دائما, السهل الممتنع هو ما يحير جميع الناس, فالكل يشعر باستفزاز حيال أي شيء, أو أي شخص يتسم بهذه الصفة, ولكن ما أجمل أن يكون الإنسان سهلا, وفي الوقت نفسه ممتنعا, فالأفضل أن يتصف الإنسان بجميع الصفات السلسة السهلة, التي تجعله سهل المراس, يحب الناس التعامل معه, ويجدون ضالتهم في قربه, فهذا من وجهة نظري هو القمة, حتي في الكتابات, فكلما كانت اللغة سهلة, والأسلوب شيقا, ومن السهل أن يفهمه كل من يقرأه, كان الكاتب أقرب إلي الناس. فالثقافة والذكاء لا يمنعان أي شيء أو أي إنسان من أن يكون سهلا, فالسهولة ليست معناها عدم وجود ضوابط أو عدم توفر الثقافة المطلوبة, بل علي العكس, فالسهولة تعني البساطة المحاطة بكل أساليب وأسانيد الحصانة والحماية, وهذا هو معني الامتناع, إن الشيء مهما تكن أو تبلغ سهولته, إلا أنه محاط بسياج طبيعي, لا يجعله عرضة لأي ضرر, فالإنسان الذي يتسم بالبشاشة والأخلاق والقيم, فهو سهل في التعامل ولكنه مستعص علي الخطأ; لأنه محاط بسياج خلقي يحرم عليه أي خطأ ينزل به عن مكانته; والدليل علي ذلك أن الإنسان قد يتعامل بمنتهي اللطف مع الناس, ولكن دون أن يسمح بأي تجاوز ينال منه, وكذلك الأشياء, فنحن جميعا نجيد التعامل مع أخطر الأجهزة الكهربائية, وتصبح سهلة للغاية, ولكن أقل خطأ فيها, قد يتسبب في إنهاء حياة إنسان, ومن يستهين أو يستهتر بالأمور السهلة, هو بالقطع الخاسر في النهاية, فعلي سبيل المثال, من يستهتر بعدوه في الحرب, نظرا لضآلة عدد جيشه, أو لعدم تقدم أسلحته, وبالتبعية يستهين بالإعداد له, فهو بلا شك الخاسر في المعركة; لأن بداية الخسارة, هي إحساسنا بضآلة وقلة حيلة من حولنا, وأغلب من فشلوا ورسبوا دراسيا, هم من استهتروا بالموضوعات السهلة, فهي التي جرت لهم الفشل السريع. وهذا يذكرني بموقف طريف, حدث لأربعة طلاب في إحدي الكليات, حيث لم يكن هناك سوي عدة أيام قلائل علي موعد الامتحانات, فقرروا قضاء يومين أو ثلاثة أيام في منطقة نائية للتنزه والاستمتاع; لاعتقادهم أنهم سوف يعودون بذهن صاف, قادر علي التركيز, وهناك أغرتهم مناظر الطبيعة الخلابة, والماء والخضرة, فتأخروا, ووجدوا أنفسهم لن يتمكنوا من حضور امتحان المادة الأولي, ففكروا في حيلة يختلقونها لأستاذهم; لكي يعيد لهم الامتحان مرة أخري في يوم لاحق, وبالفعل أخبروه بعد عودتهم أن أحد إطارات سيارتهم انفجر في طريق العودة ليلا, وفي مكان مظلم, وخال من السكان, واضطروا لهذا السبب إلي الانتظار حتي اليوم التالي, لإصلاح الإطار, ووافق الأستاذ علي تأجيل الامتحان لهم, وفي اليوم المحدد للامتحان, طلب الأستاذ من التلاميذ الأربعة أن يجلس كل منهم في زاوية من قاعة الامتحان, بحيث لا يستطيع أحدهم رؤية ما يكتبه زميله, وفوجئ الأربعة بورقة الأسئلة تتضمن سؤالا يقول: اأي إطارات السيارة الأربعة انفجر؟ وكم كانت الساعة وقت حدوث الحادث؟ ومن منكم كان يقود السيارة في ذلك الوقت؟ب, ولا شك أنهم جميعا رسبوا في الامتحان; والسبب ببساطة شديدة, أنهم استهانوا بشخص أستاذهم, فهو علي الرغم من إنسانيته الشديدة, التي جعلتهم يطمعون في تأجيله للامتحان, وإعادته لهم, واستهتارهم بشخصه, لدرجة أنهم لفقوا له الأكاذيب; لكي يحققوا مآربهم, فإنه كان ذكيا بما فيه الكفاية, لدرجة جعلتهم يكشفون كذبهم علي الورق, فالامتحان كان في غاية السهولة, ولكنه السهل الممتنع, والأستاذ كان التعامل معه في غاية السهولة كذلك, ولكنه أيضا السهل الممتنع. لذا, علينا ألا نستهين بما هو أو بمن هو سهل, فربما يكون رغم سهولته, شديد الامتناع.