علاء عزت فى زمن ينظر فيه المصريون إلى الرياضة، على أنها شطارة وفهلوة، وحبة حظ.. مش أكتر فى وقت يعلن فيه المصريون حبهم للرياضة، فى الوقت الذى يرفضون فيه ممارسة ودراسة هذا الحب. فى الشوارع والأندية يتصارع ملايين الشباب من أجل اللعب.. وأولياء الأمور يدفعون «دم قلبهم» من أجل دفع أولادهم لممارسة الرياضة، فى الوقت الذى يتخاذلون فيه عن دفع أولادهم لصقل مواهبهم الرياضية بالدراسة. أمام تلك هذه المتناقضات، لم يكن غريبا أن نصطدم بأغرب ظاهرة تعليمية على الإطلاق، ألا وهى ظاهرة ضعف الإقبال على كليات التربية الرياضية. أغرب ما فى تلك الظاهرة، أن نرى الآلاف من الطلبة والطالبات الناجحون فى الثانوية العامة، يتراصون فى طوابير أمام لجان الاختبارات فى 18 كلية منتشرة فى أنحاء الجمهورية، وكثيرون منهم يحالفهم التوفيق بتجاوز الاختبارات، ولكن فى النهاية يغيرون مسار حياتهم مع إعلان نتيجة التنسيق، وقبولهم فى أى كلية أخرى وفقا للمجموع!! لنكتشف فى النهاية باعتراف الطلبة والطلبات ومن قبلهم أولياء أمورهم أن التربية الرياضية بالنسبة لهم «كلية استبن»، وهى النظرية التى اعترف بها عدد من دكاترة كليات التربية الرياضية فى مصر، والذين ناقشنا مع بعضهم أسباب تلك الظاهرة . نظرية مدرس الألعاب فى البداية اتهم الدكتور عصام عبد الحميد، الأستاذ بكلية التربية الرياضية جامعة المنيا، وهو نجم كروى سابق فى فريق المنيا فى عصره الذهبى، نظرة المجتمع لخريج الكلية بأنها السبب الرئيسى فى ظاهرة ضعف الإقبال، وقال : " مع الأسف الشديد، المجتمع مازال يعتقد أن مصير واحد ينتظر خريج الكلية وهو أنه سيكون مجرد مدرس العاب ". وتابع : "أعترف أن البعض يتعامل مع الكلية على أنها " استبن " ويقبل على الاختبارات التى تسبق إعلان التنسيق من اجل فقط حجز مكان، لا أكثر ولا أقل، بدليل أن الاختبارات يشارك فيها أكثر من 3 آلاف طالبة وطالبة، ومع إعلان النتيجة يختفى الناجحون، ولهذا نضطر فى البداية لقبول عدد أكبر من المطلوب لأننا نعرف أن هناك من سيغير مستقبله مع ظهور التنسيق". وعاد الدكتور عصام عبد الحميد ليوجه أصابع الاتهام إلى إدارات كلية التربية الرياضية، كنوع من النقد الذاتى، لافتا النظر إلى أن إدارات الكلية، ورغم أنها رياضية، لا تمنح حق التفرغ الرياضى لأبطالها، مشددا على أنه يعرف الكثير من نجوم الرياضة فى جميع الألعاب هربوا من الكلية بعد أن اصطدموا بقيود الحضور والغياب، وضحك قائلا : " ولماذا نذهب بعيدا .. أنا شخصيا عندما التحقت بكلية التربية الرياضية قبل ربع قرن من الزمان، فوجئت أننى مخير بين الكلية والاحتفاظ بمكانى فى فريق المنيا لكرة القدم، واضطررت للتضحية باللعبة وأضواء الشهرة والدورى الممتاز، فيما رفض الكثيرون قبلى وبعدى التضحية وكانت النتيجة أنهم تركوا الكلية .. كيف يعقل أن تقيد كلية التربية الرياضية نجوم الرياضة ؟ فى الوقت الذى نرى فيه كليات أخرى نظرية تمنح طلبتها المميزين رياضيا تفرغا. تجربة التعليم المفتوح وكان اللقاء الثاني، مع صاحب فكرة وتجربة إقحام نظام التعليم المفتوح للمرة الأولى فى كليات التربية الرياضية للمرة الأولي، وهو الدكتور جمال محمد علي، عميد كلية التربية والرياضية بجامعة أسيوط، والمدير الفنى لمنتخب مصر للناشئين لكرة القدم. وعن تلك التجربة والتى ظهرت للنور بالفعل، قال الدكتور جمال محمد علي: " الهدف من التجربة إعادة الأمور لنصابها الصحيح، وان كلية التربية الرياضية هى أمل نجوم الرياضة ". وتابع : " قديما كان نجوم الرياضة المصرية وخاصة كرة القدم كانوا يلجأون إلى معاهد عليا للحصول على مؤهل البكالوريوس، وكنا نسمع عن معهد الكفاية