في شهر رمضان يتغير وجه الكون. فأيامه ليست ككل الأيام ولياليه ليست كبقية الليالي ففيه يتغير كل ما في الكون. أبواب الجنة تفتح وأبواب النار توصد والشياطين تصفد. وتتغير من طباع المسلم وعاداته التي دأب علي المحافظة عليها. فيمتنع عن طعامه وشرابه وشهواته مع طلوع الفجر حتي غروب الشمس, ويقطع الصلة بينه وبين كل ما يؤدي إلي غضب الله وسخطه فيضبط نفسه عن السب والشتم والخوض في الباطل. وهذا التغيير هو المعني بالتقوي التي جعلها الله تعالي ثمرة لعبادة الصيام كما قال الله سبحانه وتعالي يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون. يقول الشيخ محمد عبد العظيم شعلان وكيل مديرية أوقاف القليوبية إن التغيير المنشود في رمضان ليس أمرا سهلا في متناول كل من أراد, ولكنه من الصعوبة بحيث يحتاج إلي مجاهدة للنفس وقوة إرادة وعزيمة صلبة لا تنهار أمام المغريات لذلك احتاج إلي محفزات تعين من أراد أن يظفر به, وهذه المحفزات تنقسم إلي قسمين, محفزات داخلية ومحفزات خارجية. أما الداخلية فهي تتعلق بالجانب الروحي للإنسان ومدي صلته بخالفه سبحانه وتعالي ومدي معرفته بالشراب الجزيل الذي أعده الله سبحانه للصائمين ويتحقق ذلك من خلال فهم النصوص الواردة في كتاب الله تعالي والأحاديث الشريفة, ومن أبرز تلك المحفزات الداخلية الروحية في هذا الشهر استشعار عظمة هذا الشهر الكريم حيث اشتمل علي عبادة لا نظير لها. قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالي: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به وكذلك التعمق في فهم حكم الصوم حيث لم يفرض لأجل الجوع والعطش, وإنما تهذيب للنفوس وتحقيق للتقوي, وهي الحكمة العظمي التي تعين علي الطاعة وتحول بين المسلم والمعصية, كذلك التفكر في الثواب العظيم الذي أعده الله تعالي للصائمين والتعرض لنفحات الله تعالي في هذه الأيام المباركة وقال عليه الصلاة والسلام من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. ويضيف شعلان أن من المحفزات الروحية أيضا اختصاص أفضل ليالي العام في شهر رمضان, وهي ليلة القدر وحتي نزيد من الطاعة فيها لم يطلعنا الله سبحانه وتعالي عليها تحديدا قال سبحانه ليلة القدر خير من ألف شهر ومنها أيضا النظر في أحوال الصالحين في رمضان والوقوف علي سيرتهم والتأمل في حالهم مع مختلف العبادات مما يحفز علي الطاعة والاقتداء بهم. أما عن المحفزات الخارجية فإنها تتمثل في اجتماع المسلمين علي الصيام مما يعين علي تحمل تبعات الصيام والاستمرار في العبادة وفيه دفع للمسلم نحو تغيير سلوكه وعاداته كذلك تغيير السلوك من حيث الطعام والشراب والعبادة والتحكم في النفس وضبط انفعالاتها ليتعود المسلم علي التحكم في شهواته في رمضان وفي غير رمضان, ومن المحفزات الخارجية أيضا تلازم أداء العبادة واستمرارها ما بين سجود وصيام وصلاة وفطور وقيام وتهجد طوال الشهر دون انقطاع مما يساعد علي استمرار الطاعة حتي بعد انقضاء هذا الشهر وأيضا منها السلوك الإيجابي الجماعي من خلال التزام المسلمين أو أكثرهم بالمحافظة علي ضبط سلوكهم مما يشيع جوا من المحبة والألفة بينهم حتي بعد انقضاء شهر رمضان. ويوضح الشيخ شعلان أن هذا التغيير المنشود لابد فيه من مراعاة جوانب عدة حتي تكتمل ثمرته وأول هذه الجوانب علاقة المسلم بالله سبحانه وتعالي, وذلك بالإذعان له والالتزام بأمره والانتهاء عن نواهيه وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون, ولعل رمضان فرصة لإصلاح ما فسد من هذه العلاقة, كذلك علاقة المسلم بنفسه. ففي رمضان فرصة للوقوف مع النفس ومحاسبتها وهو ما يجب أن يكون عليه باستمرار بالإضافة