وزير الأوقاف: سلامة عبدالرازق وكيلا لأوقاف الجيزة    عمر مروان: تفاعل إيجابي مع تقرير مصر المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان    محافظ جنوب سيناء يبحث سبل تفعيل قرار استئناف الطيران البريطانى لشرم الشيخ    خبير اقتصادى يكشف إيجابيات تراجع الفائدة البنكية.. فيديو    السعودية تؤكد أهمية تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتطويرها    محافظ مطروح: إنارة شوارع عزبة "العجارمة" استجابة لمطالب الأهالى |صور    البنزين يشعل إيران.. الاحتجاجات تجتاح البلاد ضد رفع الأسعار.. فيديو    إدانة روجر ستون صديق ترامب في فضيحة التخابر مع روسيا    إيران تشتعل.. قوات الأمن تطارد المتظاهرين.. وسقوط أول قتيل.. شاهد    أمريكا تدعو حفتر إلى وقف هجومه على طرابلس وتحذر من تدخل روسيا    مواعيد مباريات نصف نهائي أمم أفريقيا تحت 23 عاما    "اتفاق علي الورق"..تجدد القصف الإسرائيلي في فلسطين..وتصدر هاشتاج غزة ياعرب تنادي    روسيا وبريطانيا تجريان محادثات حول سوريا    لاعب جنوب إفريقيا: مواجهة مصر صعبة.. وجئنا من أجل الفوز والتأهل    لأول مرة في تاريخه.. منتخب فنلندا يتأهل ل يورو 2020    تقرير.. 6 أبطال وسيطرة للسنة الرابعة.. الإسكواش المصري يهيمن على العالم    "أهلي 2005" يسحق حلوان الرياضي 10 – صفر في بطولة منطقة القاهرة    السيطرة على حريق نشب داخل شقة سكنية بدار السلام    7 أيام جريمة.. قرار غير مسبوق من النائب العام و"انتحار لايف"    وزير الآثار يفتتح معرضين مؤقتين بالمتحف المصرى ويعلن الانتهاء من متحف الغردقة    بفستان أسود لامع .. ليلى أحمد زاهر تتألق بصحبة والدها    غداً.. استئناف عروض نادي السينما المستقلة بالإسكندرية    الدبلوماسي المصري الحاصل على جائزة بوشكين: جائزتي فخر وتقدير لكل المصريين.. وصنعت 4 تماثيل لناصر في روسيا    المخرج عادل أديب: كل الثقافة اللى كانت موجودة فى وسط البلد راحت    صحة بالدقهلية: حملات مكثفة لمكافحة نواقل الأمراض بالمحافظة    غدا قافلة طبية مجانية بمنشأة دكم بسنورس بالفيوم    "الري" تصدر بيانا تفصيليا بشأن جولة مفاوضات سد النهضة بإثيوبيا (صور)    كامل الوزير يكشف سر تدخل «السيسي» في صفقة جرارات «PRL»    "التضامن" أنقذتها.. حكاية "طفلة بلبيس" ضحية التعذيب على يد خالتها    بالصور.. آسر ياسين ينتهي من تصوير "صاحب المقام"    التشكيل.. موراتا يقود إسبانيا أمام مالطة في تصفيات يورو 2020    أبو ريدة وفضل يكرمان متطوعي بطولة الأمم    المستشفيات التعليمية تنظم احتفالية لليوم العالمي للأطفال الخدج    بالصور.. انطلاق ماراثون "اجري في الخير" بشرم الشيخ    "الطيب" يحذر من وحوش الجرائم الجنسية    المرور يضبط 3480 مخالفة بمحاور و ميادين الجيزة خلال 24 ساعة    سول واليابان تعقدان محادثات بشأن اتفاقية تبادل المعلومات العسكرية    البابا تواضروس يحضر حفل تخرج الدفعة الرابعة للمعهد المسكوني    نيابة الجمالية تأمر بحبس سيدتين لسرقتهما مشغولات ذهبية من أحد المساكن    ضبط 26 كيلو من اللحوم مجهولة المصدر داخل مصنع بالقيلوبية    علماء القافلة الدعوية ال17 للأزهر والأوقاف: التابعون فهموا الدين فهما صحيحا    عمرو دياب يقترب من 3 ملايين مشاهدة ب قدام مرايتها.. فيديو    التعليم العالي: عبدالغفّار سيجتمع بأمناء الاتحادات الطلابية لتفعيل المشاركة المجتمعية    تعرف على حكم التسمية قبل الوضوء.. "البحوث الإسلامية" يوضح    بالصور.. نائب رئيس جامعة الأزهر يكرم العمداء السابقين    المصرية للاتصالات تحقق 19 مليار جنيه إيرادات خلال تسعة أشهر من 2019    محافظ جنوب سيناء يكرم 180 طالب وطالبة من حفظة القرآن    علماء الأوقاف: التابعون قدوة لمن جاء بعدهم من الأئمة    منتخب الجزائر يطير إلى بوتسوانا فى غياب رياض محرز    بالصورة .. ضبط أحد الأشخاص بالمنيا وبحوزته 39 قطعة يشتبه فى آثريتها    "هنيدي" ل"آل الشيخ": "إزاي تسأل سؤال زي ده؟"    احترس| 5 عقوبات للغيبة في الدنيا والآخرة يتعرض لها من يستمع إليها    حظك اليوم السبت 16 نوفمبر 2019 | الابراج اليومية | al abraj حظك اليوم | طالع الابراج | حظك اليوم في الحب| توقعات الابراج    المطافئ تدفع بتعزيزات إضافية لإخماد حريق هائل ب "مركب الحوامدية"    الفلبين تعلن أول حالة إصابة في الرئة بسبب السجائر الإلكترونية    صلاة الظهر بعد الجمعة.. يستحب صلاتها لهذا السبب.. فيديو    الحكومة: بدء تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر مارس 2020    شاهد.. برومو منتدى إفريقيا 2019    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأطفال يحاكمون من أنجبوهم!

