تزكية النفس بغير وجه حق خلق ذميم, ومزلق خطير, يورد صاحبه موارد بني إسرائيل, في الاعتداد بالنفس, والغرور بالعلم والعمل, والاستنكاف عن قبول الحق, ونتيجة ذلك الضلال والإضلال. وكثير ممن نكصوا علي أعقابهم, واستبدلوا الردي بالنجاة, والضلال بالهدي, والكفر بالإيمان, فارتدوا وتزندقوا, وانقلبوا علي دين الله تعالي طعنا فيه وقدحا. حول ذلك المعني يقول الدكتور يحيي زكريا بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر إن القرآن الكريم حذر من مدح الإنسان لنفسه والشهادة لها بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي, فقال تعالي:(فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقي), إذ النفس أمارة بالسوء, ميالة إلي القبائح, راغبة في المعصية, والله تعالي وحده هو الذي يعلم الزكي والتقي ولقد روي في سبب نزول قوله تعالي:(فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقي) أن بعض الناس كانوا يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا, فأنزل الله تعالي هذه الآية. لذا يجب علي المسلم الصادق أن يعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله تعالي وبتوفيقه وتأييده,لأنه تعالي هو الخالق الموفق للعبد لفعل ما تزكو به نفسه وتصلح, قال تعالي:( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكي منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء) ويجب علي المسلم أن يخاف من العاقبة,ولايمتدح ولا يزكي نفسه ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ, ولا يقول لآخرين: أنا خير منكم وأزكي وأتقي; فإن الأمر عند الله تعالي. وفي الحكم: أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس, وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها, ولأن تصحب جاهلا لا يرضي عن نفسه خير من أن تصحب عالما يرضي عن نفسه, وكذا كان شأن سلفنا الصالح, فقد كان أبو سليمان الداراني يقول: لي أربعون سنة وأنا متهم لنفسي, ورويعن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقول: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة, وإن المنافق جمع إساءة وأمنا, ثم تلا الحسن قول الله تعالي:( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلي ربهم راجعون), أي يعملون ما عملوا من أعمال البر, وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم, وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله:(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلي ربهم راجعون)أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق, ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه. وقيل لحكيم: ما الصدق القبيح؟ فقال: ثناء المرء علي نفسه. وقال مطرف: لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. وروي أن رجلا نظر إلي بشر بن منصور السليمي وهو يطيل الصلاة, ويحسن العبادة, فلما فرغ قال له: لا يغرنك ما رأيت مني, فان إبليس لعنه الله عبد الله آلاف السنين, ثم صار إلي ما صار إليه. فمن سعادة المرء أن يقر علي نفسه بالعجز والتقصير في جميع أفعاله وأقواله. ويشير يحيي إلي أن التزكية للنفس جائزة بشرط إقامة الحق وبسط العدل; لأن المسرة بالطاعة طاعة, وذكرها شكرها, والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه, فيقول مثلا: كنا جهالا فعلمنا الله, وكنا ضلالا فهدانا الله, وكنا غافلين فأيقظنا الله. ومن هذا الباب قول يوسف عليه السلام:( اجعلني علي خزائن الارض إني حفيظ عليم), ومنه أيضا قول النبي صلي الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم, وقوله: أنا أعلمكم بالله وأتقاكم, وتجدر الإشارة أيضا إلي أنه قد نهي أيضا عن تزكية المرء غيره تزكية السمعة, أوللدنيا, أو تزكية علي سبيل القطع, فقدثبت أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سمع رجلا يثني علي رجل, فقال: ويحك, قطعت عنق صاحبك, ثم قال: إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة, فليقل: أحسبه كذا, ولا يزكي علي الله أحدا, وصح أيضاعند مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب., كما أن مدح المرء لغيره قد يحمل الممدوح علي العجب, ثم علي الكبر, فيقصمه الله تعالي. ويقول الدكتور نبيل عجيب من علماء وزارة الأوقاف من أجل ذلك إن الله تعالي نهي العباد أن يستكثروا أعمالهم الصالحة; فإنها مهما بلغت لا توازي نعمة واحدة من نعم الله التي لا تحصي. وجاء النهي عن استكثار العمل الصالح في أوائل التوجيهات الربانية للنبي عليه الصلاة والسلام كما في سورة المدثر ولا تمنن تستكثر, المدثر:6] قال الحسن رحمه الله تعالي في معناها: لا تمنن بعملك علي ربك تستكثره. وما نهي العباد عن استكثار العمل الصالح مهما بلغ إلا لأنه سبب لتزكية النفس بلا حق, وقد نهي العباد عن تزكية نفوسهم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقي, النجم:32]. فإن كانت تزكية العبد لنفسه في أمور الدين كان المزكي لنفسه منانا بعمله علي ربه, متخلقا بأخلاق من ضلوا من أهل الكتاب, وإن كانت تزكية النفس في أمور الدنيا فهي دعاية ممجوجة لها قد تصل بصاحبها إلي العجب والغرور والحسد والكبر وفساد القلب, وكل هذه من عظائم الذنوب وموبقاتها. وقد يحتاج العبد إلي تزكية نفسه لدفع ضرر أو تحقيق مصلحة راجحة; كما قال النبي صلي الله عليه وسلم:( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) رواه مسلم. ولما ظن بعض الناس أنه يرخص للنبي عليه الصلاة والسلام ما لا يرخص لهم أزال هذا الظن الفاسد بتزكيته نفسه فقال:( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) رواه البخاري. وإن لم يكن للعبد مصلحة راجحة في ذكر محاسن نفسه, ولا يدفع بذلك مضرة واقعة; فخير له أن لا يزكي نفسه, وأن لا يظهر محاسنها, بل يجعل ذلك بينه وبين الله تعالي; فإن الله تعالي يعلم حسناته وسيئاته. وليتذكر العبد سيئاته في نفسه, ولا يشهرها أمام الناس; لئلا يكون من المجاهرين, ويضيف د. نبيل ان تزكية العبد لنفسه تؤدي به إلي تعظيم ذاته, وهضم الآخرين وتنقصهم, واحتقار أعمالهم ولو كانت كبيرة, وقال أحد العلماء: من أبصر محاسن نفسه ابتلي بمساوي الناس, ومن أبصر عيوب نفسه سلم من رؤية مساوي الناس. وقد تعظم تزكية النفس عند العبد حتي تتحول إلي مرض خطير يعشق فيه ذاته, وهو ما يسميه علماء النفس: النرجسية, فلا يتحدث إلا بها, ولا يري سواها, ولا يعجب بغيرها, نسأل الله تعالي العافية والسلامة. والمزكي نفسه واقع في الكذب لا محالة; لأنه يطلب ثناء الناس وإعجابهم, وقد لا يفي عمله بجلب ثنائهم له فيزيد من عند نفسه ما لم يعمل ليملأ عيونهم, وينال إعجابهم, فيثنوا عليه بما لم يعمل, ويخشي علي من كان كذلك أن يكون من أهل هذه الآية لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم, آل عمران:188]. ولقد كان السلف الصالح عليهم رحمة الله تعالي أشد الناس حذرا من هذا المزلق المهلك, مع قوة إيمانهم بالله تعالي, وكثرة أعمالهم الصالحة, فلا يفخرون بأفعالهم, ولا يحبون ظهورها للناس, ويلحظون نعم الله تعالي عليهم, فيزرون بأنفسهم, ويحقرون أعمالهم خوفا من العجب والرياء وحبوط العمل. لما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه; جعل ابن عباس رضي الله عنهما يثني عليه, ويذكر له مآثره; ليقوي جانب الرجاء في نفسه, فقال عمر رضي الله عنه: المغرور من غررتموه, لو أن ما علي ظهرها من بيضاء وصفراء لافتديت به من هول المطلع. فالحذر من تزكية النفس بلا حق, ومن الثناء عليها بلا موجب ومن أعجب بشيء من عمله فلينظر إلي ذنبه وتقصيره, ومن سرته حسنته, فلتسؤه سيئته حتي يكون مؤمنا.