لم تكن الثورة الصناعية التي ظهرت بوادرها في انجلترا خلال القرن الثامن عشر قائمة في معظمها علي ميكنة الآلات والإتجاه فقط للتصنيع الذي لجأت له انجلترا لاستغلال المواد الخام التي نجحت في الاستيلاء عليها من المستعمرات التي احتلتها مئات السنين, بل كان هناك عامل آخر ساهم في انتشار هذه الثورة في أوروبا كلها, وتمثل ذلك في الاختراعات التي قدمها ألفريد نوبل, عالم الكيمياء واستطاع خلالها تطوير مركبات كيميائية ذات قدرة كبيرة علي التفجير لاستخدامها في المحاجر لاستخراج المواد الخام, فقد كانت هذه المتفجرات سببا رئيسيا- وإن كان خفيا- في اشتعال الحربين العالميتين الأولي والثانية وما بعدهما من حروب إقليمية, وذلك بعد استغلال هذه المركبات في صناعة أسلحة فتاكة ذات قدرة عالية علي قتل وتدمير أكبر عدد ممكن من البشر والحجر. ولد نوبل في ستوكهولم بالسويد عام1833 لأسرة فقيرة بين ثمانية أشقاء, ثم انتقل مع أسرته إلي روسيا, فعمل والده في صناعة المتفجرات والطوربيدات, وبرع الفريد في دراسة الكيمياء, وعندما بلغ سن18 ذهب إلي أمريكا لدراسة الكيمياء, وحصل علي أول براءة اختراع عن عداد غاز عام1857, وأسست أسرته مصنعا للأسلحة التي استخدمت في حرب القرم, وبعد نهاية الحرب لاقي المصنع صعوبات مادية تعافي منها سريعا, وبعد عودة ألفريد نوبل من روسيا عكف علي دراسة المتفجرات حتي تمكن عام1863 من اختراع جهاز تفجير ثم اخترع كبسولة التفجير, وفي عام1864, ورغم تعدد حوادث الانفجار في مصانع السلاح والتي قتل في أحدها شقيقه الأصغر, إلا أن ألفريد لم يتوقف عن بناء مصانع أخري, وعكف علي تحسين استقرار المتفجرات. حتي توصل لتركيبة الديناميت الأكثر أمانا عام1867, والذي بدأ استخدامه عالميا في مجال التعدين وشبكات النقل. وقد اخترع بعد ذلك الجلجنيت الأشد فتكا ثم الباللستيت. انتخب نوبل عضوا بالأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في1884, وهي نفس المؤسسة التي تقوم باختيار الفائزين لاثنين من جوائز نوبل التي أوصي بتأسيسها بعد ذلك, وقد سجل خلال حياته350 براءة اختراع دولية. ورغم اعتقاده في سلمية اختراعاته, إلا أن استثمارات نوبل وأسرته تركزت في مصانع الأسلحة حيث أسس قبل وفاته90 مصنعا في أوروبا, وكذلك في حقول النفط في بحر قزوين وجمع ثروة ضخمة. وتوفي في منزله بنزيف دماغي سنة1896, قبل ثماني سنوات من اشتعال الحرب العالمية الأولي, ليرتاح العالم بأسره من تاجر الدماء كما اسمته الصحف. عاش نوبل يبتكر أساليب الدمار, وعندما شعر بالذنب كرس معظم ثروته لتمويل جوائز باسمه نوبل. ظنا منه أنه يسهم بها في تقدم الأبحاث العلمية وتدعيم السلام الذي قوض أسسه باختراعاته المدمرة, وعلي مدي سنوات ظلت الجائزة تمنح للمتفوقين في مجالات الكيمياء والأدب والسلام, ولكن يبدو أن أموال هذه الجائزة لا تزال تطاردها لعنة الدماء التي سفكت في كل الحروب التالية. حيث وصمت الجائزة بميولها السياسية ولاحقتها شبهات الفساد والانحياز في اختيار الفائزين, وقد اتضح ذلك مؤخرا حيث منحت الجائزة لشخصيات مشبوهة غير ذات مصداقية في مجال السلام تحديدا, وبداية من الدكتور محمد البرادعي وانتهاء بباراك أوباما وتوكل كرمان والمنشق الصيني ليو تشياوباو, بات الجميع متأكدا من أن الجائزة خرجت عن مسارها الصحيح, لينتهي الأمر بإقالة رئيس لجنة الجائزة ثورنبيورن ياغلاند من منصبه الشهر الماضي, في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الجائزة التي تأسست قبل أكثر من مئة عام. وذلك إثر شكوي قدمها مجموعة من النشطاء اليمنيين ائتلاف شركاء الذين وجهوا اتهاما مباشرا لقطر بدفع رشاوي مادية لرئيس اللجنة نظير منح الجائزة لتوكل كرمان عام.2011 لتكون إقالة رئيس اللجنة اعترافا صريحا من اللجنة بالاتهامات التي وجهت لجائزة أصبحت سيئة السمعة, لتعيد للذاكرة الجرائم التي ارتكبها صاحبها في حق البشرية. والتي يبدو أنها ستظل تطارده طوال السنين ولم تنجح أمواله الطائلة في غسيل سمعته بعد موته, فلا زالت الدماء تسفك باختراعاته ولا تزال جائزته تستخدم لمكافأة كل من ساهموا في سفك دماء شعوبهم.