أكتب لكم من باريس التى تستعد لتستقبل عاما ثقافيا يتسم بالخصب والتنوع، ويتسع لتمثيل الثقافات الأخرى خاصة ثقافات أوروبا فى الماضى والحاضر، ففيه شكسبير، وسرفانتس، وفيردي. وفيه أفلام من أمريكا، وفيلم لبنانى سارعت لمشاهدته حين قرأت أن البطولة فيه لصبى فى الثانية عشرة من عمره يلعب فى الفيلم ما يعيشه فى الحياة، ويرفع دعوى ضد أهله تنظرها المحكمة بتهمة أنهم أنجبوه!
عمل مدهش هذا الفيلم الذى أحدثكم عنه! لأنه نقيض ما هو سائد فى السينما العربية، بل هو، حسب ما رأيت، الواقع المسكوت عنه فى الثقافة العربية الحديثة كلها.
الثقافة العربية الحديثة لا تقدم من الواقع إلا ما تراه مسموحا به، وهو فى غالب الأحيان العالم الذى يعيش فيه الكتاب والشعراء والفنانون العرب، عالم الطبقة الوسطي، فإن تجاوزته إلى غيره فتحدثت عن الفقراء أو عن الأغنياء تحدثت عنهم من وجهة نظر المثقف الذى ينتمى للطبقة الوسطى التى تعتبر نفسها حارسة للقديم ومصدرا للجديد، لكن دائما من موقفها الوسطى الذى تسيطر عليه الجهات الرسمية والدينية. ونحن نسمع ونقرأ كل يوم هذه العبارة باعتبارها تلخيصا وتعبيرا عن الحكمة والتعقل. لكن هذا الفيلم لا يقدم من الواقع إلا ما هو مستبعد منه وغير مسموح به إلى الحد الذى يظن الكثيرون أنه غير موجود، مع أنه يحتل فى الواقع رقعة واسعة، لكنها رقعة منفية ومطرودة، وهى إذن غير موجودة، لأنها غير شرعية، ولهذا يلجأ لها الفقراء والمهمشون من أهل البلاد، كما يلجأ لها الأجانب الذين يدخلون لبنان متسللين لا يحملون أوراقا رسمية تسمح لهم بالإقامة الشرعية. وفى هذه الرقعة من المجتمع اللبنانى تدور أحداث فيلم «كفر ناحوم»
كل شىء فى هذا الفيلم يجسد هذا العالم المنبوذ. الأحداث تدور فى العشوائيات المحيطة بكفر ناحوم التى يسكنها الفقراء بكل مستوياتهم. المعدمون الذين لا يملكون أى شىء، والفقراء الذين لا يملكون إلا القليل. والضعفاء الذين يجدون فى أنفسهم بعض القوة فيعذبون الأكثر ضعفا. الآباء الذين لا عمل لهم فى الحياة إلا أن ينجبوا أطفالا يكتفون بوضعهم أجنة فى بطون أمهاتهم ويتركونهم بعد ذلك لمستقبل محتوم يعانون فيه البؤس والحرمان، ويحشرون فى غرف مظلمة ينامون بعضهم فوق بعض على أرضها الرطبة القاحلة، ويساقون فى الصباح ليشتغلوا خدما وحمالين أو ليظلوا عاطلين لا عمل ولا مدرسة ولا تربية ولا مستقبل إلا هذا الواقع الذى يتكرر كل يوم. والتجار الذين يستغلون حاجة هؤلاء ليملوا عليهم شروطهم ويشتروا بناتهم وهن فى الحادية عشرة من أعمارهن بعقود زواج مزورة. والمهربون الذين يستخدمون الأطفال فى تهريب المواد المخدرة.