إلي علاقة المسلم بأهله حيث يأتي رمضان فرصة لجمع ما انفرط من الأهل وذوي الأرحام, وذلك بإزالة ما قد يقع في النفوس من تباغض وفي الأرواح من تباعد كذلك علاقة المسلم بمجتمعه, وهي الدائرة الأوسع فالعلاقات المجتمعية بين الأفراد من خلال برهم ونصحهم, وتفقد ذوي الحاجات منهم كل ذلك من مقتضيات الإيمان, وكذلك علاقة المسلم ببني جنسه, وهي تشمل كل بني الإنسان الذين تجمعهم أبوة آدم عليه السلام ويجمعهم أهل خلقتهم. ويقول الشيخ صلاح زاهر مدير عام بالأوقاف: الصوم فرصة ذهبية للتخلص من العادات الرديئة, وتغيير سلوك المسلم إلي الأفضل, وهناك عوامل تعين علي ذلك منها قوة الإرادة والعزيمة وبقدر ما تقوي الإرادة يضعف سلطان العادة. كذلك شمولية نواحي التغيير فإن الصائم يغير في رمضان مواعيد نومه واستيقاظه وطعامه وشرابه وترتيب أولوياته واهتماماته بل حتي مشاعره وانفعالاته, وبالتالي تكون القدرة علي التغيير أكبر وأقوي. قال صلي الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه كذلك من العوامل التي تعين علي التغيير طول مدته فالصائم يلتزم بحكم الشرع ويحرص علي الطاعة, ويترك ما اعتاد عليه لمدة ثلاثين يوما, وهي مدة كافية إذا صدقت نية التغيير, ومن تلك العوامل أيضا عموم أفراد التغيير حيث الصوم في شهر رمضان يحدث تغييرا عاما يشمل جميع أفراد المجتمع المسلم, فكل مسلم يتصف بهذا التغيير الظاهري والباطني, وهذا عامل من أعظم العوامل المساعدة علي التغيير. فالذي يعزم علي التغيير لا يكون وحده بل يجد التغيير في كل الناس حوله. وإذا لم ينجح في التغيير مع وجود العدد الكبير والزمن الطويل فأظن أنك لن تقدر علي التغيير. بل أظن أنك لا تريد التغيير وإذا لم تغير العادات القبيحة في رمضان فأنت من المحرومين, ومن ضمن الذين خالفوا حكمة رب العالمين لأنه جعل الصوم لعباده ليغيروا من أنفسهم فما غيروا إلا موعد أكلهم إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ويوضح الشيخ صلاح زاهر أن تغيير الحال لا يكون بالتمني والأماني, ولكن بالعمل الجاد والنية الخالصة والسلوك القويم فمن أراد أن يصل إلي بر الأمان وشاطيء السلامة فعليه أن يعد الزاد من التقوي والعمل الصالح وأن يحكم السفينة وإلا كان كما قال القائل ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي علي اليابس فشهر رمضان فرصة عظيمة للتغيير وإصلاح النفوس والقلوب وليعلم كل منا أنه يسهم بقسط وافر في تردي الحال وتأخر النصر إذا لم ينتهز فرصة رمضان لزيادة رصيده من الصالحات وتصفية ما عليه من الآثام حيث هو لبنة في بناء الأمة التي وعد الله بتغيير واقعها إلي أحسن, وحالها إلي أفضل إن هم غيروا ما بأنفسهم. ويضيف زاهر لا تقل من أين أبدأ: طاعة الله البداية لا تقل أين طريقي: شرعة الله الهداية لا تقل أين نعيمي: جنة الله كفاية. هيا إلي إرادة وعزيمة قوية وقرار شجاع وسعي للتغيير إن الله عز وجل لم يكتب القرب من أحد إلا بسعي منه وإقبال كما جاء في الحديث القدسي من تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا, ومن أثاني يمشي أتيته هرولة. وينصح الشيخ زاهر بأن نغتنم شهر التغيير لنصلح أنفسنا ونغير من عاداتها القبيحة إلي عادات حسنة فإن غاية الصيام معالجة النفس وإصلاحها لتكتسب بعدها الإرادة القوية والعزيمة الجادة علي طريق الإصلاح. ويجب علينا أن نغتنم هذا الشهر أيضا في إصلاح قلوبنا ونسقط أمراضها إلي الأبد من حسدها وحقدها وغشها ومن الشحناء والبغضاء, ومن التهاجر والتقاطع لتعود إلي فطرتها الحقيقية قال عليه الصلاة والسلام صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن غل الصدر.