حينما جاءتنا المسلسلات التركية مدبلجة باللهجة السورية حققت شعبية واسعة في كل أنحاء العالم العربي, حتي اصبح مهند بطل مسلسل نور نجم إعلانات مصرية وعربية تسعي وراءه وكالات الاعلان.غير ان مسلسل نور أثار جدلا بين علماء الدين وصل الي حد إطلاق فتاوي تحرم مشاهدته. وما كدنا نتجاوز ازمة الدراما التركية حتي جاءتنا الدراما الايرانية بمسلس ليوسف الصديق ليستثير غضب علماء ومؤسسات دينية فكان التحريم قاطعا وجامعا. واخشي ان يظل نصيبنا من التطورات الكبري في صناعة الدراما التليفزيونية في المنطقة من حولنا هو إطلاق فتاوي تحريمها وتأثيم من يشاهدها. في الحالة الأولي كان التحريم لأسباب اجتماعية تتعلق بعلاقات متحررة بين الجنسين لا يرضي عنها العرب. وفي الثانية كان التحريم هذه المرة يمس شيئا من عقائد اهل السنة. في الحالتين لم يهتم أحد برأي المشاهد الذي يقرر وحده الخطوات التالية للدراما التركية والايرانية. وحتي الآن يبدو أن تلك الاعمال الدرامية قد حققت جماهيرية واسعة رغم فتاوي التحريم وهو أمر يغري بالمزيد من المسلسلات الاجتماعية التركية, والدينية الإيرانية. ويبدو أن هناك تغييرات قد طرأت علي ردود الفعل السنية خاصة تجاه المسلسلات الدينية الإيرانية. وأخشي أن يكون المسلسل الإيرانييوسف الصديق بداية لاستخدام الدراما التليفزيونية في تصعيد السجال الفكري بين السنة والشيعة في العالم الإسلامي. فالشهرة التي تحققت لذلك المسلسل فيمايبدو أثارت مؤسسات إعلامية سنية فقررت بدء إنتاج مسلسل عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. وقيل ان مراجعة السيناريو سوف يتولاها الشيخ يوسف القرضاوي أحد أبرز علماء السنة المعاصرين. فقد أثار تمثيل شخصية نبيا الله يوسف ويعقوب ثائرة أهل السنة واعتبروا الفتوي الشيعية التي أجازت ذلك خروجا علي إجماع العلماء وصحيح الدين. غير أن أهل السنة أنفسهم اليوم يعدون العدة لإنتاج مسلسل عن صحابي جليل هو من العشرة المبشرين بالجنة الذين لا يجوز ظهورهم علي الشاشة وفق فتوي سابقة من الأزهر الشريف. وربما كان اختيار عمر بن الخطاب دون غيره من الخلفاء الآن له مغزي في السجال السني الشيعي. ومن الواضح أن أطراف السجال علي الجانبين باتوا يدركون أهمية الدراما التليفزيونية في الوصول إلي الطبقات الشعبية الواسعة من المسلمين. فالغالبية العظمي من أهل السنة لا تدرك حقيقة الخلاف بين ما هو سني وما هو شيعي. ويخشي بعض علماء المسلمين من أهل السنة اليوم أن تصبح الدراما الدينية وسيلة فاعلة في نشر المذهب الشيعي, خاصة أن الباب الآن مفتوح أمام تجسيد الأنبياء والصحابة وإعادة انتاج الأحداث التاريخية التي فرقت بين المسلمين من وجهة نظر معينة علي الجانب السني هناك الآن أصوات تطالب بإعادة النظر في فتوي تحريم تمثيل الأنبياء والعشرة المبشرين بالجنة, وتطالب بتضييق المجال ليشمل فقط أولي العزم من الرسل. ولايخفي هؤلاء مخاوفهم من تفوق الدراما الإيرانية واختراقها الفضاء العربي في ظل القيود الدينية المفروضة علي المبدعين السنة. ويبدو أن التطورات المستقبلية لن تكون في صالح فتوي التحريم فعدد القنوات والمواقع يزداد يوما بعد آخر. وما تمنعه قناة سوف تسمح به أخري. ومسلسليوسف الصديق اصبح الآن سابقة بالشعبية الهائلة التي حققها بين اهل السنة وبلا أضرار ملموسة تقريبا. فالنجاح الذي تحقق يضع المسلسلات الدينية الآن علي رأس اولويات شركات الإنتاج الراغبة في النجاح والأرباح ولست هنا بصدد مناقشة فتوي الأزهر أو المطالبة بإعادة النظر فيها, فمن الواضح أن التيار القادم قوي ولن تمنعه الفتاوي عن المضي فيما هو مقدم عليه, فالإيرانيون كما قيل يستعدون لإنتاج مسلسل عن نبي الله موسي ومن المتوقع أن يثير هذا