي بدأت تطفو علي السطح، فكما كانت الإنسانية في طفولتها بربرية ووحشية ودموية تحكمها شريعة الغاب فها هي تعود اليوم إلي سيرتها الأولي، إنني لا أكاد أصدق كيف يري والد الطيار الأردني أو زوجته ذلك الفتي يحترق في ثوانٍ قليلة ولا يبقي منه إلا الرماد، وقد رأيت »‬الهنود» يحرقون موتاهم معطرين بخشب الصندل والأبخرة ذات الروائح الطيبة، وقد كنت أعمل في العاصمة الهندية يوم أن تقدمت »‬أنديرا غاندي» من جثمان ابنها »‬سانجاي» الذي كانت تعده لخلافتها فهو ابنها الثاني القوي والواعد ولكنه قضي في حادث طائرة، فتقدمت رئيسة وزراء الهند وفي يدها »‬سيخ حديد» داخل المحرقة وسط العاصمة ودفعت بذلك السيخ الحديدي إلي رأس ابنها في جثته المسجاة أمامها حتي تحدث بها فتحة فلا تنفجر عند الحرق، ووقفت الأم تواجه تلك اللحظة القاسية ولكن عزاءها أن ابنها قد مات ولا يشعر بشيء، فهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟! ولكن المؤلم في حالة الطيار الأردني أنه بقي حيًا وهو يحترق واعيًا في لحظاته الأخيرة بمأساة النهاية المروّعة، إنني أطالب »‬الأزهر الشريف» أكبر مركزٍ ديني في العالم بإعلان تكفير تلك الشراذم الباغية وليس مجرد تطبيق »‬حد الحرابة» عليهم كما جاء في بيان »‬الأزهر» الأخير فهؤلاء لا يمثلون طائفة إسلامية ولا جماعة تؤمن بالله وتخشاه وتحترم رسوله وترعاه، إنها فئة باغية عصت الله وخرجت عن نواميس الحياة وقاموس الوجود وأصبحت مجموعة من الخوارج علي الإسلام والعروبة، بل هم لايملكون »‬كتالوج» يقدم لنا أبجديات التعامل معهم وفك شفرتهم، إنها في رأيي توليفة شريرة من بقايا الجيش العراقي الذي سرحه الأمريكي »‬بريمر» إلي فلولٍ من تنظيم »‬القاعدة» مع عناصر من أركان الجريمة المنظمة في الدول المختلفة فضلاً عن المأزومين من الشباب من أنحاء العالم، إنه تجمع دموي لمطاريد العصر وغلاظ القلوب وعديمي الإنسانية، ويبدو أن إرهابهم قد بدأ يعطي بعض ثماره إذ أن بعض الدول المشاركة في التحالف ضد »‬داعش» قد بدأت تعيد حساباتها وتحاول تجميد دورها خشية ضغوط الرأي العام الداخلي لديها أمام مشاهد العنف التي تجاوزت الحدود وخرجت عن السياق الإنساني مهما بلغت قسوته وزادت ضراوته، ولعلي أقول صراحة إنه لن يوقف زحف تلك الجحافل الباغية إلا مقاومة من جنس العمل بتنشيط جماعاتٍ تشن عليها حرب عصابات أرضية وهو أمر نجح فيه »‬الأكراد» رغم الخسائر البشرية التي تكبدوها، إننا أمام محنة تبدو كالعوم في المياه ضد التيار فإما أن نتقدم وإلا فالتراجع حتمي لأن حالة الاستقرار والثبات غير واردة.
الصحافة
أسجل بدايةً أنني أتعاطف تمامًا مع »‬سجين الرأي» حتي لو اختلفت معه كما أنني ضد حبس الصحفيين بشكل مطلق، وأعترف أنني مارست الكتابة الصحفية علي مدي أربعين عامًا مضت أو أكثر ولكني أبدي انزعاجي الشديد لوضع أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في السنوات الأخيرة، ولعلي أضع أمام القارئ الحقائق الآتية فيما يتصل بالصحافة تحديدًا:
أولاً: إن جزءًا كبيرًا من مشكلة الصحفيين الشباب ليس سوء النية ولا الانحراف الوظيفي، ولكن المشكلة هي افتقاد المهنية وقلة الخبرة وانعدام التدريب، فإذا استمع الصحفي الشاب إلي محاضرة فإنه يلتقط منها بعض النصوص بلا وعي ويقف أمام بعض العبارات متصورًا أنها مصدر للإثارة بغض النظر عن الإطار العام للفكرة المطروحة وصياغتها وتداول عناصرها، إن الصحفيين الشباب مهما كانت درجاتهم العلمية محتاجون إلي تدريبٍ مهني يجعلهم يركزون علي الجوهر بحيث لا تضيع الأفكار الأساسية في زحام الانتقاء الجزئي للعبارات.
ثانيًا: إن ضيق الوقت بين الحصول علي الخبر واستكمال صياغته لتقديمه للصحيفة يجعله خبرًا »‬مسلوقًا» لم يتم إنضاجه علي نارٍ هادئة من التمحيص ووضوح الرؤية، كما أن الصحافة قد عرفت مؤخرًا عناصر تحترف توزيع الأخبار بين الصحف بل وتقوم بمقايضتها بين زملاء من رفاق المهنة!
