أخيرا, انتقل الإعلاميون من خانة المطالبة ورد الفعل علي مبادرات الحكومات إلي خانة المبادرة عبر إطلاق المبادرة المصرية لتطوير الإعلام في السابع من مارس الجاري. ليطرحوا من خلالها تصوراتهم حول كيفية العمل الإعلامي وتحصينه من محاولات التقييد والتدخل في محتواه سواء من خلال رأس المال أو من خلال السلطة. ومما لا شك فيه أن العاملين والمهتمين بالعمل الإعلامي هم الأقدر علي بلورة رؤية متماسكة لإعلام جديد قادر علي تخطي أو إصلاح ما علق بالإعلام خلال العقود الماضية. وعلي الأرجح فإن تلك المبادرة قد أتت استجابة للتطورات التي تمر بها مصر في أعقاب ثورة يناير, إذ لم يكن ممكنا ألا تطول الثورة الإعلام, وهو الذي لعب وما زال دورا أساسيا في مجريات العملية الانتقالية, بصرف النظر عن تقويم أي منا لهذا الدور. فالحاصل أن الإعلام التقليدي خاصة المرئي ما زال المصدر الأساسي للمصريين للحصول علي المعلومات ومتابعة الأحداث التي تجري في مصر, الأمر الذي يجعل من الإعلام واحدا من أهم المؤثرات في صنع توجهات الرأي العام المصري سواء في صالح الثورة أو ضدها. كما أن ذلك يعني أيضا أن علي الإعلام دورا مهما لابد أن يضطلع به في المرحلة الحالية. وفي تقديري أنه كي يتحقق الهدف الحقيقي من تلك المبادرة وحتي لا تكون واحدة من المبادرات التي تطرح لمجرد الطرح وتسجيل المواقف علي نحو ما هو شائع في مصر حاليا, فلا بد من أخذ النقاط التالية في الاعتبار من قبل القائمين علي تلك المبادرة: أولا: إذا كان شعار المبادرة هو'' حرية تساوي مسئولية'' وهو شعار يدل علي رغبة حقيقية في إنجاز عمل مختلف, فلا ينبغي أن يغلب الحديث عن حرية الإعلام وما من شأنه أن يمكن الإعلاميين من أداء عملهم علي جانب مسئولية الإعلاميين تجاه الدولة والمجتمع. بل إن المرحلة التي تمر بها مصر وخطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في هذا السياق تحتم ضرورة الاهتمام الشديد بجانب المسئولية التي تقع علي الإعلاميين. فكلما تأكد المجتمع من جدية الإعلاميين في الارتقاء بالإعلام بما يحفظ حق المجتمع ويخدم أهداف الدولة, سوف يكون المجتمع أكثر تأييدا للمبادرة والأفكار التي من شأنها تطوير الإعلام سواء عبر الدستور أو عبر القوانين المكملة. ومن ثم أتصور ضرورة أن يقابل كل فكرة عن الحرية فكرة أخري عن المسئولية, حتي لا تتحول المسئولية إلي مجرد شعار نرفعه دائما دون أن نكون قادرين علي تحمل تبعاته. إذ من شأن ذلك أن يؤكد للمجتمع أن هدف الإعلاميين من المبادرة ليس اقتناص الفرصة السانحة حاليا لتعظيم مكاسبهم فقط. ثانيا: أن الحديث عن تطوير الإعلام لا يجب أن يقتصر علي فئة من الإعلاميين دون غيرهم. فالحديث عن الإعلام لا يعني مطلقا مقدمي برامج التوك شو في الفضائيات الخاصة. ومن ثم فلابد من انضمام إعلاميي التليفزيون المصري والإعلاميين العاملين في المجالات الأخري غير السياسة, مثل الرياضة والثقافة والبرامج الإجتماعية وصناع الدراما والسينما. ثالثا: ضرورة ألا تضم الهيئة الناظمة لعمل الإعلام والتي تعول عليها المبادرة والتي سيقع عليها عبء متابعة مسئولية ومهنية الإعلاميين, أيا من الإعلاميين العاملين بالفعل أي هؤلاء الذين لديهم برامج في أي من القنوات, حتي يتحقق الاستقلال التام لتلك الهيئة. إذ يفضل أن يتولي المسئولية الأساسية عن تلك الهيئة شيوخ الإعلاميين وأساتذة الإعلام, حتي لا تتحول الهيئة في النهاية إلي نقابة ليس لها هم سوي الدفاع عن أعضائها. وأخيرا, ضرورة أن يتم التعامل مع المبادرة المصرية لتطوير الإعلام في إطار أشمل يسعي في الحقيقة لوضع ملامح'' دستور إعلامي'' جديد يتواكب ومرحلة الانفتاح والديمقراطية التي نسعي جميعا لننقل مصر إليها. دستور لحمل الإعلام المصري إلي مصاف الإعلام الدولي ويراعي الخصوصية المصرية أو درجة التطور التي تمر بها مصر, فاستنساخ الدساتير ليس عملا جيدا علي إطلاقه. ونجاح الإعلاميين الذي أخذوا علي عاتقهم المبادرة مرهون بقدرتهم أولا علي تقديم النموذج للإعلام المبتغي, وثانيا علي الانفتاح علي كل الأفكار والتيارات تحقيقا ليس لمصلحة الإعلام فحسب بل لمصلحة مصر والمستقبل الذي نتصوره جميعا لها. [email protected]