اختيار مدينة الإسكندرية لإطلاق المبادرة جاء نتيجة الوجود القديم لأبناء الجاليتين القبرصية واليونانية الرئيس السيسى أكد على قيم جديدة تميز الهوية المتوسطية
المبادرة رسالة مودة من جانب مصر تجاه كل من عاش على أرضها وترك أثرا أو إرثا إنسانيا
"العودة للجذور" مبادرة دشنها رسميا رؤساء مصر وقبرص واليونان نهاية إبريل، وتأتى تتويجا للعلاقات القوية بين الدول الثلاث، التى تزداد تماسكا وترسيخا يوما بعد يوم، وتفتح آفاقا جديدة للتعاون بينها. فمبادرة العودة للجذور التى أطلقتها السفيرة نبيلة مكرم، وزيرة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج، فى أكتوبر 2017، وأعلنها الرئيس السيسى ودعمها رسميا، تأتى كنوع جديد من أشكال الدبلوماسية والعمل السياسي، للخروج من الأشكال النمطية التقليدية، بإشراك الشعوب فى علاقات التعاون، والانتقال من الدبلوماسية الرسمية، إلى الدبلوماسية الشعبية. استطاعت وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج نبيلة مكرم ومسئولو قبرص واليونان، اختيار وتر عاطفى شديد التأثير فى العلاقات بين الدول الثلاث، وهو فكرة العلاقة القديمة والمستمرة لأبناء الجاليتين اليونانية والقبرصية، وارتباط الشعب المصرى بهم، لإطلاق الدبلوماسية الشعبية الجديدة مع قبرص واليونان، بل مع كل جاليات العالم. فمصطلح "نوستوس" مشتق من أحد أشهر الملاحم الأسطورية فى الحضارة الإغريقية القديمة للبطل الأسطورى "أوديسيوس" ملك جزيرة "إيثاكا" اليونانية، حينما حاول العودة إلى وطنه بعد معركته فى حرب طروادة، وفيما بعد أطلق الأدب اليونانى على تلك الملحمة "حكاية عودة أوديسيوس" التى تتم ترجمتها إلى كلمة واحدة باليونانية هى "نوستوس"، ومن ثمّ أصبح هذا المصطلح يطلق مجازًا على فكرة الحنين إلى الوطن والرغبة فى العودة إليه. وبالتالى جاء اختيار مدينة الإسكندرية لإطلاق المبادرة، نظرا للارتباط القوي، والوجود القديم، لأبناء الجاليتين القبرصية واليونانية، كما جاء تدشينها رسميا من قصر رأس التين ذى الطراز العريق والأنيق، ليضفى أجواء العراقة والأصالة. والملاحظ أن قديما كانت مصر تتحرك فى دائرتين أساسيتين، الأولى هى الدائرة العربية، والثانية هى الدائرة الإفريقية، واليوم نرى بدء دوائر جديدة للتحركات المصرية، لتزيد مصر من تفاعلات محيطها الإقليمي، وتزداد قوة وتستعيد دورها الريادى ليس فقط فى المحيط العربى والإفريقي، بل وتخلق دوائر جديدة فى مجالات تعاونها الإقليمي، وربما كان فى مقدمة الدوائر الجديدة، دائرة شرق البحر المتوسط، التى تضم مصر وقبرص واليونان، فى رسالة جديدة للعالم تؤكد على قيم التعاون والاحترام، وتلاقى الحضارات وليس التصادم فيما بينها. فخلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس السيسي، نجد زيارات متبادلة ثنائية وثلاثية مع نيكوس أناستاسياديس، رئيس جمهورية قبرص، والرئيس بروكوبيوس باڤلوبلوس، رئيس الجمهورية اليونانية، وكان محور الاهتمام الأول هو قضايا السياسة والاقتصاد، بعد ترسيم الحدود، وبدء إنتاج الغاز، والاتفافات المهمة فى هذا المجال. وجاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال افتتاح أسبوع إحياء الجذور للجاليات اليونانية القبرصية، تؤكد انتقال العلاقات مع البلدين إلى مرحلة جديدة، بعد "الصداقة" التى تجمع بين الرؤساء الثلاثة حاليا، تتميز بالصداقة والتعاون بين الشعوب الثلاثة. الرئيس السيسى عبر عن سعادته بإطلاق المبادرة من الإسكندرية وهى المدينة التى أرسى دعائمَها الأولَى الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، لتصبح