ثالثًا: بدأت الصحافة الحديثة من مصر وشارك فيها أشقاؤنا من الشوام فصدرت أول صحيفة بالعربية من »‬مصر» وأول صحيفة كردية من »‬مصر»، بل إن الكنانة عرفت المطبوعات اليهودية والمسيحية والإسلامية جنبًا إلي جنب، فمصر بلد مفتوح بطبيعته معتدل بفطرته، لم يعرف جرائم النشر إلا بعد أن تعقدت الحياة ووفد علي »‬صاحبة الجلالة» دخلاء من كل حدب وصوب.
.. إنني إذ أعتز بالصحافة والصحفيين مؤمنًا بقدسية الكلمة فإنني أدعو شباب المهنة إلي مزيدٍ من اكتساب الخبرات والانفتاح علي التجارب الإعلامية الأخري والابتعاد عن توظيف الصحافة لخدمة الإثارة وإحداث الفرقعة والمضي وراء التهويل أو التهوين خصوصًا وأن »‬مصر» قد أنجبت كبار الكتاب والصحفيين أمثال »‬أمين الرافعي» و»محمد التابعي» والأخوين »‬علي أمين» و»مصطفي أمين» و»محمد حسنين هيكل» و»إحسان عبد القدوس» وغيرهم من أساتذة هذه المهنة المقدسة علي مر الأجيال، ويكفي أننا اعتبرناها »‬سلطة رابعة» إلي جانب السلطات التقليدية الثلاث.
معرض الكتاب..
مرة أخري
عدت إليه بعد سنوات من الابتعاد، فمنذ رحيل »‬د.سمير سرحان» تصورت أن بريق المعرض الساطع وأضواءه اللامعة لن تعود مرة أخري إلي أن دعاني »‬د.أحمد مجاهد» رئيس الهيئة العامة للكتاب لإلقاء محاضرة حول »‬تجديد الخطاب السياسي» علي اعتبار أن الإمام المجدد »‬محمد عبده» هو الشخصية التاريخية لمعرض الكتاب هذا العام وعلي اعتبار أن قضية »‬تجديد الخطاب الديني» قد أصبحت علي كل لسان والحقيقة أن الإصلاح قضية متكاملة تشمل الخطاب الديني والثقافي والاجتماعي بنفس الدرجة، ولقد اخترت أن يدير محاضرتي ابن محافظتي الروائي المتميز »‬يوسف القعيد» وهو الذي تولي مهمته باقتدار ووضع الأمور في نصابها بالسيطرة علي العدد الكبير من الحاضرين الذين فاق عددهم تصورنا فالشباب في حالة نهم إلي المعرفة ورغبة في إشباع فضوله تجاه القضايا المختلفة التي تحيط به، ولقد أجبت في أعقاب المحاضرة علي ثمانية عشر سؤالاً أو تعليقًا من الحاضرين وهم يمثلون اتجاهاتٍ عقائدية مختلفة فضلاً عن تعدد جنسياتهم أيضًا، ولقد توصلنا في نهاية ذلك اللقاء إلي بلورة تصور واضح للأفكار والإجراءات المطلوبين لتجديد الخطاب السياسي المعاصر، ولقد تركز جزء مهم من حوار تلك المحاضرة حول »‬نظرية المؤامرة» في تفسير التاريخ وخلصنا إلي أن المؤامرة موجودة عبر العصور ولكن لا يجب اتخاذها سببًا للتقاعس أو مبررًا للاستسلام مهما كانت الظروف والتحديات.
الإمكانات المادية والهيمنة السياسية
يزعجني كثيرًا أن أشعر أن رأس المال هو المسيطر علي الانتخابات القادمة سواء في المقاعد الفردية أو القوائم الجغرافية وذلك يعني ببساطة أن من يحوزون مصادر الثروة سوف يسيطرون علي »‬برلمان الثورة»، ولابد أن أعترف صراحة أنه يمكن أن نتجاوز عن ذلك مؤقتًا في هذا البرلمان تحديدًا إذا كان فيما يحدث في دهاليز السياسة وكواليس الأحزاب ما يصنع جبهة قوية في مواجهة قوي الإرهاب والتطرف لأننا لو خيرنا بين سطوة التيارات الدينية أو سيطرة الجماعات الاقتصادية فإننا قد نقبل الأخيرة لأن الخلاص منها سهل بينما جربنا الأولي فكان الخلاص منها غالي الثمن باهظ التكاليف، ولكن الأفضل من الحالتين هو أن تتمثل الإرادة الشعبية للمصريين في صناديق الاقتراع علي نحو يتمشي مع روح الثورة وشفافية الحكم والرغبة في الخروج من »‬جلباب» الماضي، وأنا أتذكر الآن التجربة البرلمانية الهندية التي عايشتها أربع سنوات كاملة وأدركت معها أن الفقر والأمية والتعددية العرقية واللغوية والدينية لم تمنع الهند من أن تكون هي أكبر ديمقراطيات العالم المعاصر علي الإطلاق، فالديمقراطية في النهاية هي مناخ سياسي صحي وهي بيئة متحضرة وسلوك وطني مستقيم، ويجب أن ننتهز فرصة الانتخابات النيابية الجديدة للترويج لروح التفاؤل والخروج من شرنقة الإحباط واضعين في الاعتبار أن وجود »‬مجلس نواب» منتخب لا يمثل إنجازًا سياسيًا فحسب ولكنه ينعكس علي النشاط الاقتصادي أيضًا فهناك دول كثيرة في العصر الحديث لا تضخ استثماراتها كما لا تثق في تعاملاتها إلا مع دولة فيها برلمان يملك من الحيوية ما يصحح الأخطاء ويرفع المظالم ويرد الحقوق، فمرحبًا بالانتخابات البرلمانية قبيل القمة الاقتصادية!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.