هذه الأيام نسمع كثيرا عبارة الحياد الإعلامي بمناسبة الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في الثامن والعشرين من الشهر الجاري, وتكاد تصل الأمور إلي حد المعارك الإعلامية والحروب الكلامية حول الحياد المفترض أن تتبعه وسائل الإعلام, لكنني أعتقد أن طرح الموضوع من هذه الزاوية فيه الكثير من التقصير الذي لا يؤدي إلي نتائج ملموسة. وحتي تتسم معالجة هذا الموضوع بالجدية المناسبة يجب التوقف عن استخدام مصطلح الحياد الإعلامي, لأنه لا توجد وسيلة إعلام محايدة في المطلق, وإنما لكل صحيفة أو محطة تليفزيونية أو موقع إلكتروني وجهة نظر, تنبع من سياسة عامة, تضعها الوسيلة الإعلامية, وتحدد طريقة تعاطيها مع الأمور. ومن هنا فإن الحياد الإعلامي المطلق يبدو خرافة لا محل لها من الإعراب, وتبدو شبيهة بالحديث عن الكائنات الخرافية مثل التنين والعنقاء.. وربما الخل الوفي في هذه الأيام. في الإعلام لا يوجد حياد, وإنما موضوعية واحترافية, فعلي سبيل المثال لا تستطيع الصحافة القومية أو المحطات التليفزيونية المملوكة للدولة الدفاع عن الدولة الدينية, وإلا أصبحت تهدم ركنا أساسيا من أركان الدولة, نص عليه الدستور, وجاءت القوانين لتؤكده. وبالتالي فإن الإعلام القومي بمختلف أطيافه منحاز للدولة المدنية ومضاد للدولة الدينية, ولا يمكن القول أنه محايد تمام الحياد في المعركة الانتخابية الدائرة حاليا, والتي في الجانب الأسخن منها هي صراع بين مشروعين أحدهما تنويري والآخر ظلامي. لكن حين يتصدي الإعلام القومي لهذه القضية, لا يتناول شخصيات المرشحين, ويتعامل معهم باعتبارهم أفرادا, حتي يصدر منهم ما يخالف الدستور والقانون, فيشير إلي تلك المخالفات, لكنه لا يجرمها, لأن إثبات التهمة, وتوقيع العقوبة هو سلطة القضاء, لا ينازعه فيها أحد. أما الإعلام الخاص فإن لكل وسيلة أجندتها الخاصة, التي تختلف من وسيلة إلي أخري, فهذه وسيلة يفترض أن تعبر عن الليبرالية, وفي هذه الحالة فإن فضائيات وصحفا مملوكة لرجال أعمال, يؤمنون بالعمل الحر, وبالليبرالية السياسية والاقتصادية, لا بد أن تعكس هذا التوجه في مضامينها المختلفة. لكن المشكلة أن من تزداد ثرواتهم بفعل هذه الليبرالية هم أول من يضرب أسسها في الكثير من معالجاتهم الصحفية والتليفزيونية, مما يجعل وسائل الإعلام الخاصة في مصر, مرتبكة ومتخبطة, وغير واضحة التوجه والمعالم. وأعتقد أنه لا أحد يطلب من هذه الصحف والمحطات أن تكون محايدة, فهي حرة في رسم سياستها التحريرية والإعلامية, لكن المطلوب هو ان تكون موضوعية.. فإذا أخذنا مثلا حلقة برنامج العاشرة مساء التي استضافت الزميلين نصر القفاص ومحمود نفادي لإبداء رأيهما كمحللين سياسيين ومتابعين للشأن العام في ترشيحات الحزب الوطني, فإنه لا توجد أي ملامة علي القناة, لكن المشكلة أنه حين تمثل آراء الضيوف في موضع ما مطروح علي الشاشة انتقادات عديدة لطرف غير موجود فإنه يفترض بالإعلامي المحترف في هذه الحالة أن ينوب عن الطرف الغائب, إن لم يتم استحضار ممثل هذا الطرف بشكل سريع علي الهاتف للتعليق علي ما يطرح في الحلقة من مناقشات. لكن المشكلة أن مقدمة البرنامج دخلت طرفا في المناقشات, وأبدت آراء في الموضوع, فأصبح وكأن هناك ثلاثة أطراف تنتقد طرفا غائبا, دون أن يكون لهذا الطرف حق الرد الفوري أو اللاحق, وهنا تبدو قضية الموضوعية الإعلامية حاضرة, في أبلغ صورها. وأتذكر خلال فترة عملي في هيئة الإذاعة البريطانية قدمنا حلقة عن السودان ضمت جميع أطياف المشهد السياسي السوداني المعارض, لكن ممثل الحكومة الذي كان مفترضا مشاركته تعذر الاتصال به وقت الحلقة, وظل المرحوم حسن أبو العلا الذي كان يقدم البرنامج, يطلب مسئولا حكوميا بأي شكل للمشاركة في الحلقة, وحين تعذر ذلك, عقدنا اجتماعا لمناقشة الحلقة وخلصنا إلي أنه طالما غاب طرف من الأطراف فكان من الأصوب تأجيلها. هيئة الإذاعة البريطانية مؤسسة حكومية تمولها وزارة الخارجية البريطانية, وهي تحاول التحلي بالموضوعية طوال الوقت, لا يمكن لأحد القول أنها محايدة بالكامل لأنها تتبني وجهة نظر مثل غيرها من المحطات العالمية, لكن لا يمكن لأحد الادعاء بأن هذه المحطات غير موضوعية, وإن كنت تلمس وجهة النظر في طريقة التعاطي مع الموضوعات المطروحة. ما نحتاجه في هذه الانتخابات هو الموضوعية, وهي لن تأتي من فراغ, وإنما من خلال كوادر إعلامية علي قدر عال من الكفاءة المهنية.. وهذه هي مشكلة مصر الحقيقية.. غياب المهنية.. وبالتالي افتقاد الموضوعية.. لذلك يبدو عدم الحياد سافرا.