الإنتاجية، فيما فشل العديد من النجوم بحكم المجموع بعدها فى تحقيق أملهم الدراسى، قبل أن يفاجأوا بأنهم محرومون من اقتحام مجال الإدارة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الكابتن حسن شحاتة لا يمكنه أن يكون عضوا فى اتحاد الكرة لأنه لا يحمل مؤهلا عاليا، ونفس الأمر ينطبق على عدد كبير من نجوم الرياضة فى جميع الألعاب مثل كرم جابر فى المصارعة ". ولفت الدكتور جمال محمد على إلى أن التجربة " التعليم المفتوح " لاقت إقبالا كبيرا من نجوم كبار فى الرياضة يحلمون مؤهلا دراسيا متوسط، " دبلوم " وضرب مثلا بعدد من نجوم الكرة المصرية مثل ياسر رضوان نجم الأهلى والمنتخب الوطنى السابق، والمدير الفنى الحالى لمنتخب للناشئين وفكرى الصغير حارس الإسماعيلى السابق، ومحمود أبو الدهب نجم الأهلى ومصر السابق، وأحمد معاذ لاعب الزمالك السابق، والحكم الدولى أيمن دجيش، وأشرف عواض نجم كرة اليد المصرية السابق، وثروت البندارى نجم رفع الأثقال. الإعلام السبب فيما الدكتور محمد فضل الله خبير اللوائح الرياضية، من خطورة الظاهرة، لافتا النظر إلى أن غالبية قيادات الرياضة المصرية حاليا خريجو كليات التربية الرياضية، وقال: " عندما نرى 10 قيادات من رؤساء الاتحادات الرياضية فى مصر من خريجى الكلية فهذا معدل طيب للغاية، بل عندما نرى رئيس اتحاد دولى للعبة جماعية من أبناء كلية التربية الرياضة، وهو الدكتور حسن مصطفى رئيس الاتحاد الدولى لكرة اليد، فهذا أمر يدعو للفخر ". لافتا النظر إلى أن نخبة كبيرة من نجوم الكرة المصرية على مر كل العصور من خريجى كلية التربية الرياضية، مثل الراحل الكابتن عبده صالح الوحش، والشيخ طه إسماعيل، وفاروق جعفر وحلمى طولان، مرورا بنادر السيد وهادى خشبة وسيد عبد الحفيظ . ولفت فضل الله النظر إلى أن سر ضعف الإقبال يرجع إلى الطالبة والطالبة فقط الذين يظنون أنهم التحقوا بكلية ستسمح لهم بأجواء ترفيهية مثل الكليات والمعاهد النظرية، ويكتشفون بعدها أنهم التحقوا بكلية تمارس الأجواء والطقوس العسكرية، فمثلا تكون حصص السباحة فى الخامسة صباحا، ولهذا نجد البعض يبادر بعد الالتحاق بالكلية بالتحويل إلى كلية أخري. كلية قمة بالوعى والدعاية وفى النهاية، كان ولابد أن نتعرف على وجهة نظر أحد نجوم الكرة المصرية فى تلك الظاهرة وهو أحد أبناء كلية التربية الرياضية، وهو سيد عبد الحفيظ نجم ومدير الكرة السابق بالأهلى، والذى أكد فى بداية كلامه أن كل ما ينقص كليه التربية الرياضية هو الدعاية بأهميتها وفائدتها، وأن يعى المجتمع أن خريج الكلية ستكون أمامه مجالات عديدة للعمل بعد التخرج، وليس فقط أن يكون مصيره " مدرس ألعاب"، لافتا النظر إلى مجالات الإدارة والتدريب والتدريس، إضافة إلى العديد من المشتقات الأخرى مثل العمل فى الأندية الخاصة، وبات دخل المدرب فى الأندية الخاصة أكبر من دخل شرائح كثيرة فى المجتمع. ولفت نجم الكرة المصرية النظر أنه اختار كلية التربية الرياضية بكامل إرادته وكامل رغبته، لأنه كان يسعى إلى تنمية موهبته الرياضية بالدراسة، مؤكدا أنه أصقل موهبته الكروية داخل الكلية بالتدريس على يد الدكتور مفتى إبراهيم والدكتور جمال عبد الله. ورحب عبد الحفيظ بتجربة التعليم المفتوح مؤكدا أنها فكرة رائعة فى ظل إقبال نجوم الرياضة المصرية وهو أمر سيكون له مردود إيجابى على نظرة المجتمع للكلية. وبقى أن نشير إلى نقطة مهمة جدا، وهى زيادة إقبال البنات مقارنه بالأولاد على كليات التربية الرياضية، وكلمة سر هذه الظاهرة لم تكن موجودة قبل عامين فقط، هى إقبال أندية الخليج على التعاقد مع خريجات التربية الرياضية للإشراف على التدريبات النساء الخليجيات.