عالم من الفوضى والعنف والقبح والفظاظة والسوقية ضحاياه كثيرون، لكن ما يعانيه الأطفال فيه أكثر وأشد وأعنف مما يعانيه غيرهم، وهذا بالضبط ما يكشف لنا عنه هذا الفيلم. ومع أنه تصوير للواقع فهو يصور هذا الواقع بجرأة ويقدمه على نحو مثير لا يتاح إلا لفنان قدير، وهو شرط تحقق فى مخرجة الفيلم نادين لبكى التى تخصصت فى تقديم ما لم تقدمه السينما العربية من قبل، كما فعلت فى فيلمها الأول الذى صورت فيه حياة النساء من خلال صالون لتصفيف الشعر ينتهزن فيه فرصة اجتماعهن لتتحدث كل منهن عن حياتها.
بعد ذلك قدمت نادين لبكى فيلما ثانيا. و«كفر ناحوم» هو فيلمها الثالث الذى تواصل فيه عرضها لحياة المضطهدين وعالمهم، والذى يعرض الآن فى باريس بعد أن حصل فى مهرجان كان على جائزة لجنة التحكيم، وبعد أن اختير ليمثل لبنان فى الأوسكار القادم.
والفيلم عبارة عن محاكمة يقف فيها الصبى زين متهما بمحاولة قتل زوج أخته سحر، وهو بقال متواضع استغل القليل الذى يملكه لشراء جسد هذه الطفلة التى لم تكن تجاوزت الحادية عشرة من عمرها، وكانت أقرب إخوة زين إليه ولهذا لم يطق هذا الوضع وترك البيت ليتشرد فى كفر ناحوم يسير على غير هدى فى الشوارع التى يخترقها الأطفال الموسرون بملابسهم النظيفة وسياراتهم الخاصة. ويصادف فى تشرده فتاة إرتيرية كانت فى وضع يشبه وضع أخته.
مهاجرة دون أوراق. عملت خادمة فى أسرة لبنانية تملك بيتا وسيارة وتستأجر سائقا استطاع أن يخدع الخادمة الإرتيرية فتحمل وتطرد من عملها وتتشرد هى الأخرى وتضع طفلها يونس الذى سيأتنس به زين ويرعاه كأنه شقيقه الأصغر. لكن الشرطة تقبض على الأم الإرتيرية راحيل التى لم تكن تحمل ما يؤهلها للإقامة فى لبنان،.. ويحاول زين مع شدة عوزه أن يحل محلها فى رعاية طفلها. ثم يصل إلى علمه أن أخته ماتت وهى تضع حملها الأول فيسرع إلى بيت أهله لينتزع سكينا ويركض به إلى بيت البقال زوج أخته ويطعنه به طعنة لم تكن قاتلة فتقبض عليه الشرطة ويقدم للمحاكمة التى بدأ بها الفيلم وانتقل من خلالها إلى ما سبقها. بطريقة الفلاش باك ليقدم لنا الأحداث التى ساقت زين إلى المحاكمة التى تحول فيها من متهم إلى ضحية وصاحب قضية يمثل هؤلاء الأطفال التعساء ويرفع باسمهم دعواه ضد أهاليهم الذين أنجبوهم لما صاروا إليه وكأنه يترجم العبارة السائرة «هذا جناه أبى علىَّ وما جنيت على أحد!»
وأظن أن هذا المعنى وهو تمثيل الطفل زين لأمثاله من الأطفال الفقراء هو الذى قصدته صحيفة «النهار» اللبنانية التى قالت عن الفيلم إن «كفر ناحوم» مجاز أو استعارة فنية تعبر عن عنف الواقع. أما صحيفة «لوموند» فقد عبرت عن الصدق الذى يحسه المشاهد وعن الإقناع الذى يتحول به الفيلم من عمل فنى يصور الواقع إلى واقع أو تسجيل للواقع. وترى «لوموند» أن «كفر ناحوم» يذكرنا برواية فيكتور هيجو «البؤساء»، وأن ما فعله زين مع ابن الفتاة الآرتيرية يذكرنا بما فعله جفروش فى «البؤساء» مع أطفال لا يقل عنهم فقرا. وأنا أقول إن المجاز الذى تحدثت عنه «النهار» يجعل الفيلم تعبيرا عن البؤساء فى العالم كله وليس فى «كفر ناحوم» وحدها.
تحية لمن قدموا لنا هذا الفيلم المدهش، وأولهم نادين لبكي!
لمزيد من مقالات ◀ بقلم أحمد عبدالمعطى حجازى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.