لقد أثبتت التجربة العملية بعد ثورتين أننا ما نزال عاجزين عن إدارة أي أزمة أو حل أي مشكلة بسيطة قبل أن تتفاقم وتتحول إلي مارد عملاق يلتهم كل ما يقف في طريقه, ولعل فضيحة اعتداء أمناء الشرطة علي أطباء مستشفي المطرية خير دليل علي ذلك, فبدلا من تطبيق القانون بكل شفافية علي الجميع, ومحاسبة المتجاوزين, انجرفنا إلي سياسة القطيع, أمناء الشرطة صبوا جام غضبهم علي أطباء المستشفي, ونقابة الأطباء أعلنت الحرب علي وزيري الصحة والداخلية, وتفاقمت الأزمة بسبب عجزنا عن إدارتها بالشكل الصحيح. والسبب يرجع إلي تطبيق سياسة الطبطبة التي بدأت بعقد اجتماع بمجلس النواب حضره عدد من النواب وممثلون لنقابة الأطباء وممثل عن وزارة الصحة وآخر عن الداخلية, في محاولة للطرمخة علي الفضيحة, والنتيجة كانت مأساوية استدعت في النهاية تدخل رئيس الوزراء من أجل معاقبة المدانين في الواقعة. وهناك العديد من علامات الاستفهام التي تطرح نفسها بكل قوة ألا وهي: إلي متي ستتم معالجة أي مشكلة وفقا للكتالوج القديم؟ ومتي يتم تطبيق القانون علي الجميع بدون طبطبة؟ وهل فعلا نحن جادون في إعلاء دولة القانون؟ أم أن هناك فئات بعينها لا تزال تري نفسها فوق القانون وفوق المحاسبة؟ بسبب غياب دولة القانون وعدم الشفافية والمماطلة اختلط الحابل بالنابل, وتم النفخ في كير نقابة الأطباء حتي اشتعلت, وركب أعداء الوطن من المتربصين الموجة, وأعلن نشطاء السبوبة والمتضامنون من الذين لا مهنة لهم عن تعاطفهم, وارتفع سقف المطالب والتجاوزات إلي دعوات بالإضراب وغلق المستشفيات ومعاقبة المرضي. بالتأكيد لن تكون واقعة المطرية هي الأخيرة بين قبيلة أمناء الشرطة وقبيلة الأطباء, وهذا ليس حادثا عارضا لا يستوجب الوقوف عنده, ولكنه حادث متكرر بنفس السيناريو الكريه وبنفس الأخطاء بين القبائل المتناحرة في صحراء الوطن, ولعل السنوات الأخيرة حافلة بالوقائع المؤسفة بين المحامين والقضاة والشرطة. ويبدو أننا ما نزال في جاهليتنا الأولي فبدلا من أن نقتدي بالحديث النبوي الشريف: انصر أخاك ظالما أو مظلوما, فإذا كان ظالما نأخذ فوق يديه, أي نمنعه عن الظلم بالفعل إن لم يكف القول, ورفعنا شعار: إذا أنا لم أنصر ابن مهنتي وهو ظالم علي غيره من أبناء المهن الأخري فلن أستطيع أن أنصره حين يصيبه الظلم. والحل الوحيد من وجهة نظري لتفادي حدوث مثل هذه الوقائع المؤسفة في المستقبل هو إعلاء دولة القانون, فلا يمكن لدولة أن تكون فيها حرية أو ديمقراطية بدون أن يكون بها أولا قانون عادل, يتم تطبيقه بشفافية وموضوعية علي الجميع دون أن تعتدي أو تجور سلطة علي أخري أو قطاع علي آخر. وإذا كنا فعلا جادين في إعلاء دولة القانون, فيجب أن تبادر وزارة الداخلية وعلي الفور بإعادة شعار: الشرطة في خدمة الشعب, وأن تأخذ بكل قوة وحسم علي يد كل من تسول له نفسه النيل من ثوبها ناصع البياض, سواء كان ضابطا أو أمين شرطة اسم الله, وأن تقوم ببتر كل فرع أعوج يستغل وظيفته ومركزه, ويهيل بتصرفاته الحمقاء التراب علي تضحيات الشرطة العظيمة في القطاعات كافة. وإذا أخذنا بمبدأ القبائل فيجب علي كل قبيلة أن تضع داخلها آلية ذاتية لمعاقبة وطرد ونبذ كل من يسيء إليها ويعتدي بدون وجه حق علي غيرها من القبائل. كلمة أخيرة: التأييد المطلق الأعمي+ المعارضة المطلقة العمياء= وطن بلا مستقبل