إطلالة مصر على شاطئ المتوسط، ونقطة التقاء الحضارات، وحاضنة الثقافات والتراث، وما زالت تمثل تجسيداً، لقيم التسامح والتعايش المشترك والتواصل الإنساني، وهى القيم التى شجعت مئات الآلاف من شعوب المنطقة، على اختيار مصر مقصداً للإقامة فى مجتمعها، الذى احتضنهم دون تفرقة، وكان على رأس هؤلاء، الآلاف من اليونانيين والقبارصة، الذين انصهروا فى نسيج هذا البلد، فمثلوا إضافةً كبرى للحركة الاقتصادية والعلمية والثقافية فى مصر". الرئيس السيسى أكد على قيم جديدة تميز الهوية المتوسطية، "قوامها الانفتاح والاعتدال، والإيمان بالمشترك الإنسانى والتواصل الحضاري، ونبذ دعاوى الانغلاق والتطرف". التعاون المصرى اليونانى القبرصى الضارب بجذوره عبر التاريخ، عاد لينطلق فى عهد السيسي، فخلال السنوات الأخيرة، بدأت آلية التعاون الثلاثي، بين مصر وقبرص واليونان، التى قال عنها السيسى إنها "انعكاس واضح لمتانة العلاقات التاريخية بين دولنا، ونموذج يحتذى به فى منطقة شرق المتوسط بأسرها". وإذا كانت الولاياتالمتحدة قد أطلقت نهاية القرن الماضى فكرة صراع الحضارات، فإن مصر وقبرص واليونان تطلق بديلا مهما، وفكرة جديدة، وصفها الرئيس السيسى بأنها "التعايش السلمى بين الحضارات والثقافات"، ووصفها الرئيس اليونانى والرئيس بروكوبيوس باڤلوبلوس بأنها "القوة الهادئة" المستندة إلى الثقافة والمبادئ والقيم، وليس "القوة الخشنة" المستندة إلى القوة العسكرية. السفير بسام راضى، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، أشار إلى أن المبادرة تهدف إلى احتفالية للجاليات اليونانية والقبرصية التى كانت تعيش فى مصر سابقا كرسالة مودة وكروح طيبة من جانب مصر تجاه كل من عاش على أرضها وترك أثرا أو إرثا إنسانيا، وهذه رسالة مهمة جدا للتآخى بين الدول، خصوصا أن اليونانيين والقبارصة شاركوا إلى جانب إخوانهم المصريين فى إحداث نهضة كبيرة فى مصر سواء كانت ثقافية أو تجارية أو صناعية عملوا معنا فى مختلف مناحى الحياة التجارية وبناء السفن والإرشاد والزراعة والسياحة والطباعة والنشر. أما الوزيرة نبيلة مكرم، فأكدت أن أسبوع العودة للجذور هو الأول من نوعه فى العالم، وكانت كلمتها تفيض بالمشاعر الجياشة، وكذلك كلمتى فوتيس فوتيو المفوض الرئاسى القبرصى للشئون الإنسانية، ونائب وزير الخارجية اليونانى تيرانس كويك، لتؤكد أننا بصدد مرحلة جديدة من العلاقات بين الدول الثلاث، وتنتقل بها إلى محيط أرحب وهو العلاقات الثقافية المستندة إلى تاريخ قوى يضرب فى جذوره عبر التاريخ الممتد لنحو 40 قرنا. حيث أعلن نيكولاس كويك نائب وزير الخارجية اليونانى، أن مصر آمنة أكثر من أى مكان فى العالم، فى رسالة تحتاجها مصر حاليا لتنشيط وفود السياحة إليها، أما فوتيس فوتيو المفوض الرئاسى القبرصى للشئون الإنسانية، فأكد أن مصر بلد سياحى آمن وله تاريخ عريق يجب على العالم كله التعرف عليه والاستمتاع به. وتهدف مبادرة العودة للجذور إلى التأكيد على أن مصر مهد الحضارات وتنعم بالأمن والأمان والسلام وترحب بالجميع لزيارتها والتعرف عليها عن قرب، وكذلك إلى الترويج للسياحة فى مصر من خلال الجاليات الأجنبية التى سبق أن عاشت فيها، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر وهذه الدول، على نحو يؤدى إلى جلب مزيد من الفرص الاستثمارية الواعدة فى السوق المصرية. وبعد انتهاء أسبوع العودة للجذور، ستستمر فاعليات المبادرة التى ستنتقل إلى الأجيال الثانية والثالثة، حيث سيتم تنظيم رحلة ل 10 شباب من كل دولة من مصر وقبرص واليونان، سيزورون تلك الدول.