المسلسل الكثير من غضب اليهود المحدثين كما يقولون, وهذا سبب كفيل بتحقيق شعبية هائلة له في العالم العربي. الشيء اللافت للانتباه في مسلسل يوسف الصديق هو أن الجميع انشغلوا بالجدل الفقهي الذي أثير حوله وكان أحد اسباب شعبيته وأخذتهم مفاجأة تجسيد شخصية الأنبياء علي شاشات التليفزيون فتجاهلوا الجريمة التي ارتكبت في حق التاريخ, المصري القديم. لا أنكر أن المسلسل قدم الحضارة المصرية القديمة في إطار مقبول ولكنه اقترف جريمة كنت اتوقع ألا تمر هكذا خاصة من علماء المصريات وما أكثرهم في جامعاتنا ومؤسساتنا الأثرية فقد خلط المسلسل خلطا كبيرا بين ماهو ديني تحدثت به الكتب الدينية وبين ماهو تاريخي افاضت فيه كتابات المؤرخين ووثائق التاريخ فحديث القرآن عن يوسف وإخوته كان من باب العظة والعبرة وليس من باب التوثيق التاريخي المفصل الذي نجده في مصادر دينية يهودية. فليس لدينا لا في كتب التاريخ ولا في غيرها من المصادر برهان تاريخي علي أن يوسف كان في عصر إخناتون. وإذا كنا نوقر نبي الله يوسف ونؤمن به لأسباب دينية, فإن ذلك لايعني القفز فوق حقائق التاريخ وأن نقبل مغالطة أن يكون النبي يوسف استاذا معلما ومرشدا لتلميذ ساذج تابع اسمه اخناتون اعتاد أن ينادي يوسف باسم نبي الله. هذه المغالطة مصدرها الكتابات الإسرائيلية التي تسللت إلي بعض هواة التاريخ. فهي تريد تصوير وجود بني إسرائيل في مصر عزيزا قويا مسيطرا ومرشدا لحياة المصريين لفترات من وجودهم في مصر قبل خروجهم مع النبي موسي. ولذلك اخترعوا حكايات كثيرة حول وصول بعض بني إسرائيل إلي سدة الحكم في مصر والترويج لفكرة الأصول الإسرائيلية لشخصيات تاريخية مصرية مرموقة مثل الملكة نفرتيتي. ولدي كثير من مؤرخي اليهود رغبة في تصوير دعوة التوحيد عند إخناتون علي أنها صدي لدعوة يوسف, وأنه تعلم التوحيد من أنبياء بني إسرائيل علي الرغم من أن دعوة إخناتون كانت في نهاية الأمر دعوة وثنية ايضا. وربما أراد البعض من مؤرخي اليهود الرد علي اتهامات فرويد بأن دعوة موسي نفسها كانت متأثرة بدعوة إخناتون وهو ماكشفت عنه بعض نصوص صلوات ذلك الفرعون التي وجدت علي ألواحه المكتشفة في تل العمارنة. لقد حاول المسلسل السطو علي جزء من التاريخ المصري وإلحاقه تابعا مطيعا لدعوة يوسف عليه السلام وهو أمر ليس لدينا عليه دليل من التاريخ أو صحيح الدين. وأتمني لو أن أساتذة المصريات وضعوا تلك الصفحة من تاريخ مصر في الضوء الكامل. ويرتبط بهذه القضية ايضا قضية فرعون الخروج, حيث ذاع علي ألسنة هواة التاريخ انه رمسيس الثاني لا لشيء إلا لأنه أحد أعظم فراعين مصر القديمة. وكم يسعد ذلك بني إسرائيل. وتحديد من يكون فرعون الخروج قضية لاقيمة لها من الناحية الدينية حيث العبرة والعظة ماثلة في كل الأحيان مهما يكن هذا الفرعون. ولاقيمة لها من الناحية التاريخية من حيث هي قصة ليس عليها دليل تاريخي واحد حتي الآن. هناك حالة من التلفيق التاريخي تنشأ حينما يستند الهواة إلي خلط الدين بالتاريخ معا في الحديث عن مصر القديمة. والدين هنا هو في الغالب الأعم توراة بني إسرائيل وكتاباتهم, فالتاريخ مليء بالفجوات والكتابات الإسرائيلية اشبه بالطين المعد سلفا لملء كل الفجوات في المصادر التاريخية. غير أن هذا الطين يصبغ البناء التاريخي بما يريده بنو إسرائيل. وقد سبق لمؤرخين من اليهود محاولة فرض الوصاية علي التاريخ المصري بانتحال بناء الأهرام ولكنها محاولات فشلت, ولكن الادعاءات الجديدة يتبناها نفر من هواة التاريخ من المسلمين الشيعة أو السنة واخشي أن يصبح الهواة من مؤلفي الدراما التليفزيونية وهواة التاريخ هم مصادرنا لمعرفة ذلك المجد الذي كان. أيها الناس إن لم تتقوا الله في مصر فاتقوه في حقائق